منوعات

الكاس

مرت السنين، وقفلت “سيف” و”سما” كتاب الماضي، أو ده اللي كانوا فاكرينه. الفرح عدا، وأختها اتجوزت وعاشت حياتها، وسما كبرت.. كبرت بسرعة أوي عن سنها. تالتة ثانوي، بعدين الجامعة، ملامح الطفلة اللي عندها 15 سنة اختفت، وحل محلها بنت ناضجة، هادية، وعينيها فيها لمعة حزن غامض مش بيفارقها.
​طول السنين دي، سيف مكنش بيظهر في التجمعات العائلية غير نادراً، ولو جه، كان بيتجنب يبص في اتجاهها تماماً، كأنه بيمحي وجودها.. وده كان بيوجعها أكتر من ذله ليها زمان.
​نقطة التحول: لقاء غير متوقع
​بعد 7 سنين، سما اتخرجت من كلية التجارة وإدارة الأعمال.

كانت بتدور على شغل في شركات كبيرة، وقدمت في كذا مكان من غير ما تركز في أسامي الملاك. وفي يوم، جاتلها مكالمة لإنترفيو في شركة استشارات مالية ضخمة.
​دخلت البرج الإداري، ونفس الاحساس القديم بالخوف رجع يهاجمها. ركبت الأسانسير، ودخلت الدور الأخير. السكرتيرة قالتلها: “اتفضلي، المدير مستنيكي”.
​فتحت الباب.. وللثانية تلاقت العيون. هو نفس المكتب الخشب الضخم، وهو نفس الراجل بشياكته وهيبته، بس خيوط الزمن خلت ملامحه أوقر وأجمل. سيف رفع عينه من الورق، أول ما شافها، القلم وقع من إيده. الصدمة هزت كيانه، بس ملامحه رجعت باردة في ثواني.
​سيف (بنبرة هادية ورسمية جداً): “آنسة سما..

اتفضلي اقعدي.”
​سما كانت رجليها مش شايلّاها، قعدت وهي حاسة إن التاريخ بيعيد نفسه، بس المرة دي هي مش عيلة صغيرة مغصوبة.
​المواجهة الحقيقية
​سيف مسك الـ CV بتاعها وقرأه بتمعن، وفضل ساكت لدقائق كأنها دهر. بعدين قفله وبص لها وقال:
“مؤهلاتك ممتازة، وتقديرك عالي.. بس أنتِ عارفة أنا مين، وعارفة إيه اللي بيننا. جاية تقدمي هنا ليه يا سما؟ جاية تكملي اللعبة؟”
​سما خدت نفس طويل، ولأول مرة تبص في عينه بقوة ومن غير ما تترعش:
​سما: “أنا مقدمة في الشركة بناءً على إعلان، ومكنتش أعرف إنها شركتك. بس لو عايز الحقيقة؟

أنا هربت السنين اللي فاتت دي كلها من ذنب أنا عملته وأنا عيلة مش فاهمة حاجة. أنا مش جاية ألعب يا سيف.. أنا جاية أصلح، لو لسه فيه حاجة ينفع تتصلح. أنا كبرت، وفهمت الوجع اللي سببتهولك زمان.”
​سيف سكت، كلامها لمس حتة جواه كان قفلها بالجنزير. هو كمان طول السنين دي مكنش قادر ينسى “الروح” اللي حبها في الشات، الروح اللي لقاها بتكبر قدامه وبقت حقيقة.
​بداية جديدة.. بشروط جديدة
​سيف قام وقف ومشى ناحية الشباك، نفس الوقفة القديمة، بس المرة دي من غير سيجارة. التفت ليها وقال:
​”الشغل عندي مفيش فيه مجاملات، ومفيش فيه ماضي.

أنتِ هتستلمي وظيفة ‘محلل مالي مبتدئ’ بناءً على كفاءتك مش عشان أي حاجة تانية. قدامك 3 شهور فترة اختبار.. لو أثبتي نفسك هتكملي، لو فشلتي هتمشي. موافقة؟”
​سما ابتسمت ابتسامة حقيقية لأول مرة من سنين: “موافقة جداً يا فندم.”
​هل دي البداية؟
​الشهور عدت، وسما أثبتت ذكاء وجدارة غير عادية. مكنش فيه أي كلام شخصي بينها وبين سيف، كل المعاملات كانت شغل وبس. لكن نظرات سيف كانت بتتغير يوم عن يوم.. من برود، لـ إعجاب، لـ لهفة مكتومة. كان بيراقبها وهي بتشتغل، بيشوف البنت اللي كبرت وبقت قوية ومسؤولة، والشرخ اللي في قلبه بدأ يلم تدريجياً.

​وفي يوم، بعد ما الشغل خلص والشركة فضيت (نفس المشهد القديم بيتكرر بس بطاقة مختلفة تماماً)، سما كانت بتجمع حاجتها عشان تمشي. سيف خرج من مكتبه ووقف قدام مكتبها.
​سما رفعت راسها وبصت له. سيف طلع من جيبه “نوت بوك” صغيرة قديمة جداً، حطها على مكتبها. فتحتها، لقتها كاتب فيها بخط إيده كل الكلام اللي كانت بتقولهوله في الشات الوهمي زمان.. كان محتفظ بيه في ذاكرته وكاتبه عشان ماينساهوش.
​سيف (بصوت مليان مشاعر حبسها سنين): “أنا مسحت الشات من الموبايل زمان يا سما.. بس ممسحتوش من هنا (وشاور على قلبه). الـ 3 شهور بتوع الاختبار خلصوا..

وأنا مش عايزك مساعدة، ولا عايزك موظفة في شركتي.”
​سما قلبت دقاته سريعة: “أومال عايز إيه يا سيف؟”
​سيف ابتسم، الابتسامة الحنينة اللي شافتها يوم الفرح من بعيد، وقال:
​سيف: “عايز أبدأ الحكاية صح.. من غير كدب، من غير انتقام، ومن غير شاشات. تتجوزيني يا سما؟”
​الدموع لمعت في عيون سما، بس المرة دي كانت دموع فرحة وانتصار للحب اللي اتولد من رحم الوجع. هزت راسها بالموافقة وهي مش قادرة تنطق، وعرفوا هما الاتنين إن الحكاية مخلصتش زمان..

دي كانت بس فترة تحضير للقصة الحقيقية اللي هتبدأ دلوقتي.وقفتِ في مكانك مبرقة، الدم هرب من عروقك لدرجة إنك حسيتِ بأطرافك بتلتج من الساقعة رغم إننا في عز الصيف. نظرات سيف كانت عاملة زي المشرط اللي بيشرح ملامحك، عينيه كانت بتتحرك بين عينيكِ، حواجبك، وتفاصيل وشك، وكأنه بيطابق صورة مرسومة في خياله على الحقيقة اللي واقفة قدامه. النبرة اللي سأل بيها مكنتش مجرد سؤال عابر، كان فيها شك حقيقي، شك يخليكي تمو.تي في جلدك من الر.عب.
​بلعتِ ريقك بصعوبة، وحاولتِ ترسمي على وشك أهدى ابتسامة ممثلة فاشلة ممكن تعملها في حياتها.

فركتِ إيديكِ في بعض عشان تداري رعشتهم، وقولتِ بصوت متحشرج حاولتِ على قد ما تقدري تخليه طبيعي: “أه.. أهلاً يا أستاذ سيف. لا خالص، هيكون اتقابلنا فين يعني؟ يمكن بس الشبه خانك، أصل أنا ماليش في الخروج الكتير، ومعظم وقتي بين المذاكرة والبيت.”
​سيف مقتنعش، فضل واقف مكانه، حاطط إيديه في جيوب بنطلونه، وعينيه لسه منزلتش من عليكِ. قرب خطوة كمان، والمسافة اللي بينكم صغرت لدرجة إنك بقيتِ سامعة نفسة الهادي. ضيق عينيه ومال براسه أكتر وقال بصوت واطي ويدوب مسموع: “مش عارف.. الشبه مش في الملامح بس، الشبه في نظرة العين، في الطريقة اللي بتعدلي بيها شعرك لما تتوتري..

في الصوت؟ لا، الصوت مختلف شوية، بس النبرة.. النبرة دي أنا سمعتها قبل كده، ومتاكد إني مش بهلوس.”
​قلبك كان بيدق بسرعة جنونية، لدرجة إنك كنتِ خايفة يسمع دقاته اللي بقيتِ حاسة بيها في ودنك. الذاكرة رجعت بيكِ لورا، للرسائل الصوتية اللي كنتِ بتبعتيهالو وتغيري نبرة صوتك فيها ببرامج تعديل الصوت، وللصور اللي كنتِ بتلعبي في أبعادها وفلاترها عشان تباني واحدة تانية خالص. أنتِ كنتِ حاسبة كل حاجة، إلا اللحظة دي.. لحظة المواجهة الحقيقية اللي مفيش وراها شاشة تستخبي وراها.
​عشان تنهي الحوار ده قبل ما يتطور ومصيبتك تبان، رجعتِ خطوة لورا وقولتِ بسرعة وبنبرة فيها شوية حدة مصطنعة:

“عن إذنك يا أستاذ سيف، ماما أكيد بتدور عليا جوا، وأنا مش حابة أقف هنا لوحدي.” وسيبتيه ومشيتِ من غير ما تستني رده، كنتِ بتجري بخطوات سريعة وواسعة وكأنك بتهربي من حبل المشنقة.
​دخلتِ الفيلّا وتوجهتِ فوراً على الحمام، قفلتِ الباب وراكِ بالمفتاح وسندتِ ضهرك عليه. أخدتِ نفس طويل وكتوم، وبصيتِ لوشك في المراية؛ كنتِ صفرا زي الليمونة، وعينيكِ واسعة من الخوف. فتحتِ الحنفية وغسلتِ وشك بمية ساقعة عشان تفوقي. قعدتِ تلومي نفسك بغل: “أنا إيه اللي هببته ده؟ إزاي وافقت آجي اصلاً؟

لو لمح فيا أي حاجة زيادة، أو لو شك بنسبة واحد في المية، هيخرب بيت أختي قبل ما يتبني، وهبقى أنا السبب في دمار حياتها.”
​بعد عشر دقائق، حاولتي تجمعي شتات نفسك، وخرجتِ الصالة. لقيتِ أختك الكبيرة قاعدة جنبه خطيبها، وشها منور وفرحانة، وحماتها المستقلبية عمالة تضحك معاها وتوزع ابتسامات. أما سيف، فكان رجع قعد مكانه على الكرسي الفردي في ركن الصالون، ماسك موبايله، بس أول ما الباب بتاع الممر اتفتح وظهرتِ أنتِ، رفع عينه بسرعة وبص عليكِ.

النظرة المرة دي كانت أعمق، وكأنه بيراقب كل حركة بتعمليها، الطريقة اللي بتقعدي بيها، لفتة راسك، وحتى توترك وهو بيزيد كل ما عينك تيجي في عينه.
​الوقت عدا وكأنه سنة، لحد ما بابا قام وقال: “يلا يا جماعة، نستأذن إحنا بقى عشان منأخركمش، والمرة الجاية تنورونا في بيتنا الصغير.”
الجملة دي كانت بالنسبة لكِ زي طوق النجاة اللي اترمالك وأنتِ بتغرق في بحر ملوش آخر. وقفتِ بسرعة البرق، ولبستِ شنطتك، وكنتِ أول واحدة واقفة جنب الباب مستنية اللحظة اللي هتمشي فيها.

وأنتوا بتسلموا وتودعوا بعض، سيف وقف قصاد بابا وسلم عليه بحفاوة، وبعدين بص لكِ ومد إيده وقال بنبرة هادية بس مليانة خبث وذكاء: “فرصة سعيدة جداً يا آنسة سما.. وإن شاء الله نتقابل قريب في الفرح، وأتمنى ساعتها نكون اتعرفنا أكتر.. عشان لسه حاسس إننا تقابلنا قبل كده.”
​سلمتِ عليه بطرف صوابعك، يدوب لمسة سريعة، وسحبتِ إيدك كأنك لمستِ نار، وقولتِ بابتسامة باهتة: “فرصة سعيدة.”
خرجتوا من الفيلّا وركبتوا التاكسي، وطول الطريق وأنتِ باصة من الشباك على شوارع القاهرة والأنوار، ومش سامعة أي حاجة من رغي أختك وماما عن الشياكة والفلوس والفستان اللي هيتعمل. عقلك كان شغال زي الماكينة:

“هو بيشك ولا متأكد؟ طب لو متأكد مستني إيه؟ ليه مفضحنيش قدام الكل؟ هل بيلعب بيا زي ما لعبت بيه؟”

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى