منوعات

الكاس

​تاني يوم الصبح، نزلتِ من البيت بحجة إنك رايحة كورس كمبيوتر مع صحابك، وروحتِ على العنوان اللي بعتهولك. كان برج إداري عملاق وفخم في وسط البلد. دخلتِ الشركة وركبتِ الأسانسير وأنتِ حاسة إنك رايحة لـ حتفِك. أول ما دخلتِ مكتبه، لقيتيه قاعد ورا مكتب خشب ضخم، لابس بدلة شيك جداً، وبص لكِ بنظرة انتصار من غير ما ينطق.
​من اليوم ده، بدأت رحلة العذاب الحقيقية. سيف مكنش بيمد إيده عليكِ ولا بيشتمك، بس كان بيذلك بالشغل والمظاهر.

كان بيخليكِ تقفي بالساعات تنظمي ملفات، وتعملي له قهوة، ويمسح بكرامتك الأرض لو الكوباية ناقصة سكر، وكان دايماً يلمح لكِ بكلام يوجع ويفكرك باللي عملتيه فيه. وأنتِ كنتِ بتستحملي وبلعة الإهانة وسكتة عشان خاطر فرح أختك اللي قرب.
​مرت الأيام والأسابيع، والضغط كان بيزيد عليكِ لدرجة إن ملامحك بقيت دبلانة وتحت عينيكِ أسود من قلة النوم والخوف. وفي يوم، قبل الفرح بيومين بس، سيف طلبك في مكتبه بالليل والشركة كلها كانت فاضية ومفيش غيركم.
​دخلتِ ووقفتِ قدام مكتبه، وقولتِ بضعف ونبرة مكسورة: “أستاذ سيف..

الفرح بعد بكرة، أنا نفذت كل اللي طلبته، واستحملت كل الإهانات والشغل، ورجعتلك الفلوس كمان بعد ما حوشتها من مصروفي ومرتبي اللي بتديهوني.. أرجوك، كفاية لحد كده وسيبني في حالي.”
​سيف قام من ورا مكتبه، وقرب منك بالراحة لحد ما بقى واقف قصادك بالملي. بص في عينيكِ الدبلانة، ولأول مرة نظرة البرود والتحدي اللي في عينيه تختفي، ويحل محلها نظرة غامضة فيها عتاب ووجع قديم. سكت شوية، وبعدين طلع الموبايل بتاعه من جيبه، وفتح الشات الوهمي القديم اللي بينكم.
​بص للموبايل وقال بصوت واطي ومبحوح: “عارفة إيه أكتر حاجة بتوجعني يا سما؟

إني لما اتكلمت معاكِ على النت، أنا مكنتش بتكلم مع ملامح ولا مع فلاتر.. أنا كنت بتكلم مع روح. أنا حبيت طريقتك، حبيت ذكائك، وحكيتلك عن ضغوط شغلي وعن حياتي اللي مفيش حد بيسمعني فيها.. أنا بجد فتحتلك قلبي اللي عمري ما فتحته لمخلوق. ولما جيتي في الآخر وقولتِ إنك كنتِ بتلعبي بيا عشان تنتقمي لأختك.. أنتِ مكسرتيش كبريائي بس، أنتِ كسرتي قلبي.”
​دموعك نزلت غصب عنك، وحسيتِ بنغزة قوية في قلبك. لأول مرة تكتشفي إن اللعبة اللي عملتيها مكنتش مجرد انتقام، دي كانت جريمة في حق مشاعر إنسان بجد.

​سيف قرب خطوة كمان، ومسح دمعة نازلة على خدك بطرف صوابعه بحنية صدمتك، وقال بنبرة هادية بس مرعبة: “أنا كنت ناوي أذلك وأدفعك التمن غالي.. بس اكتشفت إن الوجع الحقيقي مش في الانتقام. الوجع الحقيقي إني كل ما ببص في وشك وبشوف خوفك مني، بكره نفسي وبكرهك أكتر.. الخمسة آلاف جنيه بتوعك أهو، والشات كله أنا مسحته حالا قدامك.”
​ضغط على زرار في موبايله ومسح كل حاجة نهائي، وبص لكِ وقال: “الفرح هيتم، وأنا مش هقول كلمة واحدة لحد.. وأنتِ من بكرة مش عايز أشوف وشك في الشركة تاني، اللعبة خلصت يا سما..

وروحي، أنتِ حرة.”
​سيبتيه وخرجتِ من الشركة وأنتِ بتجري في شوارع القاهرة بالليل، دموعك مغرقة وشك.. بس المرة دي مكنش عياط خوف من الفضيحة، كان عياط من نوع تاني خالص. حسيتِ بنغزة في قلبك غريبة مش فاهماها. هل هو تأنيب ضمير؟ ولا صدمة من حنيته المفاجأة؟ ولا.. ولا حاجة تانية أنتِ مش عايزة تعترفي بيها لنفسك؟
​جه يوم الفرح.. القاعة كانت أسطورية، والأنوار والـمزيكا قالبة المكان. أختك كانت زي القمر في فستانها الأبيض، وخطيبها طاير بيها من الفرحة. وأنتِ واقفة في ركن بعيد، لابسة فستانك وباصة عليهم بابتسامة باهتة، والـحمل اللي كان على كتافك انزاح، بس قلبك مكنش مرتاح.

​وفجأة، لمحتيه.. سيف كان واقف وسط معازيم عيلته، لابس بدلة سودا كاملة وشكله يخ.طف العين. عينك جت في عينه من بعيد.. النظرة المرة دي مكنش فيها غل، ولا رغبة في الانتقام، كانت نظرة طويلة، غامضة، ومليانة كلام ملوش آخر.. ونفس النغمة المألوفة اللي حبتيها زمان رجعت تندهلك من بعيد.
​سيف دور وشه ومشي وخرج من القاعة بالراحة.. وأنتِ فضلتِ واقفة في مكانك، قلبك بيدق وعقلك بيسألك: هل فعلاً الحكاية خلصت لحد هنا؟ ولا دي كانت مجرد بداية للقصة الحقيقية؟!

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى