
أول ما وقعت عيني عليه كان **حقيبة سفر صغيرة** موضوعة بجانب الباب. قالت فردوس وهي تبتسم ابتسامة صفراء: — أهلاً يا حماتي العزيزة. جيتي في ميعادك بالظبط… ده معناه إنك بتفهمي في الأصول وبتخافي على بنتك. فين الظرف؟ أخرجتُ الظرف من طيات ملابسي، لكنني لم أعطه لها. مسكتُه بقوة وقلت بصوت مرتجف مصطنع: — سلمى فين؟ أنا مش هسلمكم حاجة قبل ما أشوف بنتي وأتأكد إنها كويسة وعايشة! أشارت فردوس لشريف برأسها، فصعد إلى الأعلى وعاد بعد دقيقتين وهو يمسك بسلمى من ذراعها بعنف.
كانت سلمى تبكي بلا توقف، وجهها شاحب كالمو.تى، وشعرها مبعثر، وعيناها منتفختان من كثرة البكاء والمهدئات التي أجبروها على تناولها. أول ما شافتني صرخت: — ماما! حاولت الجري نحوي، لكن شريف جذبها بقوة للخلف وقال بلهجة حادة: — اثبتي مكانك يا سلمى… الحساب لسه مخلصش. نظرتُ إلى فردوس بضعف وقلت: — حرام عليكم… البنت حامل في ابنكم! إزاي تعملوا فيها كده؟ إزاي تعاملوها كأنها خادمة وتجبروها تاكل بواقي أكلكم وتذلوها بالشكل ده؟
ضحكت فردوس بسخرية، ونهضت من مكانها تقترب مني بخطوات بطيئة قائلة: — ابننا؟ هههههه… إنتِ لسه مصدقة اللعبة دي يا ولية يا غلبانة؟ ابننا مين؟ شريف ابني مبيخلفش، وإنتِ أكيد شوفتي التقرير اللي في الظرف. بس إحنا كان لازم نلحق ورث عيلة الشناوي والمليارات اللي هتروح لأبناء العمومة لو شريف مخلفش وريث قبل ما السنتين يخلصوا. وقفت أمامي مباشرة وقالت بنبرة تقطر فخرًا بالشر:
— بنتك دي ما هي إلا “حصالة” شريناها بفلوسنا عشان تشيل الوريث اللي هيضمن لنا المليارات. عملية التلقيح المجهري تمت بنجاح في مستشفى “الرحمة” الخاصة بتاعة الدكتور صاحبي ومن نطفة تبرع جاهزة… وبنتك كانت غبية وفاكرة إنها بتاخد حقن فيتامينات لتجهيز الرحم! أردتُ أن أصرخ من هول القذارة، لكنني ضغطت على جهازي الصغير في جيبي وأنا أستدرجها أكثر: — والتقرير النفسي؟ وإيصالات الأمانة اللي مضيتوها عليها؟ تدخل شريف وهو يضحك بشر:
— التقرير النفسي ده عشان نضمن إن سلمى بعد ما تولد الوريث الذكر ونسجله باسمي، تترمي في الشارع من غير ما تفتح بقها بحرف، ولو فكرت تشتكي أو تبتزنا بالسر ده، هنسجنها بإيصالات الأمانة بتهمة سرقة نص مليون جنيه من خزنة الفيلا… يعني بنتك مالهاش مخرج يا حماتي! يا تعيش هنا زي الكلبة تاكل من بواقي أكلنا وتخدمنا لحد ما تولد وتمشي بالورقة والقلم، يا تسجنيها بإيدك دلوقتي وتضيعي مستقبلك ومستقبل ابنك الصغير اللي صورناه وبنعرف خط سيره خطوة بخطوة!
### المواجهة الحاسمة نظرتُ إلى سلمى التي كانت تبكي بانهيار وهي تسمع هذه الحقائق المرعبة لأول مرة. كانت مخدوعة في كل شيء. استجمعتُ كل قوتي، ومسحتُ دموع الضعف المزيفة من على وجهي. نظرتُ إلى فردوس وعيني تشتعلان بنار الانتقام، وقلت لها بصوت قوي وثابت هز أركان الصالة الفخمة: — تفتكري يا فردوس إنك أذكى وحدة في الدنيا؟ وتفتكر يا شريف إن فلوس عيلتكم تقدر تشتري شرف الناس وتذل بنتي بالشكل ده وتنجوا بعملتكم؟
تغيرت ملامح فردوس وقالت بشك: — إنتِ بتكلميني كده ليه؟ هاتي الظرف ده فورًا! أخرجتُ الظرف، وبكل برود قمت بتمزيقه أمام أعينهم شرائح صغيرة ورميتها في الهواء لتتطاير على الأرض الفخمة. صرخ شريف بجنون: — يا بنت الـ… إنتِ بتعملي إيه؟ إنتِ جنيتي على نفسك وعلى بنتك! تحرك شريف نحوي بعنف، لكنني أخرجت يدي من جيبي وأنا أمسك بالجهاز الأسود الصغير، ورفعته في وجوههم قائلة بابتسامة نصر هزمت كبريائهم:
— الورق ده كان مجرد صور يا شريف… لكن الاعترافات اللي أنتوا لسه قايلينها حالا بصوتكم، وعن تزوير التقرير النفسي والتلقيح المجهري غير القانوني بدون علم الزوجة، وعن إيصالات الأمانة اللي مضيتوها عليها تحت التهديد… كل ده اتسجل وبيتسمع لايف دلوقتي حالا برة الفيلا! شحب وجه فردوس تمامًا، وتراجعت خطوتين للخلف وهي تصرخ برعب: — تسجيل؟! إنتِ بتسجلي لنا يا جربوعة؟ شريف… خد منها البتاع ده واكسره! هجم شريف عليّ مثل الكلب المسعور ليمسك بيدي، وفي تلك اللحظة الحرجة… سمعنا جميعًا صوت دوي هائل عند بوابة الفيلا!
صوت سرينات الشرطة وهي تملأ المكان، وصوت كسر الباب الخارجي الحديدي للفيلا بقوة… وقبل أن يستوعب شريف أو فردوس ما يحدث، انفتحت أبواب الصالة الكبيرة ودخل المستشار عدلي وخلفه ضباط الشرطة ورجال الأمن المسلحين يملأون المكان! صرخ الضابط بقوة: — محدش يتحرك من مكانه! شريف الشناوي، وفردوس الشناوي… أنتوا مقبوض عليكم بتهم التزوير، والابتزاز، والتهديد، وتسهيل إجراءات طبية غير قانونية! ### الهروب الأخير واللغز المتبقي في وسط هذه الفوضى العارمة، جرى الضباط وقبضوا على شريف الذي كان يقاوم بجنون، بينما سقطت فردوس هانم على الأرض وهي تصرخ وتدعي المرض والنوبة القلبية.
جريتُ نحو سلمى وح.ضنتها بقوة، وكان جسدها يتزلزل من شدة الخوف. قلت لها بدموع الفرح: — خلاص يا حبيبتي… الكابوس انتهى… إنتِ معايا وفي ح.ضني ومحدش هيقدر يلمسك تاني. خرجنا من الفيلا مع المستشار عدلي والشرطة تقود شريف وفردوس في سيارات الترحيلات. لكن، وأنا أخطو خارج بوابة الفيلا الملعونة، لمحت طيفًا يتحرك بسرعة في الظلام وراء إحدى الشجيرات الكبيرة في الحديقة. وقفت ونظرت بدقة… كانت **أمينة الخدامة**!
كانت تنظر إلينا بعيون مليئة بالرعب، وأشارت لي بيدها بحركة سريعة ومريبة للغاية، وكأنها تحذرني من شيء ما… ثم ألقت بورقة صغيرة مطوية على الأرض وجرت واختفت تمامًا في ظلام الليل قبل أن يلمحها أحد من رجال الشرطة. التفتُّ بسرعة والتقطتُ الورقة من على الأرض وفتحتها تحت ضوء عمود الإنارة الخافت أمام الفيلا. كان مكتوبًا في الورقة بخط يد أمينة المرتعش:
> *”يا أم سلمى… الملعوب أكبر من اللي أنتوا كشفتوه في الفيلا… دكتور مستشفى الرحمة كلم شريف قبل ما تيجوا بنص ساعة وقاله إن شريف مش عقيم… شريف بيخلف عادي والتقرير القديم كان ملعوب من حماتك فردوس عشان تسيطر على كل حاجة… والطفل اللي في بطن سلمى هو ابن شريف الحقيقي… بس المصيبة الكبيرة إن…”* > وتوقفت الكتابة فجأة وكأن أحداً ما هجم عليها أو قطع كتابتها!
تسمرتُ في مكاني، وشعرت أن الدائرة تدور بنا من جديد… إذا كان شريف ليس عقيمًا، وكان الطفل ابنه الحقيقي… فلماذا فعلت فردوس كل هذا؟ وما هي “المصيبة الكبيرة” التي لم تستطع أمينة إكمال كتابتها؟! تسمرتُ في مكاني تحت ضوء عمود الإنارة البارد والورقة ترتعش بين أصابعي. التفتُّ حول ملامح بنتي “سلمى” التي كانت تستند على كتف المستشار عدلي وهي تبكي من فرط التعب والمهدئات.
أطبقتُ كفي على رسالة “أمينة” وأخفيتها في جيبي. كانت همسات الرياح في تلك الليلة الخريفية تحمل معها أنفاس مؤامرة أعمق بكثير مما تخيلنا. ركبنا سيارة المستشار عدلي، وبمجرد أن تحركنا بعيداً عن أسوار تلك الفيلا الملعونة، التفتُّ إلى عدلي بيه وقلت له بصوت خافت حتى لا تسمعنا سلمى التي غلبها النوم من التعب: — سيادة المستشار… اللعبة لسه مخلصتش. أمينة رمتلي ورقة قبل ما نمشي.



