منوعات

سـ,ـرقوا عمرى حكايات صافى هانى

أختي لبست السبع إشبينات كلهم فساتين لافندر تحفة، وجت عندي أنا وادتني فستان مختلف تماماً: برتقالي فاقع، وواسع عليا جداً.. وقالتلي بابتسامة تخر عسل: “ده الوحيد اللي كان فاضل”. وأبويا وأمي قالولي: “بلاش تسبكي الدراما وتكبري الموضوع”. ​بس وقت البوفيه والظيطة، جَدة العريس مشيت دايركت ناحيتي، مَسكت إيدي، وقالتلي ست كلمات خلت أختي تسيب فرحها وتَجْري. ​أمي وشها قفش وقفلت وقامت جَرّاني ورا عمود رخام.

​وشوشتني بحدة وعصبية: “اسمعيني كويس، عيلة (ويتلوك) دول ناس بيمـ,ـوتوا في المظاهر وكل حاجة عندهم لازم تبان مثالية. أختك كانت محتاجة قصة متحبكة ومظبوطة عشان تعرف تتجوز وتدخل العيلة دي، وكان لازم تستغل دراستك وشغلك في الهندسة”. ​برقتلها وأنا مش مصدقة ودماغي هتطير. ​”يعني (سلوان) قالت لنسيبها الأغنياء إنها مهندسة إنشائية؟ وقالتلهم عليا أنا إني.. مريضة نفسياً ومش متزنة؟” ​أمي ردت عليا بنرفزة: “أيوة! كانت محتاجة سبب يصدقوه يفسر ليه أنتوا الاتنين مش قريبين من بعض.. وليه إنتي لابسة الفستان البرتقالي المقرف ده. اقبلي الأمر الواقع يا (بروك)، وإياكي تبوظي ليلة أختك”.

​وبعدها سابتني ورجعت تاني لقاعة الفرح، وسابتني واقفة في مكاني مصدومة ومش قادرة أستوعب. ​دول مكنش قصدهم بس يمشوني من الصور.. دول سـ,ـرقوا عمري وحياتي كلها، شهادتي، ومستقبلي، وتعب السنين اللي اتعذبته.. ومسحوا كل ده وعملوني الأخت المريضة البايظة عشان (سلوان) تطلع ملاك ومثالية. ​جالي غثيان وحسيت إني هترعش، وجريت بسرعة على أوضة اللبس عشان أخد مفاتيح عربيتي وأمشي وأسيب الفرح المسموم ده كله ورا ضهري. ​بس أول ما رجلي عتبت الممر الضلمة، سمعت صوت جاي من وسط الخيال.

​”إنتي اللي خلصتي كلية الهندسة بجد، مش كدة؟” ​تسمرت في مكاني ومقدرتش أتحرك. ​(مارجريت ويتلوك)، جدة العريس المهيبة واللي الكل بيعملها ألف حساب، كانت قاعدة على بنش قطيفة، وإيديها الاتنين ساندين على عكاز بـ مقبض لولي. ​وقالت بكل برود وهدوء كأنها بتقرأ من ملف: “محولة من معهد، واتخرجتي بامتياز مع مرتبة الشرف سنة 2017″. ​قلبي بدأ يدق زي الطبلة من الخضة. ​”حضرتك عرفتي الكلام ده منين؟” ​(مارجريت) عينها الرمادي جت في عيني ولقطتني.

​وقالتلي بابتسامة خفيفة: “يا حبيبتي أنا عندي تسعة وسبعين سنة، وأنا مش بسلم ورث وتاريخ عيلتي لأي حد كدة من غير ما أنبش ورا التفاصيل كلها”. ​خبطت بعكازها خبطتين على الأرض، صوتهم كان حاد وواضح زي شاكوش القاضي. ​وبصت ناحية القاعة وقالت: “خليكي قاعدة عشان فقرة الكلمة والتهاني يا (بروك).. هتعوزي تشوفي بنفسك إيه اللي هيحصل دلوقتي”. رجعت القاعة وأنا قلبي هيقف من التوتر، ووقفت ورا خالص بعيد عن العيون.

​المعازيم كلهم بدأوا يتجمعوا حوالين البيست، و(سلوان) وعريسها واقفين ومبتسمين على الآخر، والكل مستني فقرة الكلمات والتهاني. وفجأة، (مارجريت) قامت من مكانها بكل هيبة، ومسكت المايك. القاعة كلها سكتت تماماً، احترماً وتوقيراً للست الكبيرة اللي في إيدها كل خيوط العيلة. ​بصت لـ أختي وابتسمت ابتسامة باردة وقالت في المايك: “بمناسبة الليلة الجميلة دي، وبما إننا بنرحب بـ (سلوان) في عيلتنا كـ مهندسة إنشائية متميزة زي ما قيل لنا.. فـ أنا حابة أقدم لها هدية تليق بمقامها وبمستقبلها معانا”.

​أختي وشها نور وضُحكتها وصلت لودانها، وأمي كانت واقفة بتسقف وفرحانة جداً. ​(مارجريت) كملت وكلامها نازل زي الس.ك.اك.ين: “بصفتي رئيسة مجلس إدارة شركات (ويتلوك) للمقاولات، قررت أتنازل لـ (سلوان) عن إدارة مشروع البرج الجديد في وسط البلد.. بس طبعاً، عشان الإجراءات القانونية والمهنية تكون مظبوطة، أنا جبت معايا هنا وفد من نقابة المهندسين، ومعاهم ورق اعتماد المشروع اللي (سلوان) لازم تمضيه بنفسها حالاً وتراجع الرسومات الهندسية قدامنا وتأكد لنا سلامة الأساسات قبل ما نعلن الشراكة رسمياً”.

​في ثانية واحدة، الضحكة اختفت تماماً من وش (سلوان). وشها قلب أزرق، ووقفت متخشبة كأنها اتصعقت بالكهرباء. ​المعازيم بدأوا يتهامسوا، وعريسها بص لها باستغراب وقال: “في إيه يا سلوان؟ امضي، دي فرصة عمرك!”. ​أختي بدأت تترعش وتتلجلج: “أصل.. أصل أنا.. مش معايا النضارة.. والورق ده محتاج وقت أراجعه في المكتب..”. ​هنا (مارجريت) ضحكت ضحكة خفيفة وقالت بنبرة هزت القاعة: “مش محتاجة نضارة يا (سلوان).. ومفيش مكتب. أنتي مش هتعرفي تقري الورق ده أصلاً، لأنك عمرك ما دخلتي كلية الهندسة!”.

​الصدمة نزلت على القاعة زي الصاعقة. أمي حطت إيدها على بوقها ورجليها مأشلتش تشيلها، والعريس اتصدم وبص لأمه وأبوه. ​(مارجريت) شاورت بإيدها على الشاشة الكبيرة اللي ورا العرسان، وفي لحظة، الصور الرومانسية اختفت، وظهرت مكانها شاشات عرض لملفات رسمية: شهادة تخرجي أنا، بتقديراتي، وباسمي (بروك).. وجنبها السجل الأكاديمي الحقيقي لـ (سلوان) اللي بيثبت إنها اتفصلت من الكلية من تاني سنة.

​(مارجريت) كملت بكل حسم: “المهندسة الحقيقية، اللي شرفت جامعتها واتخرجت بامتياز، هي (بروك) اللي واقفة ورا هناك.. البنت اللي لبستوها فستان برتقالي عشان تداروا على جريمتكم وتطلعوها مريضة ونقص حاد في عقلها. عيلة (ويتلوك) مبيقربش منها نصابين.. والفرح ده مش هيكمل”. ​(سلوان) مئدرتش تستحمل الفضيحة وسط كل أصحابها ومعازيمها، صرخت صرخة مكتومة، ولمت فستانها الأبيض وجريت برة القاعة وهي بتعيط بهيستيريا، وأمي وأبويا جروا وراها ووشهم في الأرض من الخزي.

​العريس وقف مكانه مشحوط ومش مستوعب، والناس كلها بدأت تتكلم وتنسحب. ​وسط كل الهيلمة دي، (مارجريت) مشيت براحة ناحيتي، وبصت للفستان البرتقالي اللي عليا وقالت بابتسامة صافية: “اللون ده لايق عليكي جداً بالمناسبة.. من بكرة الصبح، مستنياكي في مكتب رئيس مجلس الإدارة. إحنا محتاجين مهندسين بجد يشيلوا اسم الشركة”.

خرجت من القاعة وأنا حاسة إن الهوا الحاد بتاع الليل بيفوقني من حلم طويل ومزمن. الفستان البرتقالي اللي كنت شيفاه رمز لإهانتي، فجأة بقى شارة النصر بتاعتي. ركبت عربيتي ومشيت، ومبصتش ورايا ولا مرة. تليفوني مفرصلش رن؛ مئات المكالمات من أمي، ورسائل كلها شتائم وتهديد من (سلوان)، لكن عملت تليفوني “صامت” ورميته على الكنبة اللي جنبي. لأول مرة من سنين، نمت وأنا بالي مرتاح. ​تاني يوم الصبح، لبست أشيك بدلة شغل عندي، ورحت على مقر شركات (ويتلوك). المبنى كان عبارة عن برج قزاز عملاق يهدد السماء، يعكس تماماً القوة والنفوذ اللي بتتمتع بيه الست دي.

​أول ما وصلت مكتب رئيس مجلس الإدارة، السكرتيرة قامت وقفت باحترام وقالتلي: “بشمهندسة بروك؟ اتفضلي، مدام مارجريت مستنياكي”. ​دخلت المكتب، لقيت (مارجريت) قاعدة ورا مكتب خشب أبنوس فخم، وقدامها فنجان قهوة. أول ما شافتني، شاورتلي أقعد وقالت بابتسامتها الذكية: “كنت واثقة إنك هتيجي في الميعاد. الالتزام أول خطوة في النجاح”. ​قعدت وقلت بنبرة هادية بس واثقة: “مدام مارجريت، أنا بشكرك على اللي عملتيه امبارح.. أنتي رجعتيلي حقي قدام الكل، بس أنا مش حابة أكون هنا مجرد تعاطف أو بسبب ذنب عيلتي”.

​قطعتني بنظرة حادة من عينيها الرمادية وقالت: “تعاطف؟ أنا مبعرفش الكلمة دي في الشغل يا بنتي. عيلتي حاولت تظلمك، وده حقك الإنساني وأنا رجعته. لكن وجودك في المكتب ده سببه الـ (CV) بتاعك وتفوقك. أنا قريت أبحاثك في تخرجك عن معالجة التربة، وشفت تقارير كفاءتك في الشركات اللي اشتغلتِ فيها. أنا بشتري عقول، مش بطيب خاطر حد”. ​فتحت درج المكتب وطلعت عقد، وحطته قدامي: “ده عقد تعيينك كمديرة قطاع الهندسة الإنشائية لمشروع البرج الجديد. المرتب والمميزات أهم بكتير من اللي كنتِ تحلمي بيه، بس المقابل.. شغل 24 ساعة ومفيش مجال للغلط. هتمضي؟”

​مسكت القلم وبصيت للورق، وحسيت إن القلم ده بيمسح كل لحظة قهر عشتها وسط عيلتي اللي كانت بتقدم (سلوان) عليا في كل حاجة لمجرد إنها “الوش الحلو للبيت”. مضيت العقد وقلت: “جاهزة من دلوقتي”. ​مرت ست شهور.. ​في الست شهور دول، حياتي اتقلبت 180 درجة. بقيت بلمع في مجالي، والكل في السوق بيتكلم عن المهندسة الشابة اللي بتدير أكبر مشروع لـ عيلة (ويتلوك). وطبعاً، خطوبة (سلوان) اتفركشت تماماً من ليلة الفرح، وعريسها وعيلته رفعوا عليهم قضية تعويض وتزوير، وبقوا منبوذين في المجتمع المخملي اللي (سلوان) كانت بتمـ,ـوت عشان تدخل فيه.

​في يوم، كنت واقفة في موقع المشروع بتابلوه الرسم الهندسية والخوذة البيضا، لقيت تليفوني بيرن.. كانت أمي. المرة دي قررت أرد. ​صوتها كان تعبان، ومبقاش فيه النبرة الحادة والغرور بتوع زمان. قالتلي بصوت مخنوق: “بروك.. أختك مدمرة، ومفيش شركة راضية تقبلها، وأبوكي مريض من الصدمة والفضيحة اللي لفت البلد.. إحنا عايشين في ضلمة يا بنتي، وأنتي الوحيدة اللي تقدري تساعدينا بفلوسك ونفوذك الجديد.. إحنا أهلك مهما حصل”. ​أخدت نفس طويل، وبصيت للبرج الحقيقي اللي أنا ببني فيه بإيدي وعرقي، وافتكرت ليلة الفرح لما سابوني ورا العمود الرخام وقالتلي “اقبلي الأمر الواقع ومتبوظيش ليلة أختك”.

​رديت عليها بكل برود وهدوء: “يا أمي.. أنا حالياً مشغولة جداً براجع أساسات برج خرساني، ومفيش في وقتي دقيقة واحدة أضيعها على قصص مش حقيقية. زي ما قلتوا لي زمان.. ده الأمر الواقع، فـ اقبلوه.. ومتبوظوش ليلتي”. ​قفلت السكة، وحطيت التليفون في جيبي، وكنت مبتسمة وأنا بصرخ في العمال: “يلا يا رجالة.. صب الخرسانة يبدأ حالاً”. بعد سنة كاملة من اليوم ده، انفتحت أبواب البرج الجديد رسمياً. ​كانت ليلة افتتاح أسطورية، كل رجال الأعمال والمهندسين الكبار في البلد كانوا موجودين. أضواء الليزر مغطية واجهة البرج القزاز، واسمي “المهندسة بروك” كان منور على شاشات العرض كمديرة ومصممة المشروع الإنشائي بالكامل.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى