منوعات

العرش

“إيه؟” همستِ والصوت ضاع في زورك: “أنت.. أنت بتقول إيه؟”
​سليم رجع وقف بطوله ورجع بروده المعتاد: “القانون هنا بيوجب الق.تل الفوري لأي كائن يخالط البشر. أنا غيرت الحكم للعزل. أمك عاشت، وأنتِ كبرتِ. بس طبعاً، العقول الضعيفة بتشوف الظاهر بس.”
​أنتِ هزيتِ راسك برفض، مش قادرة تصدقي، مش عايزة تصدقي إن الراجل اللي كرهتيه طول حياتك ممكن يكون هو السبب في إنك عايشة أساساً!
– “لا.. أنت بتكذب! أنت بتحاول تجمل نفسك قدامي! لو كنت عايز تحميها، ليه سبتنا نعيش في المنبوذين؟ ليه خليت الناس تعاملني كأني مسخ؟”
​– “عشان ده الثمن,” سليم قالها بقسوة قاطعة:

“في العالم ده، محدش بياخد حاجة ببلاش. هي اختارت البشري، والثمن كان العزل. وأنتِ اتولدتِ في العالم ده، والثمن كان إنك تتحملي نتاج اختيار أمك.”
​مشي خطوتين ناحية الطاولة ومسك كاس مية، بص لكِ من فوق الكاس وقال:
– “دلوقتي.. نرجع لموضوعنا الأساسي. أنتِ هاجمتِ الملك، والتعامل معاكي لازم يكون حرص. أنا قدامي خيارين:”
​رفع صباعه الأولاني: “الأول: إن أطبق عليكِ القانون القديم، وأرميكي في سجون الجبل الأسود لREST حياتك.”
​رفع صباعه التاني، وعينيه البنفسجية لمعت بخبث وغموض: “أو الثاني.. إنك تفضلي هنا، في القصر ده، خادمة شخصية ليا. تطيعي أوامري، وتتحملي غروري، وفي مقابل ده..

أعلن قدام الشعب كله إن ‘الهجينة’ تحت حماية سليم الفارس مباشرة، ومحدش في الأرض دي كلها يقدر يلمس شعرة منك أو يرمي عليكِ كلمة تاني.”
​أنتِ حستِ بالترابيزة بتلف بيكي. العرض كان صدمة.
من بائسة منبوذة في أطراف الغابة، لخادمة شخصية لأعتى رجل في العالم، وتحت حمايته المباشرة!
​– “وليه تعمل كدة؟” سألتيه بشك، عينيكِ مفيهاش أي ثقة: “واحدة زيك، بتكره الضعفاء الهجينين، ليه يقبل واحدة زيي في قصره؟”
​سليم حط الكاس على الطاولة، وقرب منك ببطء لحد ما بقى بينك وبينه سنتيمترات معدودة. خفض صوته لنبرة دافية ومرعبة في نفس الوقت:

​– “عشان بقالي تلات قرون.. محدش أتجشأ يبص في عيني بجرأة. محدش ضحك في وشي، ومحدش تجرأ يرمي عليا مية ويتحداني زي ما عملتِ. أنتِ مش مجرد هجينة.. أنتِ الشئ الوحيد الحقيقي والغير متوقع اللي دخل حياتي من ميات السنين.”
​سكت شوية، وساب الكلام يدخل جوه عقلك، وبعدين أضاف ببرود:
– “عندك لحد بكرة الصبح. إما السجن الأسود.. أو تفضلي هنا وتكوني ظلي. اختاري يا.. سما.”
​أنتِ اتسمرتِ. عينيكِ اتوسعت بالكامل.
هو قال اسمك!
طول عمر الناس بينادوكي “الهجينة”، محدش في الأرض دي كلها كان يعرف اسمك الحقيقي غير أمك المتوفية!

​هو جاب الاسم ده منين؟ هل كان بياخد باله منك من زمان؟ هل كان بيراقبك وأنتِ مش عارفة؟ ولا السحر بتاعه ينفذ لأعماق أسرارك؟
​سليم الفارس ماستناش منك إجابة. تلفُت ومشي ببطء ناحية الباب، وقبل ما يخرج، وقف وقالة من غير ما يلتفت:
​– “وفكري كويس.. لأن القرار اللي هتتخذيه بكرة، مش هيغير حياتك أنتِ بس.. ده هيغير مستقبـل ‘أرض العجايب’ كلها.”
​خرج وقفل الباب الضخم وراه، وسابك واقفة في منتصف الأوضة الواسعة، عقلك بيلف، أفكارك متضاربة بين الكره والدهشة، بين الهروب والاستسلام، والسؤال الأكبر اللي بيحرق صدرك:
​إيه السر اللي سليم الفارس مخبيه؟

وليه حاكم الأرض دي مهتم بالذات ببنت هجينة مالهاش أي قيمة سحرية؟فَضَلتِ واقفة مكانك زي الصنم، عينيكِ متثبتة على الباب المقفول، والاسم لسه بيرن في ودنك زي الصدى: “سما”.
​الكلمة كانت تقيلة، أتقل من سلاسل الحديد. طول عمرك بالنسبة للناس مجرد “الهجينة”، نكرة مالهاش اسم ولا كيان، مجرد غلطة تمشي على رجلين. أُمك بس هي اللي كانت بتنادي عليكِ بالاسم ده وهي بتطبطب على شعرك قبل ما تناموا في البرد. سليم الفارس عرفه منين؟ هل كان باصص عليكِ من فووق عرشه طوال السنين دي وانتِ بتعاني؟

ولا أنتِ بالنسبة له مجرد حجر شطرنج جديد قرر يلعب بيه عشان يكسر ملل تلات قرون من الحكم؟
​مشيتِ بخطوات بطيئة ناحية الشباك القوس الضخم. الهواء البارد بتاع القمة خبط في وشك، وتحتك كانت أرض العجايب متلألئة بأنوار سحرية تُبهر العين، بيوت القش والحجر المصقول، الأبراج العالية اللي بتشع نور بنفسجي وأزرق، والناس اللي عايشة تحت فاكرين إن حياتهم أمان لمجرد إن الراجل ده قاعد فوق الجبل بيحميهم.
​مسكتِ السلسلة الفضية اللي في رقبتك وضغطتِ عليها بجامد، لحد ما حرفها جرح كفك.
​”سجن الجبل الأسود..

ولا أكون خدامة للراجل اللي دمر حياة أمي؟”
​السجن معناه المو.ت البطيء في الضلمة، معناه إنك تستسلمي للقدر اللي هم كتبوه عليكِ من يوم ما اتولدتي. بس القصر؟ القصر معناه إنك هتكوني في قلب الجحر، مع الأفعى نفسها. لو فضلتِ هنا، هتكوني قريبة منه، تتنفسي هواه، تعرفي نقط ضعفه، وربما.. ربما يجي اليوم اللي تاخدي فيه حق أُمك وحقك منه!
​الليل عدى أطول من الدهر. ما عرفتيش تغمضي عينك لحظة. كنتِ بتقلبي في الأوضة زي النمر المحبوس في قفص، لحد ما شعاع الشمس الأولاني بدأ يكسر ضلمة السماء ويصب لون دهبي على قمم الجبال.

​الباب اتفتح ببطء، المرة دي مش الخادمة اللي دخلت.. سليم الفارس بنفسه كان واقف على العتبة.
​كان لابس قميص أسود بسيط وبنطلون جلد، شعره الأسود الطويل متساب على ضهره ولسه فيه بلل خفيف كأنه لسه طالع من المية. عينيه البنفسجية اتلاقت مع عينيكِ، وكان فيها صبر قاتل، كأنه عارف الإجابة من قبل ما تنطقيها.
​دخل خطوتين وقال بنبرة هادية خالية من أي انفعال:
– “الشمس طلعت يا سما.. القرار إيه؟”
​أنتِ خدتِ نفس عميق، رفعتِ دقنك لفوق، وبصيتِ في عينيه بنفس النظرة التحدي اللي رمتِ بيها جردل المية في الغابة:

– “مش هروح السجن.”
​سليم حواجبة اترفت خفيف، وشفايفه اترسمت عليها نفس الابتسامة المظلمة الساخرة:
– “يعني اخترتِ تكوني ظلي؟”
​– “اخترت أكون هنا,” رديتِ بقوة وصوتك ما ارتعش): “بس ما تفكرش إني أقبل أكون خدامة تنحني لك. أنا هفضل في القصر ده.. بس بشروطي!”
​الحراس اللي كانوا واقفين ورا الباب بره اتجمدوا في مكانهم، وأحدهم بلع ريقه برعب. مفيش مخموق على وجه الأرض بيتشرط على “سليم الفارس”!
​سليم قرب منك ببطء، خطوة.. اتنين.. لحد ما بقى واقف قدامك مباشرة، وهيبته كانت بتضغط على الهواء حواليكم، بس أنتِ ما رجعتيش خطوة واحدة لورا.

نزل براسه شوية وصوته بقى واطي زي الهمس:
– “بشروطك؟ بنت هجينة معندهاش ذرة سحر واحدة.. جاية تتشرط على ملك العجايب؟”
​– “البنت الهجينة دي هي الوحيدة اللي تقدر تبص في عينك وتقولك إنك مجرد حاكم متكبر!” رديتِ بجرأة والشرار بيطلع من عينيكِ: “شرطي الأول: محدش في القصر ده يعاملني زي الخدامة، ومحدش يجرؤ يناديني بـ ‘الهجينة’ تاني. أنا اسمي سما. والشرط التاني: حريتي في الحركة جوه القصر والغابة تفضل قائمة، مش هكون مسجونة في أوضة!”
​سليم بصلك لفترة طويلة جداً. السكوت في الأوضة كان يقطع بالسكين.

الحراس بره كانوا مستنيين الأوامر بإعد.امك فوري أو رميك من أعلى الجبل. بس سليم عمل حاجة خلت عقلك أنتِ شخصياً يقف!
​ضحك!
​ضحكة قصيرة، عميقة، طالعة من صدره، صوتها يرن في الأوضة زي صدى الحديد. كانت ضحكة راجل أخيرًا لقى حاجة تكسر الملل اللي عايش فيه من قرون.
​– “موافق,” سليم قالها وهو بيبص لك بنظرة حادة زي السيف: “بس في مقابل شروطك دي.. هيبقى عندك مهمة واحدة بس في القصر ده.”
​أنتِ ضيقتِ عينيكِ بشك:

“مهمة إيه؟”
​سليم مال على أذنك، وأنفاسه الدافية خبطت في رقبتك، وصوته نزل لنبرة مرعبة جعلت قشعريرة تسري في جسمك كله:
– “هتكوني معاي في كل مجلس، وكل محاكمة، وكل اجتماع مع رؤساء العائلات السحرية. تقفي ورا عرشي، وتشوفيهم وهم بيبصولك بقرف ومش قادرين يلمسوا شعرة منك لأنك تحت حمايتي.. هتكوني التذكير الحي ليهم كلهم إن كلمتي أنا بس هي اللي تمشي في الأرض دي، ومش قوانينهم العقيمة!”
​عينيكِ اتوسعت بالكامل. أنتِ مش هتبقي مجرد خدامة.. سليم عايز يستخدمك كـ “إهانة متحركة” لرؤساء العائلات السحرية اللي بيأمنوا بنقاء الدم!

عايز يحط البنت الهجينة المنبوذة فوق رؤوسهم كلهم عشان يكسر كبريائهم!
​سليم رجع وقف بانتصاب وبص لك بثبات: “هتبدئي من النهاردة. قاعة العرش فيها اجتماع مهم مع مجلس العائلات الخمسة بعد ساعة.. استعدي يا سما، عشان اللعبة اللي أنتِ دخلتيها دي.. مفيهاش خروج!”
​تلفُت ومشي ناحية الباب، وقبل ما يخرج، بص للخادمة اللي كانت واقفة مرعوبة بره وقال بصرامة:
– “جهزي لها لبس يليق بمكانتها الجديدة.. بصفاتها مرافقة الملك الشخصية.”
​الباب اتفعل وانقفل بحدة، وسابك واقفة في نص الأوضة، قلبك بيدق في صدرك زي الطبول.

أنتِ بقيتِ رسمياً جوه عرين الأسد، وفي وسط لعبة سياسية سحرية قذرة أكبر منك بكثير.
​بس وأنتِ بتبصي في المراية الكبيرة اللي في الأوضة، وشفتِ انعكاس عينيكِ الغاضبة واللبس الملكي اللي الخادمة جايباه، ابتسامة صغيرة اترسمت على شفايفك.
​”فاكر إنك بتستخدمني عشان تكسرهم يا سليم؟” همستِ لنفسك وأنتِ بتمسكي السلسلة الفضية: “ما تعرفش إنك بفتحك للباب ده.. اديتني المفتاح اللي ههد بيه عرشك كله!”
​ولما الساعة عدت، وفتحتِ أبواب قاعة العرش الضخمة، ودخلتِ ورا سليم الفارس.. المئات من العيون السحرية المتكبرة اتجهت ليكي بصدمة ورعب، والهمسات ارتفعت في القاعة زي الفحيح.

​بس اللي ما كانش حد يعرفه، ولا حتى سليم الفارس بنفسه.. إن الدم البشري اللي في عروقك، واللي الكل فاكره “ضعف”، كان مخبي جواه سر سحري قديم، سر لو اتكشف.. هيقلب موازين القوة في أرض العجايب كلها للابد!مشيتِ ورا سليم الفارس بخطوات ثابته، رأسك مرفوعة وعينيكِ بتبرق بتحدي. القاعة الضخمة كانت مرصعة بالرخام الأسود والذهب، وعلى الجانبين كان واقف رؤساء العائلات السحرية الخمسة بكبرياء وولاء أعمى، يحيط بيهم الهالة السحرية التقيلة بتاعتهم.
​أول ما رجلك عتت القاعة ووقفتِ على المنصة العالية جنب عرش سليم مباشرةً، الصمت القاتل نزل على المكان. العيون كلها اتسعت بصدمة وقرف، والهمسات ارتفعت زي فحيح الأفاعي:

“دي الهجينة!”
“المسخ دي بتعمل إيه جنب عرش الملك؟”

انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى