منوعات

علي باب الخيا.نه

وقفت ندى مكانها في المدخل، الشنطة اتزحلقت من إيدها ووقعت على الأرض بصوت مكتوم، وعينيها رايحة جاية بيني وبين سيف. اللحظة اتجمدت بشكل يرعب، كان الهواء في الصالة بيمر ببطء شديد، ورائحة الفزع طغت على كل حاجة. سيف مشيلش إيده من على وسطي غير بعد ثانية كاملة، بس مكانش فيه أي مظاهر ارتباك على وش، بالعكس، سحب إيده بهدوء شديد ووقف بطوله المعهود، وعدل لياقة قميصه الأسود وهو بيبص لندى ببرود يحرق الأعصاب، وكأن اللي حصل ده مجرد شيء عادي بيحصل كل يوم.

أنا اللي كنت حسة إن قلبي هينط من صدري، وجسمي كله بيترعش، مش عارفة أثبت رجلي على الأرض ولا عارفة أجمع جملة مفيدة أدافع بيها عن نفسي.
​”فيه إيه يا ندى؟ مالك واقفة كدة ليه؟” سيف قالها بصوت هادي وعميق، صوت مافيهوش حتى نبرة توتر واحدة. “أختك كانت هتتقلب على وشها في حرف السجادة وأنا لحقتها قبل ما دماغها تتخبط في رخام الترابيزة. فيه حاجة تانية شايفاها مش طبيعية؟”
​ندى قربت خطوات، كعب جزمتها بيخبط على السيراميك بانتظام خنقني زيادة، عينيها كانت مليانة شك وحيرة، وبصتلي أنا بالذات. “أختي؟

بس أنتو الكلية بينكم كانت قريبة زيادة عن اللزوم يا سيف.. أنا شفتكم بالظبط قبل ما تلمسوا بعض.”
​بلعت ريقي بالعافية وحاولت أصلب طولي وأنا برجع خطوة لورا، بعيد عن مجال سيف تماماً. “والله يا ندى زي ما سيف قالك.. أنا اتكعبلت فجأة وهو كان واقف قبالي فلحقني.. الموضوع كله جه في ثانية واحدة والله.”
​سيف بصلها بنظرة حادة، من النظرات اللي بتخلي أي حد قدامه يسكت فوراً وميفكرش يناقش. “أنا مش هقف أدافع عن نفسي عشان أنتي جاية دماغك مليانة خيالات يا ندى.

لو شايفة إن فيه حاجة غلط، تبقى المشكلة في طريقة تفكيرك مش فينا.” قال كلامه وسابنا ومشى بمنتقى الهدوء، كأنه بيأكد سلطته في المكان، وطلع السلم متوجهاً لأوضته فوق.
​فضلت أنا وندى واقفين. هي بصتلي بنظرة طالت أوي، نظرة مش بس شك، دي كانت نظرة وجع واستغراب من أختها الصغيرة اللي فتحتلها بيتها. “أنتي كويسة؟” سألتني بنبرة ناشفة خالية من أي مشاعر.
​”اه.. كويسة.. شكراً يا ندى،” ردت بصوت واطي وأنا حاسة بوشي بيولع نار. مشيت وسيبتها وطلعت على أوضتي، قفلت الباب وعشقت المفتاح في اللسان زي ما سيف كان بيوصيني دايماً.

رميت نفسي على السرير وقلبي لسه بيلف في ساقية. أفكاري كانت متلخبطة تماماً. هل ندى عندها حق؟ هل سيف بيتعامل معايا كأخت مراته بجد ولا أنا وهو بندخل منطقة خطر؟ والأهم من ده كله.. ليه قلبي كان بيدق بسرعة مش بس من الخوف، لكن من قربه مني؟
​مرت باقي الليلة في هدوء قاتل. محدش نزل للعشا، ولا حد خرج من أوضته. البيت كله كان شبه المقبرة. والصبح بدري، سمعت صوت عربية ندى وهي بتدور وبتتحرك، عرفت إنها نزلت شغلها في الشركة.

قعدت على السرير شوية بتردد، خايفة أنزل أواجه سيف، وفي نفس الوقت مش هفضل حبسة نفسي في الأوضة طول اليوم.
​أول ما فتحت باب الأوضة ونزلت السلم، لقيت الصالة فاضية، بس ريحة القهوة العربي اللي سيف بيحبها كانت مالية المكان. مشيت ناحية المطبخ، ولقيته واقف ساند ضهره على الرخامة ومسك فنجان القهوة في إيده، ومستنيني. أول ما شافني، ابتسم ابتسامة خفيفة أوي، ابتسامة متحفظة بس مليانة دفء غريب، عكس الوش الخشب اللي كان قابس بيه ندى إمبارح.
​”صباح الخير يا ستي.. قمتي متأخر ليه النهارده؟” قالها بنبرة صوت واطية، نبرة تحسس أي حد إننا في عالم تاني لوحدنا.

​”صباح النور.. عادي، مانمتش كويس بصراحة،” رديت وأنا بعيدة عنه وبحاول أتحاشى بصلاته المباشرة.
​حط فنجان القهوة على الترابيزة وقرب مني بخطوات هادية، كل خطوة كانت بتخليني أخد نفس بالعافية. “مانمتيش عشان الخضة.. ولا عشان اللي ندى قالته؟”
​”سيف.. أرجوك،” قلتها بصوت يرجف. “اللي حصل إمبارح ده ينفعش يتكرر.. ندى أختي الكبيرة، وهي شكها بيكبر، وأنا مش عايزة أكون السبب في أي مشكلة بينكم.

أنا شقتي خلاص قربت تخلص وأول ما النقاش يخلص هلم حاجتي وأمشي فوراً.”
​سيف وقف قدامي تماماً، الفرق بين طوله وطولي كان بيخليني أحس بضآلتي، بس إحساس الأمان اللي كان بيديهوني كان أشد من أي خوف. مد إيده وحطها على كتفي ببطء، لمسة هادية بس كانت زي الكهربا في جسمي.
​”أنتي فاكرة إني هسيبك تمشي بسهولة كدة؟” سألني وعينيه بتبص في عيني بتركيز يرعب. “أنا ساكت ومعدي الأمور عشانك أنتي.. عشان عارف إنك خايفة. بس متفكريش إن وجودك هنا كان مجرد صدفة أو إن الاهتمام ده كائن بطلعه لأي حد.

أنا أخدت بالي منك من أول يوم دخلتي فيه البيت ده، وشايف كل حاجة فيكي.. تفاصيلك، خوفك، طيبتك اللي مش موجودة عند حد تاني.”
​نفسي اتطمع، وبصيتله بذهول: “أنت بتقول إيه يا سيف؟ أنت جوز أختي!”
​”أنا أتجوزت ندى عشان الشغل والتجارة والأسماء الكبيرة اللي بين عيلتنا وعيلتها.. الجوازة دي مكانتش اختيار قلبي في يوم من الأيام،” سيف قالها بصوت هادي وبمنتهى القسوة والصراحة. “لكن أنتي.. أنتي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها من غير ما أعسب حسابات للشغل ولا للناس.”
​كلامه نزل عليا زي الصاعقة. عقلي كان بيبصر في كل الاتجاهات:

دي أختي، وده الراجل اللي هي متجوزاه، بس في نفس الوقت، مشاعره الناحية دي كانت بتدغدغ حاجة جوايا أنا نفسي كنت خايفة أعترف بيها. سيف مش مجرد راجل هادي، ده راجل قوته وهيمنته بتخلي أي حد يتمنى حمايته، وأنا بين إيديه حاسة بإحساس مكانش موجود في حياتي قبل كده.
​في اللحظة دي، سمعنا صوت مفاتيح بره على باب الفيلا! الباب اتفتح فجأة وسير ندى كان مسموع وهي بتتكلم في التليفون وداخلة الصالة!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى