منوعات

بين القسوه واللين

سكتّي لحظة من هول المفاجأة، ونظراته الجادة الشديدة أربكتك تماماً. الحركة كانت سريعة وغير متوقعة، وإيده اللي مسكت طرف إيدك كانت دافية وضغطتها فيها ترجي ومشاعر محبوسة بقالها سنين. المكان كله حولين منكم هدي فجأة، وصوت الساعة المعلقة على حيطة المكتب كان بيرن في ودنك زي دقات قلبك اللي سارعت من غير إذنك.
​أيمن ما شالش عينه من عينيكي، ونبرة صوته المرة دي ما كانتش فيها أي نوع من التريقة أو الدراما اللي متعود عليها. قال بصوت واطي ومبحوح وهو لسه ماسك إيدك: “أنا مش بهزر يا سما..

أنا تعبت من تمثيل دور الشديد اللي مابيهمهوش حد، وتعبت أكتر وأنا شايف كل الناس قريبة منك وبتاخد حنيتك دي كلها، وأنا الوحيد اللي حاطة بيني وبينه سد عالي.”
​شديتي إيدك بالراحة وببطء شديد، وهو ما قاومش وسابها، بس فضلت عينه متثبتة عليكِ. وقفتي وحاولتي تجمعي شتات نفسك، وخدتي نفس عميق عشان صوتك يطلع متزن وما يبانش عليكِ التوتر اللي جواكي. ظبطتي أوراقك على المكتب بصوابع بترتعش خفيف، وقلتي بلهجة تحاولي تخليها جادة: “قوم يا أيمن من على الأرض بدل ما حد يدخل يفهم غلط..

إحنا في مكان شغل وفي سنتر مليان طلاب ومدرسين، والحرص واجب.”
​أيمن قام ببطء، نفض بنطلونه بلامبالاة، وقعد تاني على الكرسي قصادك، بس المرة دي سند كوعيه على المكتب وقرب منك شوية: “سيبك من السنتر وسيبك من الناس.. رد عليا أنا، هتفضلي لحد إمتى حطاني في خانة العدو؟ إحنا كبرنا يا سما، إحنا مش في ثانوي ولا بنتنافس مين يجيب مجموع أعلى أو مين مستواه أشطر في المادة.. إحنا كبار كفاية إننا نفهم إن اللي بيننا ده ما كانش كره أبداً.”
​الكلمة لمست وتر حساس جواكي. رجعتِ بذاكرتك لسنين ورا، لما كنتم لسه طلاب في الثانوية العامة.

أيمن كان دايماً ولد مشاغب، ذكي جداً بس مستفز، بيعرف يضايقك بأبسط الطرق ويثير غضبك، وكان دايماً المنافس الأول ليكي في كل الاختبارات. كنتي شايفاه الشخص المغرور اللي محتاج حد يوقفه عند حده، وهو كان شايفك البنت الشاطرة الدحيحة اللي واخدة الحياة بجدية زيادة عن اللزوم. والنهارده، الأيام دارت وجمعتكم في نفس السنتر التعليمي، هي بتدرس لغة عربية وهو بيدرس رياضيات، وكل واحد فيكم معاه مفاتيح شخصية التاني أكتر من أي حد تاني.
​بصلتيله بحدّة حاولتي تتصنعيها: “ما كانش كره؟ أومال تسمي إيه العذاب اللي كنت بتعيشهوني كل يوم؟ التريقة؟ المنافسة الغبية؟

ولا إنك لحد النهاردة بتتعامل مع الطلاب بتوعي بجفاء وجفا عشان بس تضايقني؟”
​ابتسم أيمن ابتسامة خفيفة فيها حزن مكتوم وقال: “أنا عمري ما قصدت أضايقك يا سما.. أما بالنسبة للعيال، فأنا معاملتي معاهم حزم مش جفاء. العيال دي لو ما مسكتهمش بأيد من حديد هيضيعوا، إنتي حنينة زيادة عن اللزوم، وبتمشي ورا عواطفك، وده بيخليهم يستغلوكي. أنا بحميكي وبحميهم بطريقتي، بس إنتي دايماً بتشوفيني الشريرة في قصتك.”
​سكتّي شوية، وبدأتي تفكري في كلامه. هل فعلاً أيمن بيعمل كده عشان الشدة اللي جواه ولا دي طبيعته؟ وهل فعلاً كان فيه دافع تاني ورا كل تصرفاته القديمة والجديدة؟

​قبل ما تديه أي رد، باب المكتب اتفتح فجأة ودخلت “مس نهى” مدرسة الإنجليزي، وبصت لكم باستغراب لما لقت أيمن قاعد في المكتب بدري كده والجو بينكم مشحون بالطاقة دي.
“صباح الخير يا جماعة.. إيه ده؟ هو فيه اجتماع مغلق ولا إيه؟” نهى قالتها وهي بتضحك بفضول مصري أصيل.
​أيمن وقف بسرعة، واسترد قناعه الجاد في ثواني، وفرك إيديه وقال ببرود: “لا يا مس نهى، مافيش حاجة.. كنت بس بوضح لـ مس سما بعض النقاط الخاطئة في أسلوب تعاملها مع غياب الطلاب، عن أذنكم.”
ومشي وساب المكتب وخرج، وسابك إنتي بتغلي من جواكي من طريقته وتحوله السريع ده!

​نهى قربت منك وقعدت مكان أيمن وبصتلك بشك: “مالك يا سما؟ وشك أحمر ليه كده؟ هو أيمن ضايقك تاني؟ أنا مش عارفة الولد ده ماله ومالك، من يوم ما نزل السنتر وهو حاطط نقره من نقرك!”
​ابتسمتي ابتسامة باهتة وقلتي: “مافيش يا نهى.. عادي، أنتِ عارفة أيمن وطريقته المستفزة. سيبك منه، قوليلي عملتي إيه في الملازم الجديدة؟”
​عدى اليوم بالعافية، وطول حصصك كنتي مش مركزة بالشكل الكامل. صورته وهو مرمي على الأرض وبكلامه الصريح ده كانت بتتعاد في دماغك زي الشريط. هل فعلاً أيمن بغير؟ وهل مشاعره دي حقيقية ولا مجرد لعبة جديدة من لعبه عشان يربكك ويكسب الجولة؟

​في نهاية اليوم، وبعد ما السنتر فضي تماماً والطلاب مشوا، كنتي بتلمي شنطتك وطالعة من باب السنتر. الشارع كان هادي والجو بدأ يبرد مع دخول الليل.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى