منوعات

غرفه الطوارئ

ساد صمت أثقل من المـ,ـوت في الممر المحيط بغرفة الطوارئ. كانت إضاءة الفلورسنت البيضاء تنعكس على الأرضيات البلاطية الصقيلة، لتزيد من برودة المشهد وكأن المستشفى كله تجمد عند تلك اللحظة. مراد كان يُسحب للخارج برفق شديد يتناسب مع هيئته ونفوذه، لكن حركات جسده المتوترة وعيونه التي تطاير منها الشرر كانت تشي ببركان على وشك الانفجار.

وقف اثنان من أفراد أمن المستشفى، أحدهما عم صابر، الرجل الخمسيني الذي قضى نصف عمره في طوارئ أم المصريين وشاهد آلاف الحوادث، والآخر شاب في مقتبل العمر. كان عم صابر يمسك بذراع مراد بصرامة حذرة، بينما مراد ينفض يده بكبرياء مزيف: “شيل إيدك أنت وهو! أنت عارف أنت بتلمس مين؟ أنا هقفلكم المستشفى دي باللي فيها! يا مريم.. والله العظيم ما هسيبك، وحياة وحرمة البنت دي لأدفـ,ـنك بالقانون!”

مريم لم تلتفت إليه. كانت واقفة كأنها تمثال من رخام، عيناها مثبتتان على الهواتف الشاشات المكسورة داخل الكيس الشفاف الذي تحمله الممرضة بكل حرص. كل خلية في جسدها كانت ترتجف، ليس خوفاً من تهديدات مراد الصريحة، بل من ثقل الفاجعة. شهد، تلك الطفل الرقيقة التي كانت تخاف من صوت الرعد وتختبئ في أحضانها كلما أظلمت السماء، كانت تعيش كابوساً ينزف في الخفاء، وتدبر خطة هروب أو استغاثة كبارجية محترفة، وهي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها.

جاء أمين شرطة من نبطشية القسم المرابطة بالمستشفى، يرافقه الضابط الشاب الملازم أول حازم. تقدم بخطوات ثابتة ووجه خالٍ من المشاعر: “خير يا دكتورة؟ في بلاغ رسمى بيتقال هنا؟” قبل أن تنطق مريم، اندفع مراد وهو يظبط لياقة جاكيت البدلة الغالية: “أهلاً يا باشا.. أنا مراد الألفي، صاحب شركات الألفي للتطوير العقاري. البنت بنتي، وقعت من على السلم في البيت، وجبتها هنا بنفسي عشان ألحقها. الدكتورة دي – طليقتي – بتستغل الوضع عشان بيننا قضايا حضانة ورؤية في المحكمة، وبتتهمني اتهامات باطلة.”

نظر الضابط حازم إلى مريم، ثم إلى الطبيب الاستشاري الذي كان يمسك بالتقارير والأشعة. تقدم الاستشاري بخطوات ثقيلة وقال بصوت خفيض ونبرة رسمية قاطعة: “يا فندم، بصفتي المباشر لحالة الطفلة شهد مراد الألفي، التقرير المبدئي يؤكد وجود إصابات متعددة لا يمكن حدوثها نتيجة سقوط واحد. إصابات في الضلوع، كسر مضاعف قديم في الساعد الأيسر لم يتم التئامه بشكل صحيح، كدمات متفرقة في أوقات زمنية مختلفة على الظهر والذراعين، بالإضافة لإصابة الرأس الحالية والتي سببت ارتجاجاً كاملاً. هذا بالإضافة لوجود جسم غريب – هاتف محمول – تم العثور عليه مخبأ بعناية داخل حذاء الطفلة، وكان يرافق الحالة تسجيل صوتي نشط أثناء دخولها.”

اتسعت عينا الضابط حازم، ولفت انتباهه حالة الارتباك التي حاولت ملامح مراد إخفاءها خلف قناع من الغضب العارم. قال الضابط بنبرة حازمة: “الكيس ده يتحرز فوراً بحالته، ومحدش يلمس التليفون ولا يفتحه إلا بمعرفة النيابة العامة. يا أمين شرطة، احفظ على الأستاذ مراد في المكتب تحت لحين وصول وكيل النيابة.” صرخ مراد بانهيار مفاجئ، وظهرت السيطرة التي كان يتظاهر بها وهي تتهاوى كبيت من القش: “تحفظ على مين يا جدع أنت؟! أنت عارف بتتكلم مع مين؟ اتصل بالمأمور فوراً! اتصل بمدير الأمن! أنا مش هقعد لحظة واحدة هنا!”

لكن الأمن لم ينتظر. أحيط مراد برجلين قويين واقتيد إلى الأسفل، وصوت خطواته الصاخبة وصراخه يتردد في طرقات المستشفى الشاسعة، مصحوباً بتهديدات تتطاير في الهواء دون أثر.

بقيت مريم في مكانها. انغلقت الأبواب الزجاجية لغرفة العناية المركزة، وجلست على المقعد الخشبي المتهالك في الممر. انحنت برأسها بين يديها، وبدأت الدموع التي حبستها لقسوة المشهد تتدفق في صمت. تذكرت اليوم الأول الذي دخلت فيه شهد حياتها. كانت طفلة في الثامنة، بضفائر صغيرة وعيون خائفة كغزال محاصر. كانت أمها البيولوجية قد رحلت بعد صراع طويل مع المرض، وتركها مراد للهامش، مشغولاً بتجاراته وبناء نفوذه. كانت مريم هي الصدر الحنون، هي من علمتها كيف تبتسم وكيف تقرأ وكيف تدافع عن نفسها.. ولكن كيف غفلت عن هذا العذاب؟

كيف لم تلاحظ أن المرات القليلة التي كانت تذهب فيها شهد لزيارة والدها بحكم أحكام الرؤية، كانت تعود فيها أكثر صمتاً، وأكثر انطواءً؟ كانت تظن أن الطفلة تعاني من الحزن على فراق أمها، أو من صعوبة التكيف مع جفاء والدها، لكنها لم تتخيل قط أن البيت الكبير ذو الأسوار العالية في التجمع الخامس كان مسرحاً لتعذيب بدم بارد. مرت ساعتان كأنهما دهور. أضواء المستشفى تخفت تدريجياً مع تصاعد ساعات الليل المتأخرة. في الساعة الثالثة صباحاً، وصل وكيل النيابة، الأستاذ سامح عبد المجيد، رجل في أواخر الثلاثينيات، ملامحه حادة ونظراته تفحص كل التفاصيل بدقة متناهية. رافقه سكرتير الجلسة وطبيب شرعي خبير.

دخل وكيل النيابة إلى مكتب مدير المستشفى حيث جرى إعداد التحقيق المبدئي. استدعى مريم أولاً. جلست مريم أمامه، وجهها شاحب ولكن عينيها تلمعان بإصرار غريب. سألها وكيل النيابة برفق: “دكتورة مريم.. أنتِ الوصية القانونية على الطفلة شهد؟” ردت بصوت ثابت رغم جفافه: “أنا والدتها بالتبني والرعاية القانونية بحكم محكمة الأسرة منذ سنتين يا فندم. شهد كانت تعيش معي بصفة دائمة، ووالدها كان يستفيد من حق الرؤية والاستضافة في أوقات متفرقة.”

* “هل لاحظتِ أي علامات عنـ,ـف أو اعتـ,ـداء على الطفلة خلال الفترات السابقة؟” أغمضت مريم عينيها بألم وقالت: “كانت ترجع من عنده خـ,ـائفة.. صامتة. قبل ستة أشهر، عادت وهي تبكي وتقول إن يدها تؤلمها بسبب سقوطها في النادي. طلب مراد مني عدم التدخل وأخذها هو لعيادة خاصة. لم أتمكن من رؤية الأشعة وقتها لأن العـ,ـلاقات بيننا كانت متوترة للغاية وكان يهددني حرماني منها نهائياً. اليوم، لما شفت الكدمات القديمة والكسر الملحوم غلط.. عرفت إنه كان بيضـ,ـربها وبيجبرها تسكت.”

* “وما قصة الهاتف المحمول؟” تنهدت مريم بقوة: “شهد طفلة ذكية جداً.. ذكاؤها يتجاوز سنها. هي تعلم تماماً أن كلمتها ضد كلمة رجل بجمح ونفوذ مراد الألفي لن تصدق بسهولة. الهاتف الذي وجد في حذائها ليس هاتفها الشخصي الذي اشتراه لها والدها.. هذا هاتف قديم خاص بي، كان مفقوداً من الشقة منذ شهرين. يبدو أن شهد أخذته وسـ,ـرقته في خفاء، وكانت تحتفظ به وتكتنز شحنه، لتسجل ما يحدث لها داخل ذلك البيت المغلق.”

طلب وكيل النيابة إحضار كيس الأدلة. وبحضور الخبير الفني للنيابة العامة، تم فتح الكيس. كان الهاتف من طراز قديم، شاشته مهشمة ولكن هيكله الداخلي ما زال يعمل. قام الخبير بتوصيله بشاحن سريع، وبمجرد أن أضاءت الشاشة، تبين وجود ملف صوتي جاري تسجيله وتوقف فجأة عند الساعة التي دخلت فيها الطفلة المستشفى. بالإضافة إلى ملفات صوتية أخرى محفوظة بتاريخ الأسابيع الماضية! أشار وكيل النيابة للخبير بتشغيل التسجيل الأخير عبر مكبر الصوت.

عم السكون التحقيق. خرج الصوت من السطح المكسور للهاتف.. كان صوتاً مشوشاً في البداية، صوت رياح أو حركة أقمشة احتكاكية، ثم جاء صوت مراد المرتفع، خشناً، يقطر قسوة: “أنتِ فاكرة نفسك كبرتي عليا؟ فاكرة عشان الدكتورة بتازرك هتطلعي لسانك ليا؟ افتحي الباب ده!” ثم صوت ضـ,ـربات متتالية على باب خشب، يليه صوت بكاء مكتوم.. صوت شهد وهي تتوسل بنبرة تمزق القلوب: “بابا عشان خاطر ربنا لا.. والله العظيم ما عملت حاجة.. والله ما كلمتها.. بابا إيدي بتوجعني!”

ثم صوت ارتطام شديد، وصوت صراخ مكتوم، وتبعه صوت مراد وهو يتنفس بجهد: “أنا هوريكي السلم ده هينزلك إزاي عشان تتعلمي الأدب وما تطلبيش تروحي لها تاني! هتقولي للمستشفى إنك اتكعبلتي.. فاهمة ولا أكسرلك إيدك الثانية؟!” ثم صوت سقوط مدوٍ.. وصمت طال لثوانٍ، يليه صوت مراد المتفاجئ: “شهد؟ شهد قومي! بلاش تمثيل.. قومي بدال ما أكمل عليكي!” ثم صوت خطوات سريعة وصوت انفاس متلاحقة وهو يحملها.

في اللحظة التي انتهى فيها التسجيل، كان وجه وكيل النيابة قد تحول إلى الكتلة الصلبة من الغضب المؤسسي. امتقع لون سكرتير التحقيق، بينما انخرطت مريم في بكاء مرير، صامت، يمزق الأضلع. لم يعد هناك مجال للشك. لم تكن حادثة، ولم تكن مجرد شكوك.. كان ج*ريمة شروع في ق*تل مع سبق الإصرار والترصد، واحتجاز بدون وجه حق، وتعذيب بدني لطفلة قاصر.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى