
بص حواليها على المكتب الضيق، وعلى الكتب، وبعدين بص في عينيها وقال بصوته الرخيم اللي هز جدران الدقي: “المكان هنا ضيق أوي يا نور.. ولهجتكم أغرب من لهجتك.. بس أنا قولتلك، لو هتروحي، هاجي معاكي. الحرب خلصت هناك.. وجيت عشان أبدأ حياتي هنا معاكي، أو أخدك معايا ونرجع.. الخيار ليكي يا ملكتي”.
نور وقفت مكانها مشلولة، مش عارفة تصرخ من الفرحة ولا تندفع لحضنه، ولسه هتحرك رجليها ناحيته.. سمعت صوت خبط قوى ومفاجئ على باب المكتب بره، وصوت أخوها وهو بيفتح الباب الخارجي بالمفتاح وبيقول بصوت عالي: “نور! أنتِ لسه صاحية؟ أمي قلقانة عليكي وجيت أخدك.. نور!
أنتِ سامعاني؟”
نور بصت لمنتصر العملاق الواقف وسط الأوضة، وبصت للباب اللي أخوها بيقرب منه وهي عارفة إنها لو فتحت، العالم كله هيتقلب..نور لقت نفسها في موقف أصعب من أي قضية جنايات دخلتها في حياتها. الزمن كأنه وقف، عين على منتصر العملاق اللي واقف بجلالة قدره وسط مكتبها وراسه ملامسة السقف، وعين على الباب اللي خطوات أخوها بتقرب منه وطرقعة المفتاح في إيده بتعلن إنه خلاص على وصول.
بسرعة البديهة المصرية والتصرف السريع، نور أشارت لمنتصر بإيدها وهي بتمشي على طراطيف صوابعها: “هسسس! وطي راسك.. وطي راسك الله يخليك!
إحنا في الدور الرابع والسقف هيقع علينا!”
منتصر مكانش فاهم هي خايفة من إيه، بس من كتر حبه وثقته فيها، قعد على ركبه ووطى ضهره ورا المكتب الخشب الضخم، كأنه أسد بيستخبى ورا شجيرة صغيرة، وجسمه مغطي نص الأوضة.
في نفس اللحظة، الباب اتفتح ودخل أخوها وهو ماسك مفاتيح العربية وبيفرك في عينيه من التعب: “إيه يا نور؟ كل ده تأخير؟ أمك قاعدة على أعصابها في البيت ومش جايلها نوم، وبتقولي نور بقالها كام يوم مش مظبوطة.. إيه ده؟ مال الأوضة سقعة كده ليه؟
والتكييف ماله بايظ ولا إيه؟”
نور وقفت قدام المكتب بالظبط عشان تدير أي زاوية رؤية ممكن تلمح منتصر، وحاولت تبتسم ابتسامة طبيعية جداً وهي بتلم حاجتها في الشنطة وبتقول بصوت عالي شوية عشان تشوش على أي صوت: “يا حبيبي يا سيف.. معلش تعبتك معايا، الجلسة بتاعة بكره صعبة أوي وفيها تفاصيل كتير. التكييف شغال عالي بس شوية، يلا بينا أنا خلصت خلاص وهقفل اللمبات ونمشي فوراً”.
سيف بص حواليه باستغراب، حس إن فيه حاجة مش طبيعية، الورق والكتب اللي واقعة على الأرض، والجو اللي يقرص من السقعة، بس من كتر تعبه مقفش في التفاصيل:
“طب يلا يا ختي، أنا مستنيكي في العربية تحت متتأخريش، الجو بره يخنق”. لف ضهره وخرج وقفل الباب وراه.
أول ما صوت خطوات سيف بعدت في الممر الخارجي، نور سحبت نَفَس طويل كأن روحها ردت فيها. لفت لمنتصر اللي بدأ يقف براحة وهو بيبص لها بنظرة كلها تساؤل وشغف: “من هذا يا نور؟ وهل نحن مطاردون هنا أيضاً؟”
نور قربت منه، ولأول مرة تحط إيدها على درعه الحديدي الملطخ بتراب المعارك، بصت في عينيه اللي وحشتها وقالت بضحكة وسخرية ممزوجة بالدموع: “لا يا سيدي مش مطاردين، ده سيف أخويا..
وبالمناسبة، لو شافك كان زمانه جاب لنا أمن العمارة والحي كله! أنت مش متخيل أنت عامل إزاي هنا!”
منتصر مسك إيدها الصغيرة بين كفيه الكبار، ودفا إيده دوب سقعة الأوضة كلها: “أنا لا يهمني العالم هذا ولا عالمي يا نور.. أنا خضت معركة دموية ضد كائنات الظلام بعد ما اختفيتي، طردناهم و أمنّت المملكة، والحكماء فتحوا البوابة البيضاء بناءً على عهد شرف قطعته على نفسي.. أن أجدك. والآن، أنا هنا.. وجاهز لأي قرار تختاريه. هل أعيش في عالمك الضيق هذا وأتعلم قوانينك؟ أم تعودي معي وتكوني الملكة التي غيرت تاريخ أركاديا؟”
نور سكتت، وبصت لشباك المكتب..
شافت من وراه أضواء القاهرة، وزحمتها، ومكتبها اللي تعبت فيه، وصوت أمها وأخوها اللي بيمثلوا حياتها كلها. ومن الناحية التانية، بصت للشق الأبيض اللي ورا منتصر، واللي كان بيعكس ضوء جنة خضراء، وقصر رخام، ومملكة كاملة بتحترم عقلها وقلمها، وراجل عملاق مستعد يهد الدنيا عشان نظرة رضا من عينيها.
ابتسمت نور وعينيها بتلمع بذكاء وقوة، وقالت بلغة سينمائية فيها كل الثقة: “عالمي هنا محتاجني يا منتصر، وأهلي مقدرش أستغنى عنهم.. بس مملكتك هناك عرفتني قيمتي الحقيقية، وقانونك هو القانون الوحيد اللي قلبي وافق عليه من غير شروط. إحنا مش هنختار عالم واحد ونلغي التاني..
البوابة دي اتفتحت بعهد الشرف، وهتفضل مفتوحة لينا”.
مدت إيدها ورا مكتبها، سحبت روب المحاماة الأسود بتاعها ولفته حوالين كتافها، وبصت له بكل فخر: “يلا بينا يا سيادة الملك.. هنروح نأمن مملكتك ونحط دستورها الجديد، بس لازم ترجعني هنا كل أسبوع.. عشان عندي جلسة جنايات يوم الأحد، ومستحيل أسيب موكلي يضيع!”.
منتصر ضحك ضحكة قوية هزت أركان المكتب، وشالها براحة بين إيديه كأنها قطة صغيرة، وخطا خطوة واسعة جوه الشق الأبيض. أول ما رجيلهم عتبت العالم التاني، الشق اتقفل تماماً، ورجعت أنوار المكتب تنور بشكل طبيعي، والهدوء ساد المكان..
ومبقاش فيه أي أثر في الأوضة غير قلم نور المحامية محطوط فوق كتاب القانون، وجنبه وردة بلدي حمراء من جنينة أركاديا، بتفوح منها ريحة الأمان والمكتوب.




