
وأول ما خطيتي بره الباب، لقيتي عربية أيمن مركونة على الجنب، وهو واقف ساند على الباب ومستني.
أول ما شافك قرب منك وقالك بصوت هادي: “تعالي أوصلك.. الوقت تأخر والشارع فضي.”
رديتي بسرعة ورفض قاطع: “شكراً يا أيمن، هاخد تاكسي أو أوبر، مش محتاجة أتعبك معايا.”
أيمن ما تحركش من مكانه، وبصلك بثبات وقال: “مش هتحرك من هنا غير لما تركبي، وإنتِ عارفة رأسي ناشفة قد إيه. وبعدين إحنا محتاجين نتكلم، فيه كلام كتير مستني يتقال من سنين يا سما..
ومش هسيبك تهربي المرة دي.”
وقفتي محتارة بين غرورك وكبريائك وبين فضولك ورغبتك الحقيقية في إنك تفهمي اللي جوا الشخص ده. بصلتيله بعيون ملยานة تساؤلات، والشارع الهادي حولين منكم زاد من توتر اللحظة.
أخدتي نفس عميق، ومديتي إيدك لمقيد الباب، وقبل ما تفتحي العربية بصيتيله وقلتي: “ماشي يا أيمن.. أما نشوف آخرتها معاك إيه.”
ركبتِ العربية، وهو لف وقعد ورا الدركسيون، شغّل العربية ومشي في شوارع القاهرة الزحمة اللي بدأت تهدى. السكوت كان سيد الموقف لعدة دقايق، لحد ما هو قطع الصمت ده بكلمة واحدة غيّرت مسار كل حاجة:
”أنا مسافر كمان أسبوع يا سما..
جالي عقد عمل في الخارج، وجيت السنتر ده بلمستهدف ده بالذات عشان أشوفك قبل ما أمشي.. بس الظاهر إنك لسه مش مستعدة تسامحيني.”
قلبك اتنفض في صدرك، وبصيتيله بصدمة مش قادرة تخفيها…الخبر نزل عليكِ زي الصاعقة. عقلك اتجمّد لثواني ومش قادرة تستوعبي الكلمة.. “مسافر؟” الكلمة كانت بتعدي في دماغك وبتسيب وراها صدى غريب يوجع. كل المشاعر المتضاربة اللي كانت جواكي—من غيظ وتوتر وفضول—اتبخرت في لحظة وحل مكانها شعور بالفراغ والمفاجأة.
لفيتي وشك ناحيته وهو باصص قدامه على الطريق، صوابعه ضاغطة على الدركسيون بجمود وتقاطيع وشه مشدودة.
”مسافر؟” طلعت منك الكلمة بصوت واطي ومبحوح كأنك بتتأكدي من اللي سمعتيه.
“مسافر فين؟ وليه بتقولي دلوقتي؟”
أيمن اتنهد تنهيدة طالعة من قعر قلبه، وهدّى سرعة العربية شوية وهو بيحود على كورنيش النيل. أضواء الشوارع كانت بتنعكس على المية في منظر ساحر، بس الجو جوه العربية كان أتقل من أي وقت فات.
”جالي عقد في الخليج من أسبوعين.. فرصة كويسة جداً ومش بتيجي كتير،” رد أيمن وهو بيحاول يخلي نبرته متزنة ومطبقة، بس نبرة الحزن كانت واضحة في كل حرف. “كنت متردد أقبل ولا أرفض، بس لما عرفت إنك شغال في نفس السنتر، قلت لنفسي دي إشارة..
لازم أرجع أشوفك، لازم أعرف لو كان فيه أمل ولو واحد في المية إننا نبدأ صفحة جديدة.. بس طول الأسبوعين اللي فاتوا وأنا شايفك بتتعاملي معايا على إني نفس الشخص المستفز بتاع زمان، حاسس إنك جمدة قلبك ناحيتي تماماً.”
سكتّي.. مش عارفة تقولي إيه. ذكريات سنين مرت قدام عينيكي في لحظة. افتكرتي أيام الثانوي، لما كان بيتعمد يقعد في التختة اللي وراكي عشان يشد طرف طرحتك أو يرمي كلام يستفزك بيه، افتكرتي نظراته ليكي لما كنتِ بتطلعي الأولى وهو يطلع التاني، أو العكس.
كنتِ دايماً فاكرة إنه بيكرهك وبيردلك الصاع صاعين، وما جاش في بالك ولا دقيقة إن الاستفزاز ده كان طريقته الجاهلة والطفولية في إنه يلفت انتباهك، إنه يفضل موجود في عالمك بأي شكل حتى لو كان دور “العدو”.
”انت.. انت ليه ما قلتليش كل ده من زمان يا أيمن؟” صوتك كان بيلعثم خفيف، ودموع مكتومة بدأت تتجمع في أطراف عينيكي بس حاربتِ عشان ما تنزلش. “ليه دايماً كنت بتظهرلي الوش الخشن؟ ليه خليتني أشوفك شخص مغرور ومابيرحمش؟ إنت عارف أنا كنت ببصلك إزاي؟”
أيمن بصلك لثانية نظرة كلها ندم، ورجع بص للطريق وهو بيبتسم ابتسامة مكسورة:
“عشان كنت عيل غبي يا سما.. في ثانوي ماكنتش بعرف أكسر كبريائي وأقولك إنك عاجباني، فكنت بالغي في المستفزة عشان تلاحظيني. ولما كبرنا وشفتك تاني، خفت.. خفت أجي أفتح قلبي تقوميني مكسور ورافضاني، فقلت أتعامل بنفس الطريقة القديمة يمكن تحسي.. بس اكتشفت إن الأسلوب ده هو اللي بعدك عني أكتير.”
العربية وقفت عند إشارة حمرا، والسكوت رجع يطبق على المكان تاني. أفكارك كانت بتتصارع.. بين كبريائك اللي اتعود يحاربه السنين دي كلها، وبين قلبك اللي اكتشف فجأة إن الشخص اللي كان شايفه كابوس، كان في الحقيقة شايل جواه مشاعر أعمق وأصدق مما يتخيل.
”والسفر؟” سألتيه بصوت أهدى، ونظرتك كانت مثبتة على إيديه المتوترة. “خلاص أخدت القرار؟”
أيمن طفى موتور العربية وركن على جنب الطريق قبال النيل، ولف بجسمه ناحيتك كلياً. بصلك بعيون فيها كمية رجاء وتوسل تكفي العالم كله.
”القرار في إيدك إنتي يا سما،” قالها بصوت طالع بالعافية. “الطيارة معادها بعد ست أيام.. الورق جاهز والعقد متوقع، بس أنا مستعد أرمي كل ده في النيل دلوقتي، مستعد أرفض السفر وأفضل هنا وأبدأ معاكي من الصفر.. لو بس تديني إشارة واحدة إنك مستعدة تدينا فرصة.”
قلبك بدأ يدق بعنف، الصدمة والمسؤولية كانوا كبار أوي.
بصيتي لمية النيل، وبعدين بصيتي في عينيه الشغوفة اللي بتستنى كلمتك بفارغ الصبر.
وقبل ما تفتحي بقك عشان تردي عليه أو تقولي أي كلمة، فون أيمن رن برنة عالية قطعت اللحظة. أيمن بص للشاشة بضيق، بس أول ما شاف الاسم تقاطيع وشه اتغيرت تماماً ولونها اتخطف..
كان مكتوب على الشاشة: “المستشفى”.
رد أيمن ببرود وتحول مفاجئ في ملامحه وهو بيسمع الصوت الناحية التانية، وفجأة إيده بدأت تترعش وهو ماسك الموبايل، وبصلك بوش أصفر وخالي من أي تعبير وقالك بصوت مكسور:
“أبويا… سقط فجأة ونقلوه العناية المركزة.”
قبل ما تستوعبي الجملة، أيمن دور العربية بسرعة جنونية وطلع على الطريق بأقصى سرعة، وإنتي ماسكة في حزام الأمان وبتبصيليه بذهول وخوف.. وفي لحظة، تحول كل الكلام عن المشاعر والسفر لسباق مرعب مع الزمن، وإنتي مش عارفة الليلة دي هتنتهي على إيه، ولا المصير المجهول ده رايح بيكم على فين…أيمن كان سايق العربية بأقصى سرعة عنده، صوابعه ضاغطة على الدركسيون لحد ما عروق إيده برزت، وعينيه مثبتة على الشارع وهي بتلمع بدموع محبوسة وندم يقتل. إنتي كنتِ قاعدة جنبه، مش عارفة تقولي إيه، بس إيدك لمست إيده ببطء وثبات..
المرة دي ما شديتيش إيدك، بل بالعكس، ضغطتي عليها عشان تحسسيه إنك جنبه في اللحظة دي.
وصلتم المستشفى، وركضتم في الطرقات بين أريحة التعقيم وأصوات الأجهزة، لحد ما وصلتم قدام العناية المركزة. أيمن كان بيتنفس بصعوبة، ساند دماغه على الحيطة ومش قادر يبص من أزاز الأوضة. خرج الدكتور، وبص لأيمن بنظرة مطمنة نوعاً ما: “الحالة استقرت يا أستاذ أيمن.. أزمة قلبية شديدة بس ربنا ستر والمواظبة على العلاج هي اللي لحقته، تقدر تدخله لدقيقة واحدة بس.”
أيمن بصلي بنظرة كلها انكسار وتوسل، وكأنه خايف يدخل لوحده. مسكتِ إيده وقلتيله بصوت هادي ودافي: “ادخله يا أيمن..
هو محتاج يشوفك جنبه دلوقتي.”
دخل أيمن للأوضة، وقفتِ إنتي بره بتبصي عليه من أزاز الباب. شفتيه وهو بيمسك إيد أبوه، وبيوطي راسه يبوسها، ودموعه بتنزل لأول مرة.. أبوه فتح عينيه ببطء، وبص له بنظرة حنان دفينة كانت مستخبية ورا القسوة الشديدة، وطبطب على إيد أيمن بصعوبة. في اللحظة دي، عرفتي إن الأب والابن دول شبه بعض أوي؛ الاثنين بيخَبوا حبهم ورا قناع الناشفية والقسوة، تماماً زي ما أيمن كان بيعمل معاكي طوال السنين اللي فاتت.
بعد نص ساعة، خرج أيمن من الأوضة، تقاطيع وشه كانت أهدى كتير، وكأن جبل انشال من على صدره.
قعد على الكرسي جنبِك، وحط دماغه بين إيديه واتنهد تنهيدة طويلة.
”عارفة يا سما..” أيمن قالها بصوت هادي ومجروح، “أبويا أول ما فتح عينيه، قالي إنه فخور بيا.. قالي إنه كان بيقسى عليا عشان يشوفني أحسن واحد، بس خانته الطريقة. نفس غلطتي معاكي بالظبط.. كنت فاكر إن الجفاء والشدة هما اللي هيحافظوا على وجودي، وأنا أكتر واحد محتاج للرحمة واللين.”
بصيتيله بابتسامة دافية وقلتِ بصدق: “المهم إنك عرفت يا أيمن.. والتسامح بيغير كل حاجة.”
أيمن بص في عينيكي بثبات، ونظرة الترجي رجعت تلمع في عينيه تاني: “وأنا مش هضيع فرصة تانية.. السفر أنا الغيته خلاص في دماغي.
أبويا محتاجني هنا، وأنا.. أنا محتاجك إنتي يا سما. مستعد أغير كل طريقتي، مستعد أكون الشخص اللي تتمنيه، بس قوليلي إنك مدية لقلبي فرصة واحدة أثبتلك فيها ده.”
السكوت ساد في الممر الهادي للمستشفى، وعينيكي التقت بعينيه. كل السنين القديمة والمنافسة والمشاحنات اتلاشت في لحظة، وما فضليش غير الشاب اللي وافق يعترف بضعفه وبحبه قدامك بكل شجاعة.
ابتسمتي ابتسامة خفيفة، ونزلتي عينيكي بخجل وقالتِ بصوت واطي بس مسموع: “طب قوم يلا عشان نطمن على عمي.. وأديك فرصة أه، بس بشرط..
المعاملة ناشفة مع العيال في السنتر دي تتغير تماماً، وتعرف إن اللين بيجيب نتيجة أسرع من العشرين دورة حولين الملعب!”
أيمن ضحك من قلبه—ضحكة صافية ورنانة ما شفتيهاش منه قبل كده—وقال وهو بيقف ويمسك إيدك بثبات وأمل جديد: “من بكرة هتشوفي أيمن تاني خالص يا ستي.. بس العيون الحلوة دي تفضل مبتسمة كده على طول.”




