
نزلت الضربة زي الصاعقة في قلب الصحرا، والصوت ضرب في ودان الكل زي الرعد اللي بيشق الجبل. حمزة ما فكرش ولا ثانية، جسمه اتتحرك بدفع الغريزة والتدريب السنين… أخدك في حضنه ولَف بيكي في الهواء وخداكي تحت عربية المأمورية الركنة على جنب، وجسمه كله كان درع حماية فوقيكي، ضاغط عليكي بكل قوته وهو هامس في ودنك بصوت يرعب من كتر الجدية: “ما تتحركيش يا سما، ولا حتة صباع… سامعاني؟”
الرصاص كان بينزل على الصاج بتاع العربيات والتراب بيطير في الهواء يغمي العينين.
العساكر في المعسكر خدوا أوضاعهم في ثواني، صوت التعمير ضرب من كل ناحية، وشخصية الظابط القائد اللي العساكر بتهابه ظهرت في لحظة. حمزة سحب طبنشته من جيرابه بسرعة البرق، عيونه اللي كانت من لحظة واحدة بس مليانة حنية ودفء، تحولت لكتلة من النار والشرار… ما بقاش الراجل اللي بيهمس في ودنك عن الحب والشوق، بقى الموت نفسه لما يلبس ميري.
زحف بشويش وهو عينيه على التبة المرتفعة اللي جاية منها النار، وبص لأقرب ظابط جنبه وصرح بصوت هز المكان: “كتيبة واحد… تغطية نارية على التبة الغربية! بسرعة!
كتيبة اتنين… حاصروا مخرج الممر من ورا، مش عايز ولا ابن حرام فيهم يرجع حي!”
الأوامر طلعت زي السهام، والعساكر نفذوا بعين مقفولة… القوة، الهيبة، والسيطرة اللي في صوته خلت كل راجل في المعسكر ينسى الخوف ويتحول لأسد. بس رغم كل الصياح والضرب اللي شغال، حمزة كان كل ثانيتين يلتفت بظهره، عيونه بتتفحص المكان تحت العربية عشان يتأكد إنك بخير، إن ما فيش طلقة طايشة ولا دبش طار عليكِ. الخوف اللي كان في عينيه عليكي كان أكبر مليون مرة من خوفه من الرصاص اللي بيعدي فوق راسه بسنتيمترات.
الاشتباك ما خدش أكتر من خمس دقايق… خبرة حمزة ورجالته حسمت الموقف بسرعة. الصوت بدأ يهدى، والدخان الأسود بدأ يتفرق مع الهواء الشديد. طلع صوت ظابط شاب من بعيد: “تمام يا فندم! الممر متأمن والعيال اتصفوا، كانت جليطة من عيال المهربين فاكرين المعسكر فاضي!”
حمزة ما استناش يسمع باقي التقرير، رمى السلاح في جيرابه ولف بسرعة جنونية للعربية، نزل على ركبه في التراب ومسك إيديكي بكل قوته، سحبك بالراحة لبرة وهو بيتفحصك شبر شبر، إيديه كانت بترتعش لأول مرة في حياته وهو بيمسح التراب من على وشك وشعرك الطويل اللي اتبهدل: “إنتي كويسة؟ جرالك حاجة؟ حد لمسك؟
انطقي يا سما عشان نمت!”
كنتِ لسة تحت تأثير الصدمة، قلبك بيدق في قفصك الصدري زي الطبلة، مش من صوت الضرب، لكن من المنظر… من الشراسة اللي شفتيها في عينين الراجل اللي كان من لحظات بيمسك شعرك بحنية. هزيتي راسك بلا بالعافية، وصوتك طلع متهدج: “أنا… أنا كويسة يا حمزة… إنت حصلك حاجة؟”
حمزة أخد نفس طووويل، نفس طالع من قاع قلبه، وكأنه كان كاتم نفسه طول فترة الضرب. ضمك لحضنه قدام كل العساكر والظباط من غير ما يعمل حساب لأي حد، ضمة كانت قوية لدرجة إنك حسيتي بضلوعه وهي بتضغط على ضلوعك.
كان بينهج، وراسه مدفونة في رقبتك، بيتأكد إن ريحة الفراولة والمستكة لسة موجودة، إن أمانه ما ضاعش منه في لحظة غدر.
”لو كان جرالك حاجة يا سما… كنت حرقت الجبل ده باللي فيه، وما كانش هيهمني أي حاجة في الدنيا.” قالها بصوت واطي ومخلوط ببحّة وجع قتالة.
الظباط والعساكر وقفوا بعيد، بيبصوا لبعض في ذهول وصمت… محدش فيهم في حياته شاف “المقدم حمزة” بالضعف ده أو الخوف ده. الراجل اللي كان بالنسبة لهم جبل جبل ما بيهزهوش الموت، واقف دلوقتي ماسك إيد بنت وبيترعش.
بعد ما الجو هدى تماماً، حمزة رفض رفضا قاطعاً إنك تقعدي في المعسكر دقيقة واحدة زيادة. طلب حراسة مشددة، عربية مصفحة، وقال بصوت صارم للظابط بتاعه: “تتطلعوا بيها على البيت، وما تسيبوهاش غير لما تدخل جوة باب الشقة وتسلموها لستي بنفسكم… فاهمين؟”
وقبل ما تركبي العربية، مسكتِ إيده وقولتيلو بصوت هادي: “مش هتمشي معايا؟”
بصلك بعيون مليانة حزن ومرارة، ومسح على شعرك بلمسة خفيفة وقال: “عندي حساب قديم لازم أقفله هنا الأول… عشان لما أرجعلك، أرجع وأنا مطمن إن ما فيش خطر هيقرب منك تاني ابداً. ارجعي يا سما، وادعيلي.”
ركبتِ العربية والعربيات الحراسة مشيت وراكي وأدامك.
طوال الطريق، منظر حمزة وهو واقف بصلابته وعينيه اللي بتلمع بالشراسة والخوف عليكي ما فارقش خيالك. وصلتي البيت، وستي الحجة كانت مستنياكي على نار بعد ما سمعت باللي حصل في التليفون. استقبلتك بالأحضان والدموع، وبقت تقرا عليكي الفاتحة والمعوذتين وتبارك فيكي إن ربنا سلم.
مرت ثلاث أيام… حمزة ما رجعش، وتليفونه كان مقفول. البيت كان كئيب، والصمت كان تقيل أوي. الحجة كانت بتدعي في كل صلاة، وأنتي كنتِ بتدخلي أوضتك، تمسكي السلسلة اللي كان جابهالك في خطوبتكم، وتقعدي جنب الشباك تبصي على الشارع، مستنية صوت عربية المأمورية اللي ليها نغمة مميزة.
وفي اليوم الرابع، الساعة كانت عدت نص الليل… الشوارع فاضية وهادية، ونور الفوانيس الأصفر ضارب على زجاج الشباك. فجأة، سمعتِ صوت فرامل عربية بتريح قدام العمارة. قلبك قفز من مكانه قبل ما عيونك تتأكد. بصيتِ من الشباك، شفتِ العربية المصفحة واقفة، والباب اتفتح.
نزل حمزة… بس ما كانش زي ما مشي.
كان ماشي بخطوات بطيئة، هدومه الميري متتربة، ودرعه الفايبر مشال، وذراعه اليمين ملفوف بشاش أبيض عليه بقعة دم صغيرة، ووشه يبان عليه التعب والإرهاق لحد النخاع. بس أول ما نزل من العربية، رفع راسه لفوق… بَص على شباك أوضتك مباشرة، وكأنه عارف إنك واقفة مستنياه.
عنيكم اتقابلت في ضلمة الليل. النظرة اللي كانت في عينيه الساعتي دي… ما كانتش نظرة ظابط راجع من معركة، ولا راجل تعبان من الشقا… كانت نظرة واحد غريق شايف طوق النجاة بتاعه طالع من شباك العمارة.
طلعتِ تجري على السلم من غير ما تحسي بنفسك، نزلتي الحرج والخوف ورا ظهرك، وفتحتِ باب العمارة الرئيسي في نفس اللحظة اللي كان هو بيحط رجله فيها على أول درجة.
وقف حمزة مكانة لما شافك نازلة تجري. كان شكله هربان من الموت بالعافية.
بص لكِ بابتسامة تعبانة، واهنة، بس مليانة حب يهد جبال، وفتح ذراعه الشمال السليم…
”رجعتلك… زي ما وعدتك.” قالها بصوت بحاح ومجهد أوي.
ما ترددتيش ولا ثانية، رميتِ نفسك في حضنه، ولفيتِ إيديكي حولين رقبته، ودفنتِ وشك في صدره وهو بيشد عليكي بالذراع السليم، بيتفس ريحتك بعمق وكأنه بيملا رئتيه بالحياة بعد ما كان ميت طول الأيام اللي فاتت.
”حمزة… دراعك! إنت مجروح؟” قولتيلها بدموع مكتومة وأنتي بتبعدي بشويش عشان تشوفيه.
مسك وشك بين إيديه الاثنين، وصباعه الكبير مسح دمعة نزلت على خدك، وقال بصوت واطي ومبحوح:
“الجرح اللي في دراعي ده ينشف في يومين يا سما… بس الجرح اللي كان في قلبي طول الأيام دي وأنا بعيد عنك، هو اللي كان هيموتني… أوعديني إنك مش هتبعدي عني تاني، أوعديني إنك هتفضلي هنا… عشان من غيرك، حمزة ده يرجع ميت زي ما كان زمان.”
وفي اللحظة دي، وقبل ما تلحقي تردي عليه، سمعتوا صوت خطوات قوية ومرتبكة نازلة على السلم، وصوت راجل بيصرخ بلهجة شديدة وهو ماسك طبنشته في إيده: “أقف مكانك يا جدع إنت!
إنت مين وببتعمل إيه مع البنت في وقت متأخر كده؟!”التفت حمزة بالراحة، إيده تحركت بتلقائية على جيرابه من وراء ظهره قبل ما يفتكر إنه بين أهله، وبص للراجل اللي نازل على السلم وشخصت عينيه… كان أخوكي، طالع يجري والرعب مالك وشه، ماسك طبنشته وفاكر إن في حد غريب متسلل للبيت في نص الليل وبيحاول يضايقك.
أول ما أخوكي قرب وضوء الفانوس ضرب في وش حمزة المجهد والمترب، وشريط الشاش الملفوف على ذراعه الباين من تحت الجاكيت، رمشة عين واحدة كانت كفيلة تخلي أخوكي ينزل إيده بالسلاح، وعينيه تتوسع من المفاجأة والتكشيرة تتحول لذهول: “سيادة المقدم حمزة؟!
مؤاخذة يا باشا… افتكرت حد غريب! إيه اللي حصل؟ وإيه الدم ده؟”
حمزة أخد نفس عميق، وابتسم ابتسامة باهتة مليانة تعب ووقار: “ولا يهمك يا بطل، صاحي وصاحي لحلالك وده حقك… أنا لسّه راجع من المأمورية، وما قدرتش أروح بيتي قبل ما أطمن إن كل حاجة هنا تمام.”
أخوكي بص لإيدين حمزة اللي كانت ماسكة إيدك بحماية، وبعدين بص لوشك اللي مليان دموع وخوف، وفهم في لحظة حجم الخوف والقلق اللي كان عايش فيه الراجل ده طوال الأيام اللي فاتت. مسك إيد حمزة الشمال وسلّم عليه بحرارة:
“حمد الله على سلامتك يا سيادة المقدم، الشارع والبيت كله كان أكلنا القلق عليك… انزل يا ابني ادخل جوة، الحجة جوة صاحية وما بنامش من يوم ما مشيت.”
دخلتوا كلكم الشقة، والصالون الدافئ استقبلكم بريحة الشاي بالنعناع اللي الحجة كانت لسة عاملاه. أول ما الحجة شافته واقف على رجليه، عكازها وقع من إيدها، وطلعت تجري عليه وهي بتهتف بدعوات طالعة من نفوخها: “يا كبدي يا ابني! يا نور عيني يا حمزة! ألف حمد وشكر لك يا رب… سلمت وغنمت يا ضنايا!”



