— الست فريدة سابت ورث.. وصية، شقة كبيرة في الزمالك، وحسابات في البنوك، وأسهم في شركات.. كل ده مشروط بـتـحـلـيـل الـبـصـمـة الـوراثـيـة. والدك دفع الفلوس وعمل التحليل بسرعة لأن في حد حاول يقدم تنازل رسمي عن الإرث ده باسمك وممضي عليه! — أنا ما مضيتش على حاجة! — إحنا عارفين. المحامي وراني الورقة.. إمضتي كانت مكتوبة هناك، بس تزوير غبي وواضح. وتحت الإمضاء كان مكتوب اسم “نهى” كشاهد أول! حسيت بـقـرف يـقـطّـع الـمـصـاريـن.
— الست دي مدسوسة عليا بقالها قد إيه؟ المحامي ضغط على شفايفه وقال: — سنتين على الأقل.. الجوابات كانت بتيجي على عنوان بيتك، وهي اللي كانت بتستلم وتمضي. وفي تحويلات حصلت من حساب التركة لحساب شخصي باسم “نهى السعدني”. مراتي مش بس كانت عارفة.. مراتي كانت بـتـقـبـض! افتكرت ضوافرها اللي بتعملها كل أسبوع، وسفرياتها مع أصحابها للجونة والساحل، والعفش الغالي اللي كانت بـتـشـتـريـه وتقولي “ده عليه عرض يا حسن”، واصرارها إن كل مليم في البيت لازم يتناقش.. افتكرت كل مرة كنت بـعـوز أساعد فيها أبويا، وهي تقولي “أبوك بيستغلك وبياخد شقاك”.
ما كانش خوف عليا.. ده كان غل.. وخوف من إن الحقيقة تتكشف! في اللحظة دي باب العمليات اتفتح. الدكتور طلع ووشه تعبان بس ابتسم: — أستاذ حسن.. والدك الحمد لله حالته استقرت. العملية كانت دقيقة وصعبة بس قلبه طلع عفي واستحمل. هنا بقى عيطت.. مش عشان عيلة الألفي.. ولا عشان الملايين. عيطت عشان طلعت لسه غني.. لسه عندي أب. دخلت أشوفه أول ما سمحوا لي. كان وشه شاحب، ومتوصل بخراطيم، بس أول ما مسكت إيده فتح عينه بالراحة:
— يا حسن.. يا ابني.. وطيت عليه وبست إيده: — يا با.. يا غالي. غمض عينه جامد، ونزلت دموعة على خده: — سامحني يا ابني.. — ما تقولش كدة تاني يا با.. أنت اللي عملتني راجل، أنت اللي حميتني من الشارع.. الدكتورة والتحاليل يقولوا اللي يقولوه، أبويا هو أنت، ومفيش غيرك. حاول يبتسم بتعب وقال بصوت مخنوق: — مراتك.. عارفة كل حاجة ومخبيـة. — عرفت يا با.. وكل حاجة هترجع لأصلها.
مسك إيدي بقوته الضعيفة وقال: — ما تروحش البيت لوحدك يا حسن. بس أنا دمي كان بـيـغـلـي. وأنا خارج في الطرقة، لقيت نهى داخلة ومعاها أمها، حماتي “الحاجة كريمة”. نهى كانت حاطة نظارة شمس كبيرة على وشها وشايلة شنطة براند، ووشها مقلوب من الضيق مش من الخوف. وأمها كانت ماسكة سبحة في إيدها وكأن ربنا شغال عندها! — إيه.. الراجل العجوز ده قالك بقيت مسرحيته؟ — نهى قالتها بـتـريـقـة وقرف.
المحامي لف لها بالراحة وقال: — يا مدام.. يفضل تحطي لسانك في بقك وتـسـكـتـي خالص. هي ضحكت باستهزاء: — ومين ده اللي بـيـهـدّدنـي كمان؟ بصيت لها كأني شايف واحدة شحاتة من الشارع: — كنتِ عارفة إني مش ابنه الحقيقي.. وصح؟ ما نكرتش.. سكوتها في اللحظة دي كان هو حبل المشنقة اللي لفّته حوالين رقبتها. — حسن.. أنا كنت بحميك.. — بتحميني من إيه؟ من الحقيقة ولا من الفلوس اللي كنتِ بـتـلـهـفـيـهـا من ورايا؟
حماتي كريمة دخلت في الكلام: — جرى إيه يا حسن؟ ما تبقاش قليل الأصل.. العيلة دي رمتك في الشارع وإحنا اللي لميناك وسندناك! المحامي طلع ورقة تانية من الشنطة: — لأ يا حاجة.. حسن ما اترمىش.. حسن اتسرق وخطفوه من المستشفى.. وعشان كدة بالظبط إحنا محتاجين نتكلم معاكِ أنتِ بالذات يا ست كريمة! حماتي ثبتت مكانها والسبحة وقفت في إيدها. أنا بصيت للمحامي بذهول: — هي مالها ومال الحكاية؟ المحامي وطى صوته وقال:
— لأن الست كريمة السعدني، كانت شـغّـالـة ممرضة مساعدة في نفس المستشفى الاستثماري وفي نفس الليلة اللي أنت اتولدت فيها! وش نهى قلب أبيض زي الأموات. وحماتي قفشت في السبحة وقالت بـتـهـتـهـة: — ده.. ده كلام من تلاتين سنة.. أنا مش فاكرة حاجة وافترا على الناس! كانت بـتـكـدب.. وعينها اللي رايحة جاية فـضـحـتـهـا. المحامي طلع صورة قديمة بالأسود والأبيض.. كانت كريمة وهي شابة، بلبس الممرضات الأبيض الواقفة جنب حضّانة الأطفال، وضهر الصورة عليه ختم المستشفى القديم.
— الست فريدة الألفي سابت لستة بالناس اللي دخلوا عليها الأوضة يوم الولادة.. واسمك مكتوب في المحضر القديم اللي اتقفل زمان بالرشاوى! الطرقة بتاعة المستشفى بقت زي القبر.. مفيش فيها نفس. نهى همست برعب: — ماما.. الكلام ده بجد؟ حماتي سكتتها ببرطمة ونظرة حادة. في اللحظة دي فهمت.. الكدبة والوساخة ما بدأتش من يوم جوازي.. دي بدأت من يوم ما اتولدت! رجعت البيت ومعايا المحامي واتنين أمناء شرطة من قسم السيدة زينب بعتهم رئيس المباحث بناءً على البلاغ. نهى ما رضيتش تيجي معانا، وقالت إنها رايحة مع أمها. وأنا ما بقاش يفرق معايا وجودها من عدمه.
دخلت الشقة.. المطبخ كان زي ما هو. كوباية النسكافيه بتاعة نهى على الرخامة. الكرسي اللي أبويا وقف جنبه وهو مكسور وذليل. والخزنة اللي في المكتب. فتحت الخزنة.. ما كنتش بدور على فلوس، كنت بدور على إجابات. لقيت عقود الشقة، ووصولات، ولقيت دوسيه غريب مش بتاعي.. مكتوب عليه اسم نهى. جوة الدوسيه كان فيه كشوف حسابات بنكية، وصور من جوابات عيلة الألفي، وبوليصة تأمين على الحياة باسمي أنا.. والمستفيد الأول والوحيد: نهى السعدني!
وتاريخ البوليصة دي؟ بعد شهر واحد من استلامها لأول جواب من عيلة الألفي! المحامي ما نطقش.. المكتوب كان كفاية. ولقينا كمان طلب لـتـغـيـيـر نظام الجواز من “انفصال أموال” لـ “شركة وتضامن” بإمضاء مزور برضه باسمي، عشان لما الورث يظهر تاخد نص الشقة ونص كل حاجة! شقتي.. اللي طفحت فيها الدم، واللي أبويا اداني مقدمها لما باع حتة الأرض اللي ورثها عن جدي في المحلة! — كانت بتقول “بيتنا”.. — همست بقرف.
المحامي طلع شهادة من الشهر العقاري: — الشقة قانوناً باسمك لوحدك يا فندم، ومحاولاتها للعب في العقود ما مشيتش لأنها ما اتوثقتش من محامي رسمي.. بس هي حاولت ترهن الشقة كمان! يتبع….


