منوعات

رجعت من الجيش

بعد سنتين خدمة في الجيش، رجعت البيت بدري وأنا شايل باقة ورد وورق إنهاء خدمتي، وقلبي كله شوق أفاجئ مراتي سارة. لكن أول ما وصلت عند باب الفيلا في التجمع الخامس بالقاهرة، اتجمدت مكاني. سارة كانت مرمية فاقدة الوعي في البرد، على أرضية الجنينة، بينما أمي أمينة وأختي دنيا قاعدين جوه البيت بيتعشوا ويضحكوا، كأن مفيش أي حاجة حصلت. أمي بصت من الشباك وقالت باستهزاء: “أهو أخيرًا عرفت مقامها.” شلت سارة بين إيديا وجريت بيها على المستشفى، وبعدها اتصلت بالشرطة، وبعدها بمحامي العيلة.

ومع أول ضوء للصبح… أمي وأختي كانوا متقبوض عليهم، واتطردوا من البيت اللي كانوا فاكرين إنه بقى ملكهم. — الورد وقع من إيدي قبل حتى ما أوصل لباب البيت. سارة كانت مرمية على الأرض، حافية، ولابسة بلوفر خفيف وبنطلون جينز، وجسمها متجمد من البرد. التلج كان بيغطي شعرها، وفي كدمات واضحة حوالين معصمها، وشفايفها بدأت تزرق. وقعت على ركبتي جنبها. “سارة… يا حبيبتي… افتحي عينيكي.” رموشها اتحركت حركة بسيطة… لكن ما نطقتش ولا كلمة.

في نفس اللحظة، لمحت أمي من خلال شباك السفرة وهي بترفع كباية العصير وبتضحك. أختي دنيا بصت ناحيتي، وأول ما شافتني رجعت، وشها اصفر. شلت سارة بسرعة، وحطيتها في عربيتي، وغطيتها بالجاكيت العسكري، وشغلت التدفئة. ولما حسيت بنفسها الضعيف، رجعت ناحية البيت. قبل ما أخبط، أمي فتحت الباب. قالت وهي مستغربة: “يا كريم! إنت رجعت؟ مش كان فاضلك تلات أسابيع؟” دنيا وقفت وراها وقالت ببرود: “مراتك كانت بتمثل علينا.” دخلت بعيني جوه البيت.

السفرة متجهزة بطقم الصيني اللي اشتريناه يوم فرحنا. ومعالق أبويا الفضية متحطة بعناية. وحتى العصا الخشبية القديمة بتاعته كانت معلقة في مكانها. بصيت لأمي وسألتها: “إيه اللي حصل لسارة؟” ردت بمنتهى البرود: “من يوم ما سافرت وهي قليلة الأدب. رفضت تمضي على ورق نقل البيت، وعلت صوتها علينا، وخرجت بنفسها.” قلت: “خرجت… حافية؟” ابتسمت وقالت: “أهو أخيرًا عرفت مقامها… يمكن تتعلم إنها تعيش تحت أوامر أهل جوزها.” في اللحظة دي…

الغضب اللي جوايا اتحول لهدوء مخيف. رجعت للعربية واتصلت بالإسعاف. وبعدها كلمت المحامي الأستاذ شريف، اللي كان ماسك كل أوراق تركة أبويا. قلت له: “أنا رجعت… وسارة اتعرضت للاعتــ,,ـــــدا. عايز كل أوراق التركة، وعايز تسجيلات كاميرات البيت.” سكت ثواني، وبعدها قال: “هما لسه في البيت؟” قلت: “أيوه.” قال بحزم: “ما تواجههمش لوحدك… والأهم، ما تقولهمش إن والدك قبل وفاته كتب البيت كله باسم سارة، وإنت الوصي الوحيد على الأملاك.”
أمي كانت عايشة السنتين اللي فاتوا وهي متأكدة إن الفيلا هتبقى باسمها.

ودنيا كانت بتتصرف كأنها صاحبة البيت. لكن الحقيقة… إن أبويا قبل ما أسافر كتب كل ممتلكاته في عقد قانوني محكم. والمستفيدة الوحيدة… كانت سارة. أما أنا… فكنت الشخص الوحيد اللي ليه حق إدارة كل حاجة.
#حكايات_شروق_خالد دخلت المستشفى مع سارة، وأنا ماسك إيدها كأنها آخر حاجة باقية ليا في الدنيا. الأطباء استلموها بسرعة، وبعد دقائق خرج الدكتور وقال: “حضرتك زوجها؟” هززت راسي. قال وهو بيبص في التقرير: “وصلت في آخر لحظة. درجة حرارة جسمها كانت منخفضة جدًا، وفيها جفاف شديد وآثار اعتــ,,ـــــدا وإجهاد. لو كانت فضلت برا ساعة كمان، كانت حياتها هتبقى في خطر.”

غمضت عيني للحظة. كل دقيقة كنت بعيد فيها عن البيت وأنا بخدم في الجيش، كانوا بيحولوها لجحيم. بعد أقل من نص ساعة، وصلت قوة من الشرطة، ومعاهم الأستاذ شريف. أول حاجة طلبها كانت نسخ تسجيلات كاميرات المراقبة، لأنها كانت متوصلة بسيرفر خارجي محدش في البيت يقدر يمسحه. فتح اللابتوب قدامي. بدأ التسجيل. ظهر يوم قبل رجوعي. سارة كانت واقفة في المطبخ بتحضر الغدا. أمي دخلت عليها ومعاها ملف أزرق. قالت:

“امضي هنا.” سارة سألت بهدوء: “دي أوراق إيه؟” أمي ردت: “نقل ملكية الفيلا باسم أم كريم. كلها إجراءات عادية.” سارة فتحت أول صفحة، وبعد ثواني قفلت الملف. “مش همضي غير لما كريم يرجع.” وش أمي اتغير. ضــ,,ـــــربت الملف على الترابيزة. “إنتِ فاكرة نفسك صاحبة البيت؟” سارة ردت بثبات: “أنا همضي على أي حاجة بعد ما جوزي يشوفها.” بعدها دخلت دنيا. مسكت سارة من دراعها بعنــ,,ـــــف. حاولت تسحب منها الملف. وسارة كانت بتحاول تبعدها.

فجأة… أمي رفعت العصا الخشبية القديمة وضــ,,ـــــربتها على كتفها. سارة وقعت على الأرض. دنيا فتحت باب الفيلا. والاتنين سحبوها لحد الجنينة. رمولها الشبشب بعيد. وقفلوا الباب عليها. سمعنا صوت سارة وهي بتخبط على الباب. “والنبي افتحوا… الجو تلج.” لكن أمي رجعت للسفرة بكل هدوء. وقالت وهي بتضحك: “لما تبوس رجلي أبقى أدخلها.” قفلت اللابتوب. إيدي كانت بتترعش. الظابط بصلي وقال: “الفيديو ده كفاية لاتهامهم بالشروع في ال..” قلت بهدوء: “أنا هقدم بلاغ رسمي.”

… قبل الفجر بساعة. رجعنا الفيلا. لكن المرة دي، الشرطة كانت معانا. أمي أول ما فتحت الباب ابتسمت. كانت فاكرة إني جاي أصالحها. لكن أول ما شافت الضباط، الابتسامة اختفت. قالت بعصبية: “في إيه؟” الظابط قال: “أمينة محمود؟ ودنيا محمود؟ أنتم مطلوب القبــ,,ـــــض عليكم بتهمة الاعتــ,,ـــــدا والشروع في ال..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى