
دفعت آخر ٥٠ جنيه حيلتي عشان أنقذ راجل عجوز اتهان في الشارع.. ولما راح عليا ميعاد إنترفيو العمر، اكتشفت بالليل إن العجوز ده يبقى جد صاحب أكبر شركة في مصر، وإن الموقف ده غير حياتي كلها!
البرتقال كان بيتطوح على الرصيف والمطر نازل يغرق الدنيا. الراجل العجوز حنى ظهره بإيدين بترتعش، وبيحاول يجمع البرتقال قبل ما يسرح في المية العكرة بتاعة الشارع. بياع الفاكهة زعق فيه بقسۏة وندالة سيبهم مكانهم! أنت ضيعت وقتي وعطلت زبايني! أنا وقفت فجأة لدرجة إن الست اللي كانت ماشية ورايا كانت هتخبط في كتفي. فاضل ١٩ دقيقة على إنترفيو الشغل!
على بعد ست شوارع، برج الشركة الكبيرة كان طاير في السما وبيلمع، كأنه وعد بالنعيم للناس الأغنى مني. أنا قعدت تلات شهور بأحضر للإنترفيو ده؛ طبعت السي في في المكتبة العامة، استلفت الجاكيت الشيك من جارتي، وما اتعشيتش مرتين الأسبوع ده عشان أوفر حق مواصلات الوسطاني. الشغلانة دي كانت هتغير كل حاجة.. كانت هتخليني أخرج أنا وأخويا الصغير من البدروم الساقع اللي عايشين فيه، وأعرف أشتري أكل بدل ما أنا مديونة لفواتير النور والمية، وأتنفس من جديد!
وفجأة، البياع زق البرتقالة برجله بعيد عن إيد العجوز المرتعشة، وزعق بصوت عالي قلت لك مفيش فلوس يبقى مفيش فاكهة!
غور من هنا بدل ما أطلب لك الأمن! العجوز اتعدل ببطء، كان طويل بس نحيف أوي، ملفوف في كابوتشو بني قديم ومغطي شعره الأبيض بكاب. وشه كان بېمـ,ـوت من الخجل والإهـ,ـانة، وقال بصوت هادي ومكسور أنا شكلي المحفظة اتسـ,ـرقت مني في المترو.. وحفيدي جاي في الطريق. البياع ضحك باستهزاء آه طبعاً! وحفيدك ده يطلع وزير مثلاً؟ كام واحد من الواقفين ضحكوا بسخرية، والباقي أخدوا وشهم ونظروا الناحية التانية.. محدش فكر يتدخل! بصيت في التليفون.. فاضل ١٨ دقيقة! لو جريت، ممكن ألحق. بس البياع مسك العجوز من كم الجاكيت بقسۏة وقال امشي يلا!
دخلت في النص بينهم وقلت بثبات نزل إيدك عنه! البياع بصلي باستغراب نعم؟ ردت بكل قوة سمعتني كويس.. نزل إيدك عنه! قال پغضب ده مش موضوعك! قلت له بقى موضوعي وموضوع الشارع كله لما قررت تهين راجل قد أوبك قدام الناس! العجوز لمس إيدي بحنية وقال بلاش يا بنتي، حصل خير. قلت له بصوت واطي لأ يا حاج.. مش خير! وطيت على الرصيف ولمېت البرتقال اللي كان متطور، وحطيته جوة الكيس وطلعت على الفاكهاني حسابهم كام؟ البياع قال باستغلال ٦٠ جنيه! فتحت محفظتي، مكنش فيها غير ٥٠ جنيه، وكارت مواصلات، وصورة قديمة لأمي وأخويا الصغير.
قلت له الكيس ده ما يجيبش ٦٠ جنيه! قال بتحدي هو سعره كده النهاردة! حطيت ال ٥٠ جنيه على الرخامة وقلت ده كل اللي معايا. قال ببرود يبقى شيلي برتقالتين من الكيس! العجوز بص الناحية التانية بحزن، وأنا بسكات شلت البرتقالتين، وأديته الكيس وابتسمت له.
أنا كنت فاكرة إني ضيعت شغلي ومستقبلي عشان ٥٠ جنيه وبرتقالتين، ومكنتش اعرف إن العجوز ده كان بيختبر أخلاق الناس، وإن حفيده اللي جه في عربية حراسة فاخرة هو صاحب الشركة اللي كنت رايحة أعمل فيها الإنترفيو، والقرار اللي هياخده بالليل هيخلي الفاكهاني والبياعين يتقلب عيشهم وحياتي تتحول لحلم!
تفتكروا حفيد العجوز هيعمل إيه لما يعرف اللي حصل مع جده؟ وإزاي الإنترفيو اللي ضاع هيرجع بفرصة أكبر؟
وقفت أبص للعجوز وهو ماسك كيس البرتقال، وكنت حاسة إن الوقت بيجري مني.
بص في ساعتي… باقي عشر دقايق على الإنترفيو.
ابتسم لي وقال
ربنا يعوضك يا بنتي.
ابتسمت وأنا مخـ,ـڼوقة
العوض على الله.
لفيت أمشي، لكن قبل ما أخطو خطوتين، وقفت قدامي عربية سوداء فخمة، نزل منها ثلاثة رجال ببدل رسمية.
أول ما شافوا العجوز، جريوا عليه.
قال واحد منهم بقلق
حضرتك كويس يا فندم؟ قلبت علينا الدنيا.
العجوز هز رأسه بهدوء.
في اللحظة دي نزل شاب في منتصف الثلاثينيات، ملامحه هادية وهيبته واضحة.
أول ما شاف جده، حضنه بقوة وقال
كنت ھټموټني من القلق.
رد الجد بابتسامة
أنا بخير… لولا البنت دي.
وبص ناحيتي.
الشاب لف ناحيتي ومد إيده.
أنا كريم.
صافحته في ارتباك.
قال
سمعت إنك دافعتِ عن جدي.
قلت بسرعة
عملت اللي أي حد مفروض يعمله.
ابتسم الجد وقال
للأسف… مش أي حد عمله.
بص كريم على كيس البرتقال، وعلى الخمسين جنيه اللي كانت لسه فوق الرخامة.
سأل البياع
هي دفعت آخر فلوسها؟
البياع ارتبك.
أنا… يعني… ده سعر السوق.
لكن أحد الواقفين قال
لا يا باشا… الراجل استغلها، وسعر البرتقال أقل من كده.
وقال شخص آخر
وزق جدك كمان.
اتغيرت ملامح كريم تمامًا.
قال للبياع
الفلوس اللي خدتها مش حقيقتها… لكن اللي عملته في راجل كبير هو اللي هتتحاسب عليه.
ثم الټفت إليّ.
حضرتك رايحة فين؟
قلت وأنا حاسة بالحرج
كان عندي إنترفيو.
فين؟
رفعت عيني ناحية البرج الزجاجي.
ابتسم.
في شركتنا؟
هززت رأسي.
بص في ساعته وقال
لسه فيه وقت.
قلت بحزن
أكيد اللجنة خلصت.
رد بثقة
اللجنة مستنية لما أقول تبدأ.
استغربت كلامه.
ابتسم الجد وقال
عرفك بنفسي… أنا محمود السيوفي.
وقبل ما أستوعب الاسم، أكمل كريم
وده جدي… مؤسس الشركة.
شعرت إن الأرض بتميد بيا.
ركبت العربية معهم وأنا لسه مش مستوعبة اللي بيحصل.
بعد دقائق دخلنا مقر الشركة.
كل الموظفين وقفوا احترامًا للجد.
أما أنا فكنت ماشية وراهم وأنا حاسة إن ده حلم.
دخل كريم قاعة الاجتماعات.
كانت لجنة التوظيف موجودة.
قال لهم
المرشحة وصلت.
نظر أحد المديرين في الساعة.
لكنها متأخرة.
رد كريم بهدوء
اتأخرت لأنها كانت بتعمل الصح.
ثم طلب مني أحكي اللي حصل.
حكيت كل شيء كما هو، من غير ما أزود كلمة.
انتهيت، وساد الصمت.
قال رئيس الموارد البشرية
دلوقتي نبدأ الإنترفيو الحقيقي.
استمر أكثر من ساعة.
سألوني في تخصصي، وحليت حالات عملية، وشرحت أفكاري، وأجبت على كل الأسئلة بثقة.
وفي النهاية خرجت وأنا مش عارفة النتيجة.
قبل ما أوصل باب الشركة، نادت عليّ السكرتيرة.
دخلت مكتب كريم.
ابتسم وقال
مبروك.
قلت بعدم تصديق
اتقبلت؟
ضحك.
اتقبلتِ بإجماع اللجنة… مش بسبب اللي عملتيه في الشارع، لكن لأنك أثبتِّ كفاءة حقيقية.
ثم مد لي عقد العمل.
كان الراتب أكبر مما حلمت به يومًا، مع تأمين طبي، ومكافآت، ومنحة تعليمية لأخي الصغير.
لم أتمالك دموعي.
بعد أسبوعين، بدأت عملي.
وفي أول يوم، فوجئت بأن الجد محمود يزور الشركة.
طلب يقابلني.
دخلت عليه.
ناولني ظرفًا صغيرًا.
فتحته، فوجدت داخله خمسين جنيهًا جديدة.
استغربت.
ابتسم وقال
دي فلوسك.
ضحكت وقلت
مش محتاجاها.
قال وهو يبتسم
أنا محتاج أرجع الأمانة لصاحبها.
ثم أخرج كيسًا صغيرًا فيه برتقالتان.
وقال ضاحكًا
ودول كمان… البرتقالتين اللي اضـ,ـطرّيتي تسيبيهم.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
بعدها بشهر، أصدر كريم قرارًا بتأسيس صندوق داخل الشركة لدعم الموظفين وأسرهم وقت الأزمـ,ـات، مع تخصيص جزء من أرباح الشركة لمساعدة كبار السن المحتاجين، وقال في الاجتماع السنوي
النجاح الحقيقي مش في حجم الشركة… النجاح في طريقة تعاملنا مع الناس.
أما بائع الفاكهة، فلم يُغلق أحد رزقه، لكن الحي كله عرف ما فعله بعدما انتشر مقطع صوره أحد المارة.
اعتذر للعجوز أمام الجميع، وأعاد الأموال التي حصل عليها بغير حق، وتغير أسلوبه مع الزبائن بعدما أدرك أن القسۏة قد تكسب جنيهًا، لكنها قد تخسر احترام الناس.
وبمرور الشهور، استطعت أن أسدد كل الديون، واستأجرت شقة صغيرة مضيئة بدل البدروم الذي عشنا فيه سنوات، ونقلت أخي إليها.
وفي أول ليلة داخل البيت الجديد، جلس أخي يبص من الشباك ويبتسم.
قال
فاكرة لما كنا بنحلم بأوضة فيها شمس؟
ابتسمت وأنا أنظر إلى ضوء الصباح الذي ملأ المكان.
قلت
أيوه… والحلم بدأ بخمسين جنيه.
وفي احتفال مرور عام على انضمامي للشركة، وقف الجد محمود أمام الموظفين وقال
ناس كتير فاكرة إن الإنسان بيتعرف من منصبه أو فلوسه… لكن الحقيقة إن الإنسان بيتعرف وهو واقف قدام حد ضعيف، ومحدش شايفه. البنت دي ما ساعدتنيش لأنها عرفت أنا مين… ساعدتني لأنها عرفت هي مين.
صفق الجميع طويلًا.
ونظرت إلى أخي، الذي كان يجلس بين الحضور بعد أن حصل على منحة دراسية تكفلت بها الشركة.
وقتها فقط فهمت أن الخير لا يضيع، وأن المعروف قد يتأخر أثره، لكنه يعود لصاحبه في الوقت الذي يكون في أمسّ الحاجة إليه.
ومنذ ذلك اليوم، احتفظت بالخمسين جنيهًا داخل إطار صغير في مكتبي، لا لأتذكر المال الذي أنفقته، بل لأتذكر أن قرارًا واحدًا اتخذته بدافع الرحمة كان بداية حياة جديدة، وأن أغلى الفرص قد تأتي متنكرة في صورة موقف عابر لا يتوقعه أحد.


