
وبعد ساعة من التركيز الشديد اللي يعادل تركيز جراح في عملية قلب مفتوح، اتقفلت البرطمانات واتغطت بالقماش الأبيض المربوط بالدوبارة.. وبقت مصفوفة قدامي زي السبائك الدهبية. اتنفست الصعداء، ومسحت العرق من على وشي وقلت بانتصار: – بس! كده السمنة اتسيحت، واتصبت، واتشالت في البرطمانات بعرق جبيني ومجهودي.. أظن كده الحساب بيصفى؟ خالها مسك البرطمانات وحطها في كراتين مقواة، وحطها في شنطة عربيتي بمنتهى الحرص وكأنها شحنة يورانيوم مشحونة.. ورجعت لمراتي وقلت لها وأنا بضحك بقلة حيلة:
– ها يا ستي؟ رضيتي عني؟ نرجع بقى القاهر ونقفل الصفحة دي خالص؟ مراتي بصتلي، ولأول مرة من أسبوع تقرب مني وتطبيل على كتفي بحنية وقالت: – بصراحة يا حبيبي إنت أثبت إنك جدع واستحملت كتير.. يلا بينا نرجع. سلمنا على العيلة كلها، والجدة دعتلي دعوة حلوة وأداتني حتة فطيرة مشلتتة في إيدي للسكّة، وركبنا العربية وأنا حاسس إني بطل قومي راجع من جبهة القتال بعد ما أديت واجبي وزيادة!
طول الطريق وأنا ببتسم وببص للكراتين في الكنبة الورانية وأقول لنفسي: “أخيراً.. الكابوس انتهى والبيت هيرجع هادي زي زمان!” وصلنا الشقة بالليل.. شلت الكراتين بنفسي وطلعت بيها وأنا خايف عليها أكتر من عينيا.. حطينا البرطمانات جوه المطبخ على الرخامة بسلام، ومراتي دخلت تغير هدومها وتستريح. دخلت أنا أخد دوش دافي يشيل تعب وأثر الزريبة والسفر.. خرجت وأنا حاسس إني إنسان جديد.. مشيت ناحية المطبخ عشان أعمل كوبايتين شاي ونقعد نحتفل بالنصر، أول ما دخلت المطبخ وبصيت على الرخامة… اتجمدت في مكاني والدم اتجمد في عروقي!
بصيت للرخامة، ولقيت البرطمانات الفخار اختفت! مكانها كان فيه أربعة برطمانات زجاجية شفافة، متقفلين بإنشاط بلاستيك، ومحطوطين بالمسطرة.. وعلى الرخامة جنبه أكياس الفخار اللي كانت ملفوفة فيها السمنة مرمية في السلة! طلعت يجري على الصالة وأنا بصرخ بصوت مكتوم ومش قادر أتنفس: – هدى! السمنة فين؟! البرطمانات الفخار راحت فين؟! خرجت مراتي من الأوضة وهي بتنشّف شعرها بالفوطة وبتبصلي بمنتهى الهدوء والبساطة وقالت: – إيه يا حبيبي مالك في إيه؟ نقلتها!
وقفت مشدوه وقلت بصوت طالع بالعافية: – نقلتيها؟! نقلتي إيه ومنين ولمين؟! بتسمت وقالت ببرود قـ,ـاتل: – أصل بصراحة الفخار ده بحسه بيغير طعم السمنة مع الوقت وبيسحب مرارتها، وكمان شكله مش حلو على الرخامة.. فقمت نقلت السمنة كلها في البرطمانات الازاز الشفافة دي عشان تبقى باينة وشكلها أثرى وأشيك! مسكت رأسي بإيدي الإثنين وقعدت على أقرب كرسي وأنا بحس بأعراض جلطة مبكرة! – نقلتيها؟! يعني أنا قعدت أصب نقطة نقطة بحذر جراح، ووقفت من الفجر أغسل الفخار بالخل والمية الدافية عشان يعقد ويحفظ السمنة صح، وتقومي إنتي في ثانية قلباها في إزاز؟!
ضحكت مراتي ضحكة عالية، وجت قعدت جنبي وطبطبت على كتفي وهي بتقول: – يا سيدي عادي، المهم إن السمنة بقت في البيت خلاص، وبقت ملكنا! في اللحظة دي، بصيت لها، وبصيت للمطبخ، وبصيت لإيديا اللي لسه معلم فيها التعب والجهد.. وضحكت.. ضحكت من كل قلبي على كل اللي حصل! **الحكمة:** * **أولاً:** المطبخ ده مملكة قائمة بذاتها ولها قوانينها الخاصة.. لو شفت حلة، برطمان، أو حتى طبق صاج محطوط في أي مكان غريب.. إياك تمسكه، إياك تغسله، وإياك تنقله! اسأل الأول وخد موافقة كتابية بشاهدين، لأن “النية الطيبة” في المطبخ ممكن توديك الزريبة تحلب جاموسة!
* **ثانياً:** التعب اللي مبتشوفوش بعينك، مبتعرفش قيمته.. احنا بنشوف الحاجة جاهزة على السفيرة أو في البرطمان وبنفتكرها سهلة، بس ورا كل لقمة حلوة أو حاجة معمولة بحب، غزل وعرق ومجهود ناس كتير. * **وأخيراً:** رضا الزوجة بيحتاج أحياناً سفر للبلد وقعدة قدام كانون، بس في الآخر.. البيت اللي فيه مشاركة وتسامح -حتى لو بعد محاكمة عائلية- بيضل بيت مليان دفا وخير!


