
شريط السارينة الأزرق والأحمر كان بيلف على حيطان العمارة والرصيف، نوره بيقطع ضلمة الشارع زي المشرط. حسن واقف جنب باب العربية، إيده على الإزاز، وعينه مش مفارقة وش “نور” اللي بدأ يدفي شوية من تكييف العربية، بس شفايفها لسه فيها الزرقة الملعونة. رجال المسعفين نزلوا بسرعة، نقالة المريض اتفتحت بصوت ميكانيكي حاد. “الضغط واطي جداً يا فندم، ودقات القلب ضعيفة.. هبوط حاد في الدورة الدموية ودرجة الحرارة نازلة للحضيض، لازم تتنقل العناية المركزة فوراً!” المسعف قالها وهو بيلف حوالين نور بالملايات الحرارية.
حسن هز رأسه بجمود، لكن جواه كان في بركان بيغلي. بص ناحية مدخل العمارة.. ضابط الشرطة كان نازل على السلم ومعاه أمينين شرطة، ووراه حكمت وشهيرة. حكمت كانت ماشية بكل كبرياء، بتهز رأسها وبتقول للضابط بصوت عالٍ يسمعه الشارع كله: “أنت عارف أنت بتكلم مين يا حضرة الضابط؟! أنا حكمت هانم الشناوي! ابن الشناوي بيه اللي كان مالي البلد دي طول وعرض! أنت بتاخدنا على فين عشان شوية هبل وتصرفات عيال؟!”
الضابط بصلها ببرود من تحت كاب Uniform بتاعه: “يا فندم في بلاغ بمحاولة ق*تل وتسبب في عاهة أو وفاة، وفي مجني عليها منقولة بالإسعاف قدام عينك.. اتفضلي معانا على القسم والنيابة هي اللي تقرر مين الهبل ومين المجرم.” شهيرة كانت ورا أُمها، وشها بقى شبه العيش الناشف، عينيها بتدور في الشارع تدور على أي جار يتفرج عشان تصوت وتسوق العبط، بس لما عينيها جت في عين حسن.. الصوت اتقطع في زورها.
حسن بص لأمه بصة أخيرة قبل ما يركب الإسعاف جنب مراته، وقال بنبرة هادية بس أتقل من الجبال: “البيت اللي كنتوا فاكرين إنكم بتطردوا منه الناس.. بقيتوا أنتوا اللي بره منه للبد. والشرف اللي فاكرين إنكم أصحابه.. هتعرفوا قيمته كويس في التخشيبة النهاردة.” في المستشفى، الوقت كان بيمر زي السكاكين. حسن قاعد قدام غرفة العناية المركزة، لسه ببدلته الميري اللي عليها آثار التراب والثلج الخفيف بتاع الليل. المحامي الأستاذ فتحي وصل على الساعة أربعة الفجر، وفي إيده شنطة جلد ثقيلة.
“حسن يا بني..” فتحي حط إيده على كتف حسن، “أنا جمعت كل الملفات. أبوك الله يرحمه كان قاري الفولة من بدري. عارف إن أُمك وأختك عندهم طمع وغل مش طبيعي. العمارة اللي في الهرم، والفيلا بتاعة المقطم، والمزرعة بتاعة طريق مصر إسكندرية الصحراوي.. كله مكتوب باسمك أنت كتابة نهائية من ثلاث سنين، مع حظر تصرف أو انتفاع ليهم إلا بإذن كتابي منك.” حسن رفع راسه، عينيه حمرا من السهر والدموع المكبوسة: “والورق اللي كانوا عايزين نور توقع عليه يا أستاذ فتحي؟”
فتحي ابتسم بمرارة: “جبت صورة منه من على تليفون أختك لما الضابط حرزه.. الورق ده كان بيع وشراء وهمي مزور، كانوا عايزين يجبروا نور توقع عليه بصفتها وكيلة عنك، عشان ينقلوا شقة الهرم والفيلا باسم شهيرة! كانوا مستغلين غيابك في سيناء، وفهموها إنك لو جرالك حاجة هناك، هي ملهاش أي حق وهتترمي في الشارع، ولما رفضت توقع.. عملوا فيها اللي شفته.” في اللحظة دي، باب العناية اتفتح. الدكتور خرج وهو بيمسح عرقه.
حسن اتنطر من مكانه: “خير يا دكتور؟! نور عاملة إيه؟!” الدكتور اتنفس بحسرة: “عدت مرحلة الخطر بالنسبة للهبوط.. قدرنا ننقذ حياتها والحرارة بدأت ترجع طبيعية. بس…” حسن حس قلبه وقف: “بس إيه يا دكتور؟! اتكلم!” الدكتور بص للأرض ثواني وبعدين بص لحسن: “المدام كانت حامل في الشهر التاني.. وبسبب البرد الشديد والصدمة والنفسية.. الطفل نزل.” الجملة نزلت على حسن زي الصاعقة. الدنيا لفت بيه. مسك في الحيطة عشان ما يقعش. ابننا؟ كان في طفل؟ كان هيبقى أب وهو مش عارف؟
عصر إيده بقوة لدرجة إن أظافره غرزت في إيديه ونزلت دم. النار اللي كانت جواه اتحولت لبركان مالوش نهاية. “أستاذ فتحي..” حسن قالها بصوت طالع من قاع جهنم، “القض/ية دي مش هتتقفل بصلح، ومش هتقف عند مجرد تعدي. دي ق/ضية ق*تل عمد وتزوير وإجهاض قسري. أنا عايز أُمي وأختي يلبسوا البدلة البيضا.. وبعدها الزرقا.” الساعة تسعة الصبح، في سراي نيابة الهرم. كانت حكمت هانم قعدة على الكرسي الخشب الساقع، شياكتها اتبهدلت، عقد اللؤلؤ اتفك ووقع منه حبات على الأرض، وشهيرة جنبهما بتعيط بانهيار من غير صوت.
وكيل النيابة كان قاعد قدامه الملف، والمحامي فتحي واكتب التحريات بتاعة المباحث. تفريغ كاميرات العمارة كان بمثابة حبل المشنقة. الكاميرا جابت اللحظة اللي شهيرة وحكمت بيجروا فيها نور من شعرها ورجليها وهي بتقاوم وبتبكي، وسحلوها على السلم لحد ما رموها بره البوابة الحديد في التلج والبرد، وقفلوا الباب بالترباس! والكاميرا سجلت الصوت كاملاً.. صوت ضحكهم وهم بيقولوا: “خليها تتجمد بره عشان تعرف حجمها!” وكيل النيابة بص لحكمت وشهيرة بنظرة قرف صريحة: “أنتم مش بس متهمين بالتعدي والاحتجاز.. أنتم متهمين بالشروع في الق/تل، والتسبب في إجهاض مجني عليها مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية!”
حكمت صرخت: “أنا أُم حسن الشناوي! ابنها! هي اللي كانت بتقل أدبها علينا! هي اللي رمت نفسها!” وكيل النيابة خبط على المكتب بقوة: “السكتة خالص! الكاميرات مش بتكذب! الصوت والصورة جايبين كل حاجة.. والمتهمتين أمرت النيابة ببحبسهما أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد في الميعاد!” شهيرة وقعت على الأرض بتصرخ: “يا حسن! الحقنا يا حسن! إحنا لحمك ودمك! هتسيب الغريبة تعمل فينا كده?!” في اللحظة دي، الباب اتفتح وحسن دخل.
كان لابس بدليته الميري النظيفة، وفارد طوله، بس وشها كان عبارة عن قناع من الصلب الخالي من أي مشاعر. حكمت زحفت على الركب ناحيته وهي بتبكي: “حسن.. يا ابني! سامحني يا حسن.. أنا أمك اللي ربتك! البت دي ساحرة لك! ما تخليش الغضب يعميك، هتسجن أمك وأختك عشان واحدة لميناها من الشارع؟!” حسن وقف قدامها، بص لها من فوق لتحت، ونزل لمستواها بصوت واطي جداً بس مرعب: “الواحدة اللي بتقولي عليها دي.. كانت شايلة ابني في بطنها. ابني اللي أنتم قت/لتوه بدم بارد في البرد.”
حكمت برقت عينها بصدمة، وشهيرة حطت إيدها على بقها. حسن كمل وقسوة العالم كله في صوته: “أنا نسيت إنكم أمي وأختي من اللحظة اللي شفت فيها نور بتمو.ت في الشارع. الشقة اللي في الهرم غطيتها وشمعتها، والفيلا اتكتبت باسم نور كتعويض مبدئي عن اللي شوفته، وأنا استقلت من الجيش النهاردة.. عشان أفضالكم في المحاكم.. مش هسيب شبر في جسمكم إلا ولابسه الكلبشات.” حسن لف ظهره ومشي بخطوات ثابته، وصوت صراخ أمه وأختهم مالى الممر وهو مش بيلتفت وراه ولا خطوة.
بعد شهرين.. الشمس كانت طالعة دافية في حديقة الفيلا الجديدة. نور كانت قاعدة على كرسي هزاز، لافة شال دافي حوالين كتفها. رغم إن وجهها لسه فيه أثر التعب والشحوب، إلا إن عينها كان فيها الأمان. حسن خرج من باب الفيلا، وفي إيده كوبايتين شاي بالنعناع. قعد جنبها على الكرسي ونولها الكوباية. “سرحانة في إيه يا نور؟” حسن سألها وهو بيمسك إيدها الثابتة. نور بصت له وابتسمت ابتسامة خفيفة بس مكسورة: “بفكر في اللي حصل.. ساعات بحس إنه كان كابوس. بس لما بفتكر إن طفلنا راح.. بحس إن قلبي لسه بيوجعني يا حسن.”
حسن ضغط على إيدها وقبلها: “حق ابننا جه يا نور. أُمي وأختك أخدوا النهاردة حكم مبدئي مشدد أربع سنين سجن مع الشغل والنفاذ، والقض/ية الثانية بتاعة التزوير لسه شغالين فيها وهياخدوا فيها حكم جديد. مش هيرجعوا يشوفوا الشارع تاني قريباً.” نور اتنفست بعمق وبصت للسما: “أنا مش شمتانة.. أنا بس كنت عايزة أعيش في أمان. مع الراجل اللي اخترته وحميته في غيابه.” حسن ابتسم وحط إيده في جيبه، وطلع علبة القطيفة الصغيرة اللي كانت معاه من يوم ما رجع من سيناء. فتحها، وكان فيها الحلق الفضة.
“أنا أخرت الهدية دي شهرين..” حسن قالها وهو بيلبسها الحلق بالراحة، “بس كنت مستني اليوم اللي أشوف فيه ضحكتك ترجع تاني.” نور بصت للفضة وهي بتلمع في الشمس، ودمعة دافية نزلت على خدها.. بس المرة دي كانت دمعة راحة. وفجأة.. تليفون حسن رن. حسن طلع التليفون من جيبه، كان رقم غريب. فتح الخط ورفع التليفون على أذنه. “ألو؟” جاله صوت راجل غريب، صوته حاد ولهجته صعيدية جافة وفيها تهديد واضح:
“أنت حسن الشناوي؟” حسن حواجبة اتعقدت: “أيوه أنا.. مين معايا؟” الصوت كمل ببرود يرعب: “أنا المحامي بتاع الحج راغب الشناوي.. عمك اللي في الصعيد. الحج راغب عرف باللي أنت عملته في أختك وأمك وسجنك ليهم. والحج راغب بيبلغك إن لحم الشناوي خط أحمر.. وأنت دخلت الحرب مع العيلة كلها مش مع أمك بس. جهز نفسك يا ابن أخوي.. عشان اللي جاي مش قضايا ومحاكم.. اللي جاي تار قديم بيتفتح، والورق اللي أبوك كتبهولك.. فيه سر لو عرفته.. أنت بنفسك اللي هتسلم الفيلا والأملاك دي للحج راغب ورجلك فوق رقبتك!”
الخط اتقطع.. حسن فضل باصص للتليفون، وصوت دقات قلبه بدأت تعلى تاني. بص لنور اللي كانت بتبتسم له وهي بتلمس الحلق الفضة ومش دارية باللي بيتقال. حسن أخد نفس طويل، وعرف إن الكابوس ما انتهىش.. دا للسه بيغير وشّه، وإن السر اللي أبوه خفاه عنه طول السنين دي.. كفيل إنه يقلب حياته وحياة نور لجحيم جديد!


