منوعات

حكايات ضحى 2

سمعت كلام مراتي ورد حمايا، وقفت مذهول ومبرق.. السفر للبلد ورحلة تعليمية لتسييح السمنة؟! الموضوع كبر لدرجة غير متوقعة تمامًا، بس قدام نظرات العيلة كلها المترقبة، ملقيتش قدامي غير إني أهز رأسي وأوافق وأنا ببتلع إهانة كبريائي كراجل كل ذنبه إنه حب يساعد مراتي ويغسل المواعين! مر الأسبوع وأنا عايش في البيت زي الغريب.. مراتي بتتعامل بمعاملة رسمية جدًا، كل كلمة بحساب، وكل ما تشوفني أربك أو أقرب ناحية المطبخ، تبصلي بتوجس وكأني هفجر البيت مش هعمل كوباية شاي.

وجه يوم الجمعة.. صحيت من الساعة 5 الصبح على صوت خبط على باب الشقة. فتحت وأنا بنفض النوم من عيني، لقيت خالها واقف بجلابيته وابتسامة عريضة على وشه وقال بصوت يرن في الشارع: – يلا يا عريس! السفرية طويلة والزبدة ما بتستناش حد! ركبنا العربية ونزلنا الطريق.. طوال الطريق للبلد وخالها شغال شرح وتفصيل في أنواع المواشي، والفرق بين زبدة طوبة وزبدة الصيف، وكيف تعرف المغشوشة من الصافية، وأنا حاطط إيدي على خدي وببص من الشباك وأنا بسأل نفسي: “أنا إيه اللي جابني هنا؟ ده أنا مهندس/موظف وشغلي كله على أجهزة، إيه علاقتي ببقر وزبدة وتسييح?!”

وصلنا القرية بعد ساعتين سفر.. كان البيت الريفي العظيم بتاع جدتها ليه ريحة خاصة، ريحة خير وخبيز. أول ما دخلنا، لقيت الجدة قاعدة في الصالة الواسعة وحواليها براميل فخار وعلب كبيرة، وأم مراتي واقفة ومجهزه الموقد البلدي (الكانون) في حوش البيت. قربت الجدة مني وقالت وهي بتمسك عصايتها وتداني: – تعال يا ابني.. اقعد هنا على الدكة دي.. النهارده مش هتدفع فلوس وبس، النهارده إيدك هي اللي هتشتغل عشان تحس بالنعمة اللي رميتها في الحوض.

شمرت أكمامي وأنا مش مستوعب اللي بيحصل.. جابوا حلة ألومنيوم ضخمة – أكبر ثلاث مرات من الحلة اللي غسلتها في البيت – وحطوا فيها كرات الزبدة الجموسي البيضاء النظيفة.. وبدأوا يشغلوا النـ,ـار الهادية تحتها. خالها وقف وقالي بجدية: – ياد يا عريس.. الكبشة الخشب دي في إيدك.. تفضل تقلب ببطء في اتجاه واحد.. لا تهدي إيدك ولا تسرع.. لو الزبدة شاطت من التحت، كل اللي بنعمله ده يتربى في الأرض، وتكون خسرنا حق القعدة والسفرية!

فضلت واقف قدام النـ,ـار.. الحرارة طالعة على وشي، وعرقي نازل غرقان، وإيدي وجعتني من كتر التقليب المستمر.. مراتي كانت واقفة بعيد بعض الشيء بتتفرج عليا ومبتسمة ابتسامة نصر خفيفة، وكل ما أبصلها برجاء عشان تصعب عليها، تبص الناحية التانية وتكمل كلام مع أمها. ساعة.. ساعتين.. وأنا بقلب في السمنة اللي بدأت تسيح وتعمل رغوة بيضاء على الوش.. الجدة كانت قاعدة ورايا زي المفتش، كل شوية تزعق: – قلب من الجناب يا ابني! المرتة هتتحرق تحت! أوعى السمنة تفور منك وتضيع التعب!

حسيت إن دراعي هيتقفش، وظهري اتألم من الوقفة قدام النار.. وفي اللحظة اللي بدأت المرتة تترسب في القاع والرائحة الجبارة تملى الحوش والسمنة تصفى وتبقى زي الدهب الصفاي، اتنفس الصعداء وقلت لخالها بنبرة صوت مهدودة: – كده تمام يا خالو؟ خلصنا كده ونصبها في البرطمانات ونرجع بقى؟ بصلي خالها بنظرة غريبة، وضحك بصوت عالٍ هز الحوش، وقالت الجدة وهي بتهز رأسها: – نرجع إيه يا ابني؟! دي القعدة الأولى! احنا لسه هننزل مع الخال المزرعة دلوقتي حالا نطلع لبن الحلبة الثانية عشان الزبدة الجديدة بتاعت الأسبوع الجاي!

بصيت لمراتي برعب وقلت: – لبن إيه وحلبة إيه؟! هو الموضوع مش كان حلة سمنة بس؟! سمعت كلمة “حلبة” ورجلي مش شايلااني. بصيت لحمايا ولخالها وأنا مرعوب، وقلت بذهول: – حلبة إيه يا جماعة؟! أنا مهندس/موظف قاعد طول اليوم قدام شاشات ومكتب، أنا أقصى تعامل ليا مع البقر كان في الساندوتشات! حلب إيه اللي هحلبه على آخر الزمن؟! ضحك حمايا ضحكة رجت المكان وقال: – اللي يغسل كيلو ونص سمنة بلدي بالصابون ويطير تعب ناس، لازم يتعلم القرش والنعمة دول بييجوا إزاي من أول نقطة لبن لحد ما ينزلوا في البرطمان!

مراتي قربت مني بابتسامة خبيثة وقالت وهي بتميل عليا: – يلا يا حبيبي.. مش كنت عايز تعوضني؟ الهمة بقى.. الزريـ,ـبة مستنياك! مسكني خالها من دراعي وشدني وراه على المزرعة. الشمس كانت بدأت تغرب، والجو في المزرعة ريحة طين وعلف وأصوات مواشي طالعة من كل ناحية. وقفني قدام جاموسة ضخمة جداً، بتبصلي بجمود وكأنها عارفة الجريم\ة اللي أنا عملتها في حق السمنة بتاعتها! جابلي كرسك خشبي صغير واطي، وقالي: – اقعد هنا يا عريس.. امسك الجردل بين ركبتك، وسيبك من التناكة بتاعت القاهرة دي.. ادهن إيدك بشوية زيت، وسمِ الله واشتغل!

قعدت على الكرسي وأنا حاسس بإهانة مفيش بعدها.. الجردل بين رجلي، والجاموسة كل شوية تضـ,ـرب بديلها على وشي تظبطلي الإرسال! وكل ما أحاول ألمسها، تتحرك بضيق، وأنا أرجع لورا بظهري وأصرخ: – يا خالو ارحمني! دي بتبصلي بغل! والله حاسس إنها عارفة إن أنا اللي دلقت السمنة بتاعتها في الحوض وهتنتقم مني! الخال والعمال واقفين يمسكوا بطونهم من الضحك عليا، وأنا إيدي أكلتني من المحاولات الفاشلة، لحد ما بعد ساعة كاملة من العذاب والتعفير بالطين ومحايلة الجاموسة، قدرت أطلع نص جردل لبن بالعافية، ودراعي بقى مش حاسس بيه تماماً وأعصابي اتدمرت.

رجعنا البيت وأنا ماشي بالعافية، جازز على أسناني ورجليا بتخبط في بعضها من التعب. لقيت الجدة مجهزة سفرة ريفية عريضة عليها فطير مشلتت وعسل ومرتة وجبنة قديمة.. قعدت أترمي على الكنبة وأنا مهدود. حمايا قعد جنبي، طبطب على كتفي وقال: – كده يا بني تبدأ تفهم.. السمنة دي مش حتة دهن بنشتريها وخلاص، دي نقطة عرق من كل واحد هنا.. عرفت بقى ليه زعلنا؟ هزيت رأسي بتعب وقلت: – حرمت.. والله العظيم حرمت.. لو شفت حلة في البيت فيها مية حتى، مش هقرب منها ولا هغسلها غير لما أخد موافقة كتابية وموثقة من الشهر العقاري!

الجميع ضحكوا، ومراتي بصتلي بنظرة فيها شوية حنية ورضا، وقالتلي: – خلاص يا سيدي.. حقك عليا تعبتك، بس كان لازم تعرف إن تعبي مكنش سهل. تنفس الصعداء وقلت: – الحمد لله إن الكابوس ده خلص.. يلا بينا بقى نلم السمنة والبرطمانات ونرجع القاهر… قاطعتني الجدة وهي بتحط كاس الشاي بنعناع على الترابيزة وقالت بصوت هادي يقطع الخلفية: – ترجعوا فين يا ابني؟! هو خالها ما قالكش؟ السمنة دي لازم تفضل بايته في الفخار ليلة كاملة تحت الندى عشان تعقد وتظبط.. وانتوا بايتين معانا هنا للصبح.. وبكرة الصبح بدري عندك مهمة ثانية قبل ما تتحركوا!

بصيت لمراتي بذهول وقلت بصوت واطي: – مهمة إيه تاني يا نهار أسود؟! هو أنا داخل معتقل؟! بصيت للجدة ورجعت بصيت لمراتي وأنا حاسس إن فيوزاتي خلاص هتضـ,ـرب. “مهمة ثانية؟!” هي الحكاية ملهاش نهاية ولا إيه؟! الجدة ابتسمت بتشفٍ وقالت: – السمنة عشان تطلع مظبوطة ومفيهاش ريحة، لازم البرطمانات الفخار تتغسل بخل ومية دافية وتنشف في شمس الصبح، وبعدين تتصب السمنة وهي دافية بدرجة معينة.. وده شغلك بكرة من أذان الفجر!

ليلتها نمت على السرير النحاس القديم بتاع البيت الريفي، جسمي كله مكسر ومحلول.. دراعاتي بتوجـ,ـعني من كتر تقليب السمنة وحلب الجاموسة، وظهر يأن من القعدة على الكرسي الواطي. كل ما أغمض عيني، ألمح الجاموسة بتبصلي بنظرة الانتقام، وأسمع صوت كبشة السمنة وهي بتقلب! صحيت الساعة 4:30 الصبح على صوت خبط منتظم على درفة الشباك.. فتحت عيني بالعافية، لقيت خالها واقف بره الشباك ومسك بايده الخرطوم! – يلا يا عريس! الشمس هتطلع والبرطمانات مستنية المية والخل!

قمت زي القتـ,ـيل، مش قادر أفرك عيني حتى. خرجت للحوش، لقيت مراتي واقفه ومجهزة البرطمانات الفخار الكبيرة ومبتسمة ابتسامة فيها كمية تشفي مش طبيعية. مسكت البرطمانات، وبدأت أغسل واشطف وأمسح، والخل ريحته طارت في مناخيري.. وأنا شغال، حمايا خرج وهو شايل الراديو الصغير وبيدندن مع أم كلثوم، وقعد على الدكة وطلّع علبة سجائره وقالي: – الجدعنة مش بس إنك تعمل الحاجة، الجدعنة إنك تتسلمها وتصونها يا بني.. أهو إنت كده عرفت قيمة البرطمان ده من ساعة ما كان لبن في الضرة لغاية ما بقى سمنة مقدوشة!

خلصت غسيل وتنشيف البرطمانات، وجابوا حلة السمنة الدافية اللي باتت طول الليل تسقع وتظبط.. مسكت المغرفة الكبيرة، وبدأت أصب بالراحة وبحذر شديد في البرطمانات الفخار.. نقطة واحدة تقع خارج البرطمان كانت بتقابلها شهقة جماعية من العيلة كلها وكأني دايس على لغم!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى