منوعات

العرش

رجلك كانت بتخبط في الأرض بجموح، والريح بتطير شعرك لورا وأنتِ بتجري بين شجر الجميز والصفصاف، قلبك بيدق في صدرك زي طبول الحرب، مش من الخوف.. لا، ده كان ميكس عريب من الأدرينالين والنشوة الصافية اللي بقالك سنين ما حسيتيش بيها! الضحكة كانت لسه محبوسة في زورك، وكل ما تفتكري منظر الراجل ده والمية المتربة النازلة من شعره وشكله الشيك اللي اتدمر في ثانية، تكركري تاني وتزودي سرعتك.
​أنتِ حافظة “حارة الغابة” شبر شبر. عارفة أنهي جُذر شجرة طالع من الأرض ممكن يتكعبل فيه الغريب، وأنهي فرع واطي ممكن يخبط في وش اللي بيجري وراكي.

بلمح البصر، نطيتِ فوق صخرة عالية، ومنها لفرع شجرة عتيقة، واختفيتِ بين الأوراق الكثيفة زي النسمة، كأنك جزء من المكان ده.
​بس وراكي على الأرض، السكون اللي نزل بعد جريتك كان يرعب.
​الحراس التلاتة كانوا واقفين في مكانهم زي التماثيل، وشهوم مصفورة وباصين لأرضية الغابة المبلولة، مستنيين البركان ينفجر. سليم الفارس ما صرخوش، ما اتحركش من مكانه حتى. مسح قطرات المية الأخيرة من على دحنه ببطء شديد، وعيونه البنفسجية اللي بتلمع بضياء سحري مكتوم كانت باصة في الاتجاه اللي اختفيتِ فيه. الصوت اللي طلع منه بعد السكوت ده كان أبرد من ثلج طالع من بئر مهجور:

​– “أنتوا واقفين بتتفرجوا؟”
​واحد من الحراس بلع ريقه بصعوبة وقدم خطوة، صوته كان بيرتعش: “مولاي.. البنت دي سرعة تنقلها بين الشجر مش طبيعية، وهي.. هي الهجينة اللي عايشة على الأطراف، محدش يقدر يعوض جرتها في الغابة دي غير—”
​سليم تلفُت له بنظرة واحدة، خلّت الحارس يسكت فوراً ويتجمد في أرضه. سليم قال بنبرة هادية بس تقيلة زي الجبل: “قلت عايزها حية في قصري.. قبل ما الشمس تغرب.

لو الليل نزل وهي مش في سلاسل القصر، مش عايز أشوف وش واحد فيكم تاني.”
​وفي أسرع من الرمشة، اختفى الحراس التلاتة بين الشجر زي الخيالات، بيجروا بأقصى طاقة عندهم عشان يلحقوا رقابهم قبل ما سليم ينفذ وعيده.
​في الناحية الثانية، كنتِ وصلتِ للكوخ القديم المتداري بين الشوك والجبال الصغيرة في آخر الغابة. ده المكان اللي عشتِ فيه مع أمك أخر أيامها، والمكان اللي اتعلمتِ فيه تعتمدي على نفسك بعد ما أمك سابتك للدقايق والأيام المرة.
​دخلتِ الكوخ وأنتِ بتتنفسي بسرعة، قفلتِ الباب الخشب الضعيف وراكِ وسندتِ عليه، والضحكة بدأت تختفي تدريجياً وتحل محلها أفكار تانية خالص.

​”هو الراجل ده مين؟” سألتِ نفسك وأنتِ بتحطي إيدك على قلبك.
الملامح دي مش ملامح صياد عادي. الهيبة اللي كانت طالعة منه، والعباية السودة اللي رغم بساطتها كانت بتلمع بخيوط سحرية متدارية، والعيون البنفسجية دي.. العيون دي مش موجودة غير في سلالة واحدة بس في أرض العجايب كلها! سلالة الحكام!
​فجأة، حسيتِ بقشعريرة باردة نزلت على ضهرك. أسناناك صكت على بعضها لما الفكرة ض.ربت في عقلك زي الصاعقة:
“سليم الفارس!”
​أنتِ بللتِ الحاكم بنفسه!

الراجل اللي رمى أمك للذل والألم، الراجل اللي حرمها من أبسط حقوقها وخلاها تمو.ت منبوشة ومقهورة، الراجل اللي بسببه اتسميتِ “الهجينة” وكل الناس بتبصلك بقرف!
​أنفاسك بدأت تتسارع، بس المرة دي مش من الضحك.. ده كان غل قديم اتفتح زي الجرح. بس الغل ده كان معاه واقع مرير: سليم الفارس مش هيسيب اللي حصل ده يعدي. هو مش صياد هيزعل ويروح، ده ملك بيأمر الكلمة تنفذ في لحظة!
​بدأتِ تتحركي بسرعة جوه الكوخ. مسكتِ شنطة جلد قديمة ورميتِ فيها حبل، سكينة صيد صغيرة، وبعض الثمار الجافة.

كنتِ عارفة إنك لازم تهربي فوراً، تسيبي الغابة، وتطلعي بره حدود “أرض العجايب” كلها وتدخلي عالم الإنس، حتى لو كان عالم الإنس رفد أمك زمان، على الأقل مفيش هناك سحر يقدر يتتبع خطواتك بسهولة.
​بس قبل ما تمسكي مقبض الباب عشان تخرجي.. السكون اللي بره الكوخ بقى غير طبيعي. حتى صوت العصافير وحفيف الشجر اختفى فجأة.
​أنتِ جمدتِ في مكانك. إيدك على الباب، وعينيكِ اتوسعت.
​طرقات خفيفة، بس منتظمة ومرعبة، خبطت على الباب الخشب.

​صوت هادي وجاي من بره، مش صوت الحراس، ده كان الصوت نفسه اللي سمعتيه في الغابة، بس المرة دي قريب جداً، كأنه واقف ورا الباب مباشرة:
​– “الهروب ملوش طعم لما تكوني فاكرة إنك سريعة يا.. هجينة.”
​قلبك اتنفض في صدرك. سليم الفارس بنفسه جه! ما بعتش حراسه بس، هو جه بنفسه يطاردك!
​أنتِ ما تردديتيش. سحبتِ سكينة الصيد من الشنطة بسرعة، وورجعتِ خطوتين لورا، وجسمك كله اتشد لموقف الدفاع. الباب الخشب اتقسم نصين بلمسة سحرية خفيفة من غير ما حد يلمسه، وطار للأجناب زي أوراق الشجر.
​وقف سليم على العتبة.

طوله الفارع، وهيبته المرعبة، والهدوء القاتل اللي على وشه كانوا كافيين يخلوا أي كائن في الأرض دي يقع على ركبه ويطلب الرحمة. بس أنتِ؟ أنتِ مش زي بقية الكائنات. أنتِ جواكي دم إنساني رافض ينحني، وغل سنين طويلة مستني لحظة يخرج فيها.
​سليم بصلك ببطء. عينيه البنفسجية اتفحصت الكوخ الفقير، وبعدين استقرت عليكِ. شاف السكينة الصغير اللي في إيدك، وسلسلة العرق اللي نازلة على جبهتك، والشرار اللي بيطلع من عينيكِ.
​– “سكينة؟” سليم قالها بصوت فيه نبرة سخرية خفيفة، وهو بياخد خطوة لجوه الكوخ:

“فاكرة إن حتة حديدة صدية هتمنعني أخدك؟”
​صريتي على أقفالك ورفعتِ السكينة أكتر، وصوتك طلع مليان تحدي وكره:
– “أنا مش هروح معاك في أي حتة يا ظالم! لو فاكر إنك عشان حاكم البلد دي هتقدر تخليني أركعلك زي الباقيين، تبقى غلطان. مو.تي أسهل لي من إن رجلي تطأ قصرك!”
​سليم وقف، حواجب ه اترفت بفضول حقيقي المرة دي. هو متعود إن الناس لما تشوفه بتبكي، بتتوسل، أو على الأقل بتتجمد من الخوف. بس البنت اللي قدامه دي، اللي ملهاش أي ذرة سحر، واقفة بتتحدى ملك العجائب كله وبتقول له “يا ظالم” في وشه!

​– “ظالم؟” سليم كرر الكلمة ببطء، وكأنه بيختبر طعمها في بؤه: “أنا انفذ القوانين اللي بتحمي الأرض دي من الدنس. وأمك كسرت القانون.. وأنتِ نتاج الكسرة دي.”
​– “أمي كانت أنضف منك ومن أرضك كلها!” صرختِ فيه، والدموع حبست في عينيكِ بس رفضتِ تخليها تنزل: “أمي أحبت، والإنسان اللي أحبته خانها، وأنت كملت عليها وعاقبتها على حاجة مالهاش ذنب فيها! خليتها تعيش زي الميتة وأنا اتولدت في الجحيم ده بسبب قسوتك!”
​سليم باصلك لفترة طويلة في صمت. الملامح الثلجية اللي على وشه ما اتغيرتش، بس عينيه البنفسجية لمعت بوميض خفي، كأنه بيشوف حاجة مش متوقعها.

​– “أنا ما جيتش هنا عشان أسمع محاكمة التاريخ,” سليم قال وهو بيمشي خطوة كمان، الهوا حواليه بدأ يتقل، وسحر خفي بدأ يملى الأوضة، كأن الأكسجين بيختفي: “أنتِ اعتديتِ على ملكك. وفي عرف أرض العجايب، العقاب لازم يكون على قد الجرم.”
​– “تعالى خد عقابك لو تقدر!” صرختِ وهجمتِ عليه بالسكينة بكل سرعتك وخفتك اللي اتعلمتيها في الغابة!
​حركتك كانت سريعة جداً بالنسبة للبشر، بس بالنسبة لسليم؟ حركتك كانت شبه هواء خفيف. بلمسة بسيطة من صباعه على معصمك، السكينة طارت من إيدك وخبطت في الحيطة، وفي نفس اللحظة، إيده الثانية كانت مسكت معصمك التاني وثبتتك تماماً.

​حاولتِ تتملصي، ض.ربتِ برجلك، حاولتِ تعضيه حتى، بس قوته كانت غير بشرية، كأنك بتحاولي تحركي جبل جرانيت.
​سليم قرب وشه منك، لحد ما بقيتِ شايفه انعكاس عينيكِ الغاضبة جوه عينيه البنفسجية الحادة. أنفاسه كانت هادية ومستقرة، وقال بصوت واطي جنب أذنك:
​– “شجاعة.. بس الشجاعة من غير قوة مجرد انتحار. وأنا مش هسيبك تمو.تي دلوقتي.. أنتِ لسه عندك حساب طويل معايا في القصر.”
​قبل ما تلحقي تردي أو تصرخي، سليم رفع إيده التانية وحط أطراف صوابعه على جبهتك. موجة دافية وخفيفة من السحر سرت في جسمك، عينيكِ بدأت تتقل، وركبتِ خانتك.

حاولتي تقاومي النعاس، صريتِ على سنانك، بس العالم بدأ يظلم ببطء.. وآخر حاجة شفتيها قبل ما تقعي في الظلام كانت عيون سليم الفارس وهي باصة عليكِ بنظرة غريبة، مش غضب.. بل فضول عميق وخطير.
​لما فتحتِ عينيكِ تاني، ما كنتيش في الكوخ ولا في الغابة.
​كنتِ مستلقية على سرير ضخم مفروش بحرير أسود ونبيتي، جوه أوضة واسعة جداً، حيطانها من الحجر الأسود المصقول اللي بيلمع زي المرايا. الشبابيك كانت عبارة عن أقواس ضخمة مطنزة بالحديد المشغولة، ومن خلالها كنتِ شايفه منظر يقطع النفس: القصر كله مبني على قمة جبل عالي، وتحتك مدينة “أرض العجايب” كلها بسحرها وأبراجها المضيئة.

​أنتِ قعدتِ بسرعة، قلبك بيدق. حطيتِ إيدك على جسمك لتتأكدي إنك سليمة. هدومك كانت هي هي، بس السلسلة الفضية الصغيرة اللي كانت أمك سيبهالك كانت لسه في رقبتك.
​الباب الضخم بتاع الأوضة اتفتح بصوت واطي، ودخلت واحدة من الخادمات، لابس يونيفرم أسود وشكلها من جنس “الجن الأبيض”، عيونها كانت كبار وشفافة. الخادمة حطت صينية عليها أكل وشراب على الطاولة ورفعت عيونها بصلك بخوف واستغراب:
​– “حمد الله على سلامتك.. مولاي سليم أمر إنك تاكلي أول ما تصحي.”
​أنتِ نطتِ من السرير وقفتِ في منتصف الأوضة، صوتك كان حد: “أنا مش عايزة أكل! أين سليم؟

قوليلو يجي يواجهني بدل ما يحبسني في قفص حرير!”
​الخادمة اتخضت وراجعت خطوة لورا، حطت إيدها على بؤها وقالت بتهديد خافت: “وطي صوتك! أنتِ مش عارفة بتتكلمي عن مين! محدش ينادي مولاي باسمه مجرد كدة.. ومحدش بيصرخ في القصر ده!”
​– “أنا أناديه باللي يعجبني!” صرختِ وأنتِ بتمشي ناحية الباب: “أنا مش من رعاياه، ولا بقع تحت قوانينه السخيفة دي!”
​قبل ما تلمسي مقبض الباب، الباب اتفتح لبره ببطء، والدخلة دي خلت الخادمة توطي راسها للأرض وتخرج تجري من الأوضة زي الخيال.
​سليم الفارس كان واقف على العتبة.

المرة دي ما كانش لابس العباية السودة البسيطة بتاعة الصيد. كان لابس الزي الملكي الرسمي؛ قفطان أسود مطرز بذهب خالص، وسيف ذو حدين متعلق على جنبه، وهيبته كانت أضعاف المرة اللي فاتت.
​دخل الأوضة ببطء وقفل الباب وراه، ومشي ناحية الشباك الكبير وهو حاطط إيديه ورا ضهره، باصص على المدينة تحت.
​– “المدينة دي..” سليم بدأ يتكلم بصوت هادي وعميق: “عايشة في سلام بقالها تلات قرون. محدش بيجرؤ يكسر كلمة واحدة من كلماتي. الناس هنا شايفيني إله، أو على الأقل أسطورة متحركة.”
​تلفُت لكِ ببطء، وعينيه جمت عليكِ:

“وبعدين تيجي بنت، ملهاش أي قيمة سحرية، ترمي عليا جردل مية متربة، وتضحك في وشي، وتشتمني في كوخها.. وتقولي إني ظالم.”
​أنتِ قطعتِ المسافة بينك وبينه بجرأة، وقفتِ قدامه مباشرة رغم فرق الطول الشاسع بينكم، رفعتِ رأسك وبصيتِ في عينيه بثبات:
– “عشان دي الحقيقة! أنت فاكر إن القوة والسحر بيخلوك راجل؟ أنت مجرد ديكتاتور محمي بقدراتك، حارمت ناس كتير من حياتهم عشان أرضاء لغرورك وقوانينك الجافة! أمي ماتت وهي بتتمنى المو.ت من شدة الوحدة، وأنا كبرت والناس بتتفل عليا في الشارع بسبب قرار منك أنت كتبته بقلمك!”
​سليم ما غضبش.

بالعكس، ابتسامة خفيفة جداً، تكاد تكون غير مرئية، ظهرت على طرف شفايفه.
​– “أمك خالفت أول وأهم قانون في العالم ده: عدم خلط الدماء مع البشر. البشر كائنات خائنة، ضعيفة، وبتمشي ورا خوفها. والراجل اللي أمك حبته أثبت ده بنفسه لما باعها لأهل قريته أول ما عرف حقيقتها.”
​صوته بقى أشد وأقوى وهو بيميل عليكِ: “أنا ما ظلمتش أمك.. أنا حميتها! العقاب اللي اديتهولها كان الشئ الوحيد اللي منع حراس المملكة إنهم يقطعوا رقبتها في ساعتها! العزل كان الطريقة الوحيدة عشان تفضل عايشة، وعشان أنتِ تتولدي!”
​أنتِ اتسمرتِ في مكانك. الكلام نزل عليكِ زي الصفعة.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى