منوعات

غزل في عرين الاسد

​حمزة وطي على إيدها وباسها بلهفة واحترام، وبعدين وطى على رأسها وقال ببحّة صوت مكسورة: “دعواتك هي اللي رجعتني يا ستي… دعواتك ودعوات سما.”
​قعد حمزة على الكنبة، وبقت الحجة ماسكة إيده ومش راضية تسيبها، وأنا جريت جبت علبة الإسعافات الأولية والشاش والقطن، وقعدت على كرسي صغير قصاده عشان أغيرله على الجرح. إيديكي كانت بترتعش وإنتي بتمسحي آثار الدم بقطنة مبلولة بتطهر المكان، وكل ما هو يتنهد أو جسمه يتشد من وجع المطهر، قلبك كان بيموت جواه.
​”وجعتك؟” سألتيه بصوت واطي ومخلوق بالدموع وإنتي باصة في الأرض.

​حمزة رفع ذقنك بصباعه بشويش، وبص في عينيكي الصافية بكل الحب اللي في العالم، وقال بصوت هادي ما يسمعوش غيرك: “وجعك إنتي وأنا بعيد كان أشد ألف مرة من أي نار في جرحي يا سما… طول ما إنتي قريبة، أنا مش حاسس بأي وجع.”
​الحجة وأخوكي انسحبوا بالراحة وسابوكم في الصالون، يدوكم مساحتكم بعد الأيام الصعبة دي. المكان هدي تماماً، وما بقاش مسموع غير صوت التنفس الدافئ وصوت نقط المطر الخفيفة اللي بدأت تضرب في أزاز الشباك.

​حمزة مد إيده الشمال السليمة، وشابك صوابعه في صوابعك، وعينيه رايحة جاية على وشك كأنه بيحفظ ملامحك من جديد، وبعدين عينيه نزلت على شعرك الطويل اللي نازل على كتفك زي الحرير، مد صوابعه بحذر وشال خصلة بالراحة وشمها، وغمض عينيه كأنه بيرجع لروحه الحياة: “عارفة يا سما… طول عمري كنت فاكر إن الدنيا دي عبارة عن ساحة حرب، يا تِقتل يا تُقتل… وإن اللي يفتح قلبه لحد يبقى بيمضي على عقد موته بإيده.

بس إنتي غيرتي كل القوانين دي… إنتي جيتي وعلمتيني إن الحب مش ضعف، الحب هو القوة الوحيدة اللي بتخلي الراجل يقف على رجليه ويمسك سلاحه عشان يحمي بيته ودنيته.”
​ابتسمتي له والدفء ملا قلبك بعد ليالي الثلج والخوف، وسندتِ رأسك على كتفه السليم، وشعرها الطويل اتفرش على صدره: “وأنا مش هسيبك تحارب لوحدك تاني أبداً يا حمزة… هفضل جنبك، أطبب جروحك وأكون أمانك زي ما إنتي أماني.”
​عدت اللحظات زي الحلم، هادية وجميلة، والسكينة نزلت على البيت بعد العاصفة.

بس السكينة دي ما دامتش كتير…
​على الفجر، والشمس بتبدأ تشق ضلمة السماء بالنور الأبيض، تليفون حمزة الميري اللي كان محطوط على الترابيزة بدأ يرن برنة طوارئ صريخة متواصلة!
​حمزة اتنفض من مكانه، وسحب التليفون وفتح الخط فوراً. صوت القائد الأعلى في العمليات طلع من السماعة، صارم ومكتوم وبيهز الحديد: “مقدم حمزة! افتح التلفزيون أو اللاسلكي فوراً!

الضربة اللي عملتوها في الجبل كانت مجرد تمويه… العقل المدبر للشيكة اللي ورا المهربين هرب، والمعلومات اللي وصلتني حالاً بتقول إنه تحرك بخلية مسلحة وبيدوّر على بيتك أنت شخصياً عشان ينتقم!”
​في نفس اللحظة اللي القائد بيكلم فيها حمزة، النور في العمارة كلها قطع فجأة، وصوت فرامل عربيات تقيلة اتسمع بوضوح بيقفل الشارع تحت البلكونة، وتبعه صوت خطوات مكتومة وكتيرة بتطلع السلم بسرعة جنونية مقتربة من باب الشقة…حمزة ما ضيعش ثانية واحدة. في لمح البصر، تحول من الراجل الحنين اللي بيطلب الأمان في حضنك، لأسد مجروح مستعد يفرتك الدنيا عشان يحمي أهله.

​سحب طبنشته الميري وشَد الأجزاء بصوت جاف هز أركان الأوضة، وبص لأخوكي اللي كان طلع يجري من أوضته وهو ماسك سلاحه: “خد ستي وسما وادخلوا الحمام جوة، أأمن حتة! اقفلوا الباب بالضبة والمفتاح، وما تفتحوش لأي مخلوق غير لما تسمعوا صوتي أنا شخصياً!”
​سما كانت ماسكة في إيده ودموعها نازلة زي المطر: “مش هسيبك يا حمزة! مش هسيبك لوحدك وهما كتير!”
حمزة مسك وشها بين إيديه، وباس جبهتها بوسة سريعة مليانة خوف وحب وعنفوان: “إنتي روحي يا سما… وأنا مش هسمح لربنا إنه ياخد روحي مني النهاردة.

ادخلي وما تخافيش، حمزة معاكي.”
​زقها بالراحة جوة مع أخوها والحجة، وقفلت الباب وراها وهي بتسمع قلبها بيدق في قفصها الصدري زي الطبول.
​برة في الصالة، الظلمة كانت كاحلة، وما فيش غير النور الأبيض الخفيف بتاع الفجر اللي داخل من أزاز الشباك. حمزة استخبى ورا حيطة الممر، كتم نفسه، وعينيه بقت زي عينين الفهد في الليل. خطوات الرجلين على السلم قربت أوي… واحد، اتنين، ثلاثة… واقفين برة الباب.
​فجأة، الباب الخشب اتخلع من مكانه بضربة خلع صريخة! ودخلت مجموعة ملثمة شايلين أسلحة أوتوماتيكية، بيتحركوا بعنف وعايزين يخلصوا.
​بس هما ما كانواش عارفين إنهم دخلوا جحيم المقدم حمزة!

​أول واحد عتب الشقة، حمزة أخد القاتل بطلقة واحدة في الدماغ وقعته مكانة من غير ما ينطق. الرصاص بدأ يضرب في الصالة زي المطرة، الخشب بيتكسر والأزاز بيتطير في كل ناحية، وصوت الضرب بيهز العمارة كلها. حمزة كان بيتحرك بسرعة جنونية رغم جرح ذراعه، يستخبى ورا الأثاث، يخرج يضرب طلقة في المليان ويرجع تاني، كل طلقة تطلع من سلاحه كانت بيموت بيها واحد من اللي فكروا يقربوا من بيته.
​اللي في الحمام جوة كانوا بيدعوا وبيموتوا في دقيقة ألف مرة، سما كانت دفنة وشها في صدر ستي الحجة وهي بتسمع صوت الضرب والصرخات، وتدعي من كل قلبها:

“يارب رجعهولي… يارب احميه.”
​وبعد دقيقتين من الجحيم والضرب المتواصل… الصوت سكت فجأة!
​صمت رهيب ونزل على الشقة، ما بقاش مسموع غير صوت دخان البارود وريحة النار اللي مالية المكان.
​سما ما قدرتش تستنى، فتحت باب الحمام بسرعة رغم صراخ أخوها، وطلعت تجري على الصالة…
​المكان كان متبهدل، الحيطان متخرمة بالرصاص، والجثث مرمية على الأرض. وفي نص الصالة، كان واقف حمزة… هدومه مقطعة ومتربة، بيلهث بعنف، ودراعه المجروح بينزف دم جديد، ماسك سلاحه وإيده بترتعش من كثرة الإجهاد.

​أول ما عينيه جت في عينيها، السلاح وقع من إيده على الأرض وعمل صوت رنين هادي… ابتسم لها ابتسامة باهتة مليانة نصر، وفتح دراعاته الاثنين.
​سما ما فكرتش ولا ثانية، جِريت بأقصى سرعتها ورمت نفسها في حضنه بكل قوتها. حمزة ضمها لقلبه، وقفل عليها وكأنه بيبني حواليها سور من صلب مش هيتهد أبداً.
​مسح على شعرها الطويل الحرير وهو بيتصلب في وقفته وبيتذوق ريحة الفراولة اللي بتطمنه، وهمس في شعرها بصوت بحاح مليان دفء ودقات قلبه المتقاطعة بتضرب في صدرها: “خلاص يا سما… العاصفة خلصت… والكابوس انتهى للابد.

من النهاردة… ما فيش حرب تاني، ما فيش غيري إنتي وأنا… والبيت اللي عمره ما هيدخله الخوف مرة تانية.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى