منوعات

غريبه في عالمك

مقدمة
مريم حمدي و يوسف جلال هما قضبي المغناطيس المتنافران في كل شيء سواء من ناحية الأصل او المجتمع أو السن أو حتى طريقة التفكير تجبرهما الظروف على العيش معا تحت سقف واحد من زواج دبره جد مريم .
فكرت مريم بأن الظروف دائما ما تكون ضدها فتارة تجبرها على الانتقال للعيش في مجتمع غريب تماما عنها وعن ذلك الذي وُلدت وعاشت فيه حتى مرحلة المراهقة ومن ناحية أخرى يجبرها جدها على الزواج من ذلك الشخص المشهور بقساوته ومغامراته النسائية المتعددة.
فما الحل اذن؟

هل تهرب من هذا الزواج المحكوم عليه بالفشل الى مصير آخر مجهول أم أنها ستقبل بلأمر الواقع وتعيش مع هذا الشخص وهي الغريبة عن عالمه؟

الحلقة الأولى
*زواج مدبر*
:تمام كدة. فيه حاجة تانية؟
قال عبدالرءوف رجل الأعمال الشهير جملته وهو يوقع باسمه على أحد الأوراق أمامه على الطاولة التي كان يتصدرها.
فنظر له هذا الشاب الذي يجلس على يساره بنظرة اهتمام قلقة وهو يأخذ منه الملف و يقول له :لا. كفاية كدة النهاردة . انا شايف انك تعبت . ما كنش لازم أصلا انك تنزل الشغل دلوقت خصوصا ان الدكتور قال انك محتاج لراحة تامة.
فأجابه عبد الرءوف هذا الكهل الذي قد بلغ من العمر ما يناهز الستين عاما وقد بدا عليه الارهاق:

لو كنت هسمع كلام الدكاترة هفضل الفترة اللي باقية من عمري راقد ع السرير مش بتحرك ودة اللي مش هقدر استحمله.
فسأله الشاب وهو يحيط بأصابعه القويه كف عبد الرءوف المستند على الطاولة: فكرت في موضوع العملية ولا لسة؟
فتنهد عبدالرءوف في غير ارتياح وكأنه لا يستسيغ الخوض في هذا الحديث ثم قال بصوت ساخر: العملية اللي اصلا مش مضمونة؟ وكمان لو نجحت هتزود في عمري كام يوم؟ يا يوسف يابني انا خلاص بقول ياللا حسن الختام.

تحجرت نظرات يوسف وهو ينظر اليه بلوم شديد وكأنه يستنكر فكرة فقدانه لهذا الرجل الذي طالما اعتبره بديلا عن والده المتوفي وهو لم يتعد التاسعة من عمره بعد . ولذا فمنذ معرفته بعبد الرءوف الكامل التي استمرت لعشر سنوات حتى الآن تعدت علاقته به من الشراكة الى الصداقة بل انه في بعض الاوقات كان يشعر أن هذا الرجل بمثابة الأب الثاني له لذا قال له بلهجة قاسية بها بعض التهديد:اسمع. الكلام دة اياك اسمعه منك تاني. والعملية هتتعمل برضاك أو غصب عنك حتى لو اضطريت اني اجرجرك لاوضة العمليات بنفسي مادام فيه امل.

علم عبد الرءوف من نظرة شريكه الشاب أنه ينوي ذلك فعلا ان اضطر اليه لذا قال له ممازحا: ايه يا يوسف؟ قلبت كدة جد مرة واحدة يعني ؟ ما تخافش ياسيدي هعمل العملية بس لما اطمن الاول على مستقبل مريم!
نظرة يوسف الحائرة جعلته يستمر في التوضيح: مريم حفيدتي. انت عارف بعد وفاة والدها انا بقيت المسئول عنها وخصوصا بعد ما رجعت مصر. فانا لو عملت العملية دلوقت مش هتلاقي حد يقف معاها بعدي وهية مش هتقدر تعيش لوحدها في مجتمع كل اللي تعرفه عنه انها اخدت جنسيته.
فقال يوسف بنبرة حاقدة: أبوها كان لازم يعمل حساب لكل دة.

ازاي عمره ما فكر ان هييجي اليوم اللي ممكن يسيبها فيه لوحدها في بلد غريبة بعيدة عن أهله وأهلها اللي هما أحق الناس بتربيتها ورعايتها؟
فسأله عبد الرءوف بنظرة مترقبة : انت لسة مش قادر تسامحه يا يوسف؟
وعندما لم يتلق جوابا قال له برجاء: سامحه يا يوسف ع الاقل اكراما ليا
لم يتمالك يوسف نفسه الى ان ابتسم لصديقه ابتسامة دافئة وهو يقول: تفتكر اني هقدر اكره انسان ميت؟!
وقد هدأت ملامح عبد الرءوف قليلا وهو يربت على كتف يوسف ويقول: ربنا يباركلك يابني هوة دة عشمي فيك بردو .

انا كدة ارتاح بالي من الموضوع دة عقبال بقا ما ارتاح من ناحية مريم . انا متأكد ان لو سبتها لوحدها كدة اكيد التانيين هياكلوا حقها وهية مش هتقدر تعمل حاجة.
يوسف: طب وعمتها؟!
فقال عبد الرءوف ساخرا: وردة؟! لا دي ماشية على حسب هوى جوزها. ومش محتاج طبعا اقولك هوة بيخطط لايه.
فصمت يوسف قليلا وبدا على وجهه التفكير العميق ثم قال: طب ما تجوزها ماهر ابن عمتها وبكدة مش هيقدروا يعملوا حاجة لانها بقت مراة ابنهم بالعكس دول هما اللي هيدافعوا عنها وعن حقها.
استمر عبد الرءوف في نبرته الساخرة:

كدة بقا يبقا زي مابيقولوا سلموا القط مفتاح القرار. مين قالك انهم هيحافظوا عليها اذا كان هما اصلا مش راضيين يعترفوا بيها. انا لو عملت اللي انت بتقوله دة يبقا سهلتلهم الطريق عشان يوصولوا للي هما عاوزينه مش اكتر
واستمر يوسف في عرض اقتراحاته مشاركة لصديقه في مشكلته: خلاص جوزها لحد بتثق فيه وفي نفس الوقت تكون شايف انه يقدر يقف في وش جوز بنتك كمال
فشرد عبدالرءوف للحظات ثم لمعت الفكرة فجأة بعقله وقال ليوسف بابتسامة هادئة ونظرة ذات مغزى معين: معاك حق يا يوسف. هوة دة فعلاالحل الوحيد. طب انت ايه رأيك بقا؟
فسأله يوسف بحذر:

في ايه؟
عبدالرءوف: في انك تناسبني.
: أناسبك؟!
بدا وكأن يوسف لم يفهم المغزى من كلام شريكه في أول الأمر إلى أن بدأ يستوعب الورطة التي زج نفسه بها فاتسعت عيناه وازداد اللون الأسود بهما وكأنه الفحم وهو يقول وتلك الابتسامة التي علت وجهه لم تكن سوى للاستنكار: انت بتهزر. اكيد ما تقصدش اللي انا فهمته
لم تتأثر ابتسامة عبدالرءوف الهادءة وهو يجيب: مفتكرش انك عندك اعتراض على نسبي.
فضاقت عينا يوسف قليلا وهو يقول بنبرة شديدة الهدوء لدرجة تنذر بالخطر: انت عارف ان دة مش قصدي. بس ليه؟!

بعد تنهيدة طويلة نمت عن مدى ارهاق عبدالرءوف سواء الجسماني او العقلي أجاب: انت الوحيد اللي هكون مطمن على مريم وهية معاه. وانت الوحيد اللي تقدر تقف في وش كمال و ماهر ابنه
ثم ضغط على يد يوسف برفق وهو يقول له بشبه توسل: وافق يا يوسف خليني ارتاح. اعتبرها خدمة لصديقك العجوز قبل وفاته.
سحب يوسف يده بهدوء ثم نهض وقفا وهو يحاول ترتيب افكاره بحيث لا يجرح هذا الكهل: طب ازاي؟ وانا لا اعرفها ولا هية تعرفني؟ دة غير ان على حسب علمي هية لسة ما كملتش العشرين وزي مانت عارف انا قربت ع الخمسة وتلاتين.

يعني بالنسبالها هبقا عجوز اوي.
ازدادت ابتسامة عبد الرءوف وهو يراقب حركات صديقه المتوترة وهو لم يعتد ان يراه في هذه الحالة مما جعل من الصعب عليه الا يستخدم اسلوب الدعابة وهو يقول: ايه يا يوسف؟ انت هتخليني اكدب كلام الصحافة عنك اللي مسمياك المليونير الدونجوان ولا ايه؟ خلاص كبرت وعجزت؟
و بما ان يوسف لم يكن في حالة تسمح له بمجاراة صديقه لذا فلم يكن الا ان حدجه بنظرة غاضبة جعلته يتراجع سريعا وهو يلوح بيديه كوسيلة للدفاع جعلته يبدو اصغر كثيرا مما هو عليه في الواقع:خلاص خلاص صدقنا انك دونجوان عصرك وزمانك.

بس لسة ما قلتش لحد دلوقت رايك ايه؟
بدا على يوسف وكانه يتخبط في مجموعة من المشاعر المتناقضة الى ان حسم امره اخيرا وأخذ يفكر بصوت عال كما تعود دائما مع صديقه الكهل: ازاي بس اتجوز واحدة عاشت كل حياتها في مجتمع غريب بعادات وتقاليد مختلفة . بنت راجل خالف اوامر ابوه وراح عاش في بلد تانية واتجوز واحدة اوروبية لا يعرف اصلها ولا فصلها؟ ازاي اسلم اسمي وسمعتي لواحدة امها اتخلت عنها في لحظة عشان تعيش مع واحد صاحبها .انا اتاكد منين ان بنتها مش طالعالها؟

السابقانت في الصفحة 1 من 6 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى