أبويا جالي البيت علشان يستلف مني خمسين ألف جنيه، ومراتي هانته في المطبخ وقالت له: “يروح يشتغل.. إحنا مش بنك تسليف!”.. أنا فتحت الخزنة وأديته الفلوس من غير ما أنطق بكلمة.. وما كنتش أعرف إن الفلوس دي هتكشف كدبة عشنا فيها سنين وسنين. بقلم منــال عــلي أبويا كان واقف جنب الترابيزة، حاطط إيده في إيد بعض، كأنه بيعتذر للدنيا إنه لسه بيتنفس. عمري في حياتي ما شفته بالمنظر ده.. هو.. اللي طفح الدم تلاتين سنة شيل أسمنت ورملة تحت شمس المحاجر الحارقة.بقلم منــال عــلي
هو.. اللي كان يرجع من الشغل ضهره مكسور وهدومه غرقانة عرق، ومع ذلك يقعد جنبي يذاكر لي ويشرح لي الواجب. هو.. اللي باع المكنة اللي حيلته وشقا عمره عشان يدفع لي مصاريف الكلية، وعمره ما مَنّ عليا ولا قالي “أنا عملتلك”. دلوقتي.. كان واقف عينه في الأرض، مش قادر يبص في عيني.. وبصوت واطي زي الهمس قال: بقلم منــال عــلي — الفلوس دي مش ليا يا حسن.. دي حاجة ضرورية وسريعة.. طلقة لابد منها.
مراتي حتى ما كلفتش نفسها تبص له وهي واقفة قدام رخامة المطبخ بتقطع الخضار، وقالت ببرود يقص العمر: — وهي من إمتى الحاجات ما كانتش ضرورية وسريعة؟ ما تخلصش يعني! بقلم منــال عــلي حسيت بـصـدرى بيتقفل، ونغزة في قلبي كأنها سِـكّـ..يـنـة. خمسين ألف جنيه.. بالنسبة لنا ما كانتش هتهد البيت ولا هتفقرنا. لكن بالنسبة لأبويا.. كانت معناه إنه يبلع كرامته ويبوس إيدينا عشان يطلبهم. بصيت له وقولت بـصـوت مخنوق: بقلم منــال عــلي
— يا با.. تعال معايا البلكونة نِـشْـرب كوباية شاي في الهوا. طلعنا البلكونة، والجو كان كاتم ومخلوق. كان بيمسح إيده الـخـشـنـة في بنطلونه بـتـوتّـر، وكأنه هو العيل الصغير وأنا الراجل الكبير اللي بيحاسبه. — يا ابني أنا ما كنتش عاوز أعمل لك مشاكل مع مراتك.. لو مش جاهزين أو صعبة عليك، أنا مقدر ومسامح يا حسن. صعبة؟ بقلم منــال عــلي تسهل وتفوت يا با.. تفوت وتقل لجل خاطرك. أنا أقدر طبعاً أطلعهم في ثانية.
لكن كنت عارف الخناقة اللي مستنياني جوة.. في جوازتنا دي، كل مليم لازم “يتناقش” وناخد فيه موافقة، أو ده اللي كانت مراتي بتقوله كل ما تلاقي قرار مش على هواها. بصيت لـمـلامـح وشه التعبانة، وافتكرت لقطة قطعت شـرايـيـن قلبي من جوة.. بقلم منــال عــلي لما كنت في ابتدائي، وكنت محتاج جزمة جديدة عشان المدارس، أبويا وقتها قال إنه مش هيروح فرح ابن عمه عشان “مش غاوي هيصة ووجع دماغ”.. وبعد سنين طويلة عرفت الحقيقة؛ أبويا باع بدلته الوحيدة اللي كان بيحضر بيها المناسبات عشان يشتري لي الجزمة دي.بقلم منــال عــلي
عمره ما قالي.. عمره ما طالبني بتمنها.. كان دايماً يسند من غير ما يتكلم. وقفت وقولت له بثقة: بقلم منــال عــلي — هـيـكـونـوا عندك حالا يا با.. عيب عليك ده أنت أبويا. عينه لمعت بـالـدمـوع.. ما كانتش دموع فرحة، كانت دموع “ستر” وراحة بعد شيل الهم. دخلت الأوضة، فتحت الخزنة وطلعت الرزمة. مراتي وقفت قدامي وعينها بتطلع شرار: بقلم منــال عــلي — يعني هتعمل اللي في دماغك وتديله برضه؟ — أيون.. هعمله.
— تمام.. بس ما تجيش تشتكي بعد كدة لما يرجع يطلب تاني وتالت. ما ردتش عليها بكلمة. بقلم منــال عــلي طلعت برة وأديت الفلوس لأبويا عند باب الشقة. مسك الرزمة بإيد بتترعش وقال بصوت حنين: بقلم منــال عــلي — هـرجّـعـهـم لك يا حسن.. قريب قوي أول ما ربنا يسهل. — ما تقولش كدة يا با.. فلوسك وخيرك مغرقنا. ما حضنيش.. يمكن خاف يطول الوقفة عشان ما يكبرش المشكلة بيني وبين مراتي.
أول ما قفلت الباب، المطبخ انفجر في وشي: بقلم منــال عــلي — أنت إزاي تاخد قرار مالي زي ده من غير ما ترجع لي؟ إحنا مش متفقين؟بقلم منــال عــلي — ده أبويا يا نهى! أبويا! — ودي بيتنا وحياتنا ومستقبل عيالنا! بيتنا.. الكلمة نزلت في ودني غريبة ومجرحة. البيت ده اشتريناه بقرشين من شقايا وقرشين من شقاها.. صح. لكن السبب اللي خلاني أتعلم، وأشتغل، وأكبر، وأعرف أشتري الشقة دي.. هو الراجل اللي لسه نازل على السلم دلوقتي وضهره محني من الشقا.
ليللتها ما تكلمناش.. هي نامت مدياني ضهرها.. بقلم منــال عــلي وأنا فضلت صاحي باصص للسقف، وفي بطني نار قايدة وإحساس بالذنب والوساخة مش عارف أهرب منه. بعد تلات أيام.. وأنا في الشغل، تليفوني رن برقم غريب. — أيوة.. مع حضرتك حسن رسلان؟ — أيوة أنا.. مين معايا؟ — أنا الممرضة هدى من مستشفى القصر العيني.. والد حضرتك ساب الرقم ده كحالة طوارئ قبل ما يدخل العمليات. وقفت على حيلي وقلبي سقط في رجلي: بقلم منــال عــلي
— عمليات؟ عمليات إيه؟ جراله إيه؟! الممرضة سكتت ثانية، وبعدين قالت بصوت هادي ومتردد: — يا أستاذ حسن.. والدك ما كانش واخد الخمسين ألف جنيه عشان ديون ولا جمعية.. والدك دفع الفلوس دي عشان يعمل تحليل DNA (بصمة وراثية) مستعجل.. والنتيجة طلعت من ساعات.. مسكت التليفون بكل قوتي كأني هكسره وسألت بذهول: — تحليل DNA إيه؟ وبابا ماله ومال الكلام ده؟! صوت الممرضة كان فيه حزن وكسرة وهي بتقول:
— والدك كان شاكك في حاجة من سنين وعاوز يتأكد قبل ما يعمل العملية الكبيرة دي.. والتحليل أثبت إن الراجل اللي أنت عشت تلاتين سنة تقوله “يا بابا”.. مش أبوك البيولوجي.. هو لقاك ملفوف في كرتونة ومرمي جنب جامع في السيدة زينب وأنت عمرك أيام.. ورباك وكتبك باسمه وعاش يطفح التراب عشان يكبرك.. وهو دلوقتي طالب يشوفك قبل ما يدخل أوضة العمليات برة مستشفى القصر العيني، في زحمة قصر العيني والمنيل..
أنا ما فهمتش. أو يمكن فهمت، بس عقلي كان رافض يجمع الكلام ورا بعضه. — يعني إيه مش أبويا الحقيقي؟ — سألت، وحلقي ناشف كأن بقالي أيام ما شربتش مية. الممرضة اتنهدت براحة وقالت: — يا أستاذ حسن، والدك جوة في العمليات. قبل ما يدخل طلب مننا إنك تستلم ملف معين، وطلب كمان وبشدة إن مراتك ما تدخلش عليه ولا تشوفه إلا لما تقابل المحامي بتاعه. الجملة الأخيرة دي خلت جسمي كله يتنفض:
— مراتي؟ وهي مراتي مالها ومال الحكاية دي كلها؟! الممرضة ما ردتش. سوقت عربيتي لحد المستشفى ومن كتر الصدمة ما كنتش شايف الإشارات ولا فاكر أنا مشيت إزاي. عديت على شوارع وطرقات عشت فيها من صغري، على محلات كشري وعربيات فول، ناس راجعة من شغلها، الدنيا في القاهرة كانت ماشية طبيعي وحية.. في نفس اللحظة اللي حياتي أنا كانت بتتفرفـت حتت. أول ما وصلت، ريحة الكلور، وريحة قهوة المكن، وريحة الخوف ضربت في وشي.
أبويا كان لسه جوة في العمليات. في صالة الانتظار، كان في راجل لابس بدلة بني شيك، وحاطط شنطة جلد على رجله. أول ما شافني قام وقف: — أستاذ حسن رسلان؟ — أيوة أنا. — أنا الأستاذ مصطفى الشافعي، محامي عيلة “الألفي”. الاسم ده ما كانش غريب عليا، ده اسم عيلة من عائلات زمان.. عيلة عندها قصور وعمارات في وسط البلد ومصر الجديدة، عيلة ريحتها فلوس قديمة. مد إيده وإداني ملف:
— الحاج.. والدك اللي رباك، طلب إن الحاجات دي ما تقعش إلا في إيدك أنت بس. كنت هضربه من عصبيتي: — ما تقولش اللي رباك.. قولي أبويا! المحامي طأطأ راسه في الأرض وقال باحترام: — عندك حق.. والدك. فتحت الملف وإيدي بـتـتـرعـش. كان في صورة قديمة.. أبويا وهو لسه شاب صغير، رفيع، ولابس خوذة وبنطلون الشغل، وشايل بيبي صغير ملفوف في بطانية كحلي. البيبي ده كان أنا. وفي الخلفية كان باين سور قديم، وعربية إسعاف، ويافطة ممسوحة لـمـسـتـشـفـى.
وبعدين.. كان في جواب مكتوب بخط إيده الناشف، نفس الخط اللي كان بيمضي بيه على وصولات استلام الرملة والأسمنت في الشغل. ”يا ابني.. سامحني. عمري ما عرفت أقولك إزاي إنك مش حتة من دمي. أنا لقيتك في فجر يوم أسود، بعد وردية شغل مهدودة، كنت بـتـعـيّـط جوة شنطة قماش مرمية جنب سور جامع في السيدة زينب. أخدتك وطلعت بيك على القسم، وبعدها على الشؤون الاجتماعية.. محدش سأل عليك ولا حد دور. بعد شهور وعذاب في الأوراق والمحاكم، وافقوا إني أربيك، وبعدها وافقوا يكتبوك باسمي وأبقى أبوك. أنا ما سرقتكش يا حسن.. أنا لمتك من الدنيا لما الدنيا رمتك في الشارع.”
رجلي ما شيلتنيش وقعدت على الأرض. المحامي سندني من كتافي. أنا عيني ما كانتش شايفه غير جملة واحدة: “أنا ما سرقتكش.” أبويا عاش تلاتين سنة خايف إن حد يفتكره حرامي، في حين إنه كان البني آدم الوحيد اللي نجاني من الموت! كملت قراية والدموع مغرقة عيني:
“من سنتين.. نهى (مراتك) جات لي ورشتي. قالت لي إنها عرفت كل حاجة، وفرجتني على تحليل DNA وجواب من ست غنية وواصلة بتسأل عنك. هددتني.. قالت لي لو اتكلمت أو نطقت بحرف، هحبسك وهبلغ إنك سرقت الواد من زمان. أنا كنت عاوز أجمع قرشين عشان أعمل تحليل رسمي وقانوني، مع محامي وموثق عشان أرجع لك حقك من غير ما تتبهدل.. عشان كدة طلبت منك الخمسين ألف جنيه.. ما كانتش ليا يا حسن، كانت عشان أرجع لك أصلك وفصلك.”
حسيت إن المستشفى بتلف بيا. نهى! مراتي! الست اللي هانت أبويا في المطبخ وقدامي، كانت عارفة ومخبية إن الراجل ده مش أبويا الحقيقي.. ومع ذلك عاملته كأنه شحات بـيـتـسـوّل منها! لأ، والألعن من كدة، إنها كانت بتستغله وبتلوي دراعه عشان تخبي الحقيقة! — عيلة مين دي يا أستاذ؟ — سألت وصوتي طالع بالعافية. المحامي فتح جزء تاني من الملف: — عيلة الألفي.. كان عندهم مصانع نسيج وأراضي في القليوبية والجيزة. والدتك الحقيقية كان اسمها “فريدة الألفي”. أنت اتولدت في مستشفى استثماري خاص من تلاتين سنة.. ووقتها قالوا لها إن الطفل نزل ميت.
حطيت إيدي على قلبي: — هي عايشة؟ المحامي هز راسه بالنفي: — للاسف توفت من ست شهور.. بس عمرها ما بطلت تدوّر عليك. ما عيطتش.. مش وقت عياط.. الوجع كان أكبر بكتير من إنه يطلع في دموع. المحامي كمل:

