
سيف مشدش إيده بلهفة، ولا أظهر أي توتر، بس بصلني بابتسامة خفيفة ومكر وقال بصوت واطي جداً مش هيسمعه غيري: “المشوار لسه في أوله يا حلوة.. وسرك معايا في أمان.”
صوت خطوات ندى كانت بتقرب من المطبخ بخطوات سريعة، وأنا واقفة في مكاني، مش عارفة أستخبى ولا أواجه، والسر اللي بيني وبين جوز أختي بقى حبل مشنقة ملتف حوالين رقبتي، ياترى ندى شافت حاجة وهي داخلة؟ ولا اللعبة لسه هتبدأ بجد؟دخلت ندى المطبخ وهي ماسكة التليفون على أذنها بتتناقش بعصبية في صفقة جديدة، بس أول ما شفتنا واقفين قبال بعض، وطيّت صوتها وسكتت فجأة.
عينها نزلت على إيد سيف اللي كانت لسه قريبة من كتفي قبل ما يسحبها ببطء شديد ويشيل فنجان القهوة بتاعه.
”أنا قاطعت حاجة؟” سألت ندى بنبرة حادة، وعيونها ضيقة بتدرس ملامحنا بذكاء.
سيف بصلها ببرود تام، وشرب بق من فنجانه وقال بثبات يرعب: “أبداً.. كنت بفهم أختك إن شقتها لو محتاجة صنايعية إضافيين عشان تخلص أسرع، أنا أقدر أبعتلها ناس من عندي يخلصوها في يومين.. عشان تبقى على راحتها أكتر.”
الكلام كان طالع منه بمنتهى السلاسة، بس أنا كنت فاهمة المعنى المستخبي وراه؛ كان بيقرصني بالكلمة، وفي نفس الوقت بيبعد شك ندى.
بلعت ريقي وبصيت للأرض وقلت بصوت مشتت: “آه.. شكراً يا سيف، بس الشغل ماشية مظبوط خلاص.. عن إذنكم هطلع أوضتي.”
جرية على السلم وأنا حاسة إن الأوكسجين بيخلص من الفيلا كلها. قفلت الباب عليا واستندت عليه، قلبي كان بيدق زي الطبلة. كلام سيف كان بيلف في دماغي زي الدوّامة: “أنتي الحاجة الوحيدة اللي اتمنيتها…” جملة واحدة كانت كفيلة تقلب كياني، بس الخوف من ندى والذنب اللي بيأكل في ضميري كانوا أتقل من أي مشاعر تانية.
عدت الساعات وأنا محبوسة في الأوضة، لحد ما الليل دخل والبيت هدي تماماً. ندى كانت خرجت تاني تبع شغلها، والفيلا رجعت لسكونها المرعب.
خرجت ببطء عشان أجيب ماية من المطبخ، وكان النور مطفي والصالة غرقانة في الظل.
وأنا معدية من جنب المكتب، إيد قوية اتمدت فجأة وسحبتني لجوة الضلمة بسرعة من غير ما ألحق أطلع صوت!
ظهر سيف كان حائل بيني وبين الباب المفتوح، وريحته البرفان القوية ملأت المكان. حط إيده على بوقي بهدوء وقال بصوت واطي ومبحوح جنب أذني: “أوصش.. متخافيش، ده أنا.”
جسمي اتشنج، وحاولت أبعده: “سيف! أنت بتعمل إيه؟ ابعد عني لو سمحت!”
قرّب أكتر لدرجة إن ضهري خبط في حرف المكتب الرخام، وبص في عيني بنظرة كان فيها كمية تملك وإصرار تخوف:
“مش هب Used أبعد يا حلوة.. أنتي فاكرة إنك هتقدري تهربي مني؟ ولا فاكرة إن حركة ندى الصبح دي هتخليني أراجع نفسي؟ أنا لما بحط حاجة في دماغي بتبقى ليا.”
”دي أختي! أنت جوز أختي فاهم يعني إيه؟!” قلتها بدsections عياط مكتوم.
ابتسم ابتسامة مكسورة وفيها قسوة غريبة: “ندى متلزمكيش.. ولا تلزمني. أنتي الشغف الوحيد اللي دخل البيت ده من يوم ما ات بني. أنتي فاهمة أنا بشوفك إزاي؟”
قبل ما أرد أو أدفعه بعيد، سمعنا صوت حركة بره في الصالة.. صوت خطوات رجالية ثقيلة ومعاها صوت ندى بتتكلم مع حد بجدية: “ادخل يا حضرة الضابط..
الصالون جوة، أنا شاكة إن فيه ورق مهم في مكتب سيف هو اللي متسبب في المشاكل دي كلها.”
النور اللي في الصالة اتفتح، وظل ندى والضابط كان بيقرب بسرعة من باب المكتب المقفول نص قفلة!
سيف مبعدش، بالعكس.. مسك إيدي بجمود وغمزلي بصوت لا يُسمع: “دلوقتي هنشوف.. هتسلميني للبوليس وأختك، ولا هتكوني معايا للنهاية؟”
إكرهت أتنفس، وعيني تتنقل بين إيده المكسوكة بإيدي، وبين أكره الباب اللي بدأت تتحرك لتتفتح!شديت إيدي من إيد سيف بكل قوتي ورجعت خطوة لورا في الضلمة قبل ما باب المكتب يتفتح للآخر. النور ض.رب في وشنا، وندى دخلت ومعاها ظابط بوليس واثنين أمناء شرطة.
”سيف؟!” ندى اتصدمت وهي بتبص للظابط وبعدها لبصات سيف الهادية جداً، ولما عينيها وقعت عليا واقفة ورا المكتب بوش أصفر ودموع في عيني، ملامحها اتغيرت تماماً وقالت بصوت مليان غضب وحيرة: “أنتي بتعملي إيه معاه هنا في الضلمة؟”
الظابط قدم خطوة بصرامة وقال: “أستاذ سيف، معانا أمر بنيابة لتفتيش الشركة والمكتب هنا بناءً على بلاغ من المدام بنشاطات مشبوهة وتزوير أوراق.”
سيف متهزش، حط إيده في جيبه وبص لندى بنظرة ازدراء سردت كل حاجة، وبعدها بصلي أنا. النظرة دي كان فيها تحذير وخيار أخير: يا إما أنطق وأفضح كل حاجة، يا إما أسكت وأسيب اللعبة تكمل.
”أنا كنت نازلة أجيب ماية يا ندى،” صوته طلع مكسور بس ثابت بالعافية. “وسيف كان في المكتب وبيشوف أوراق.. ومفيش أي حاجة من اللي في دماغك.”
ندى بصتلي بذهول، كأنها مش مصدقة إن اختها بتغطي على جوزها، وقالت بصوت جريح: “أنتي بتدافعي عنه؟ بعد كل اللي شفته بعيني؟”
سيف ابتسم ابتسامة مكر خفيفة مشافهاش حد غيري، وقال للظابط ببرود: “اتفضل فتش يا حضرة الظابط، البيت بيتك.. بس الحساب بيني وبين المدام هيتصفى بعدين.”
في أقل من ساعة، الظابط فتش المكتب وملاقاش أي إثبات أو ورق يدينه، واستأذن ومشى وهو بيعتذر لسيف.
أول ما الباب اتقفل، ندى بصلتنا إحنا الاتنين بغل، مسكت شنطتها وقالت بصوت يرعش: “البيت ده مبقاش ينفع أعيش فيه ثانية واحدة مع ناس خاينين.. أنتوا تليقوا ببعض أوي.” وخرجت ورزعت الباب وراها بكل قوتها، وسابت الفيلا وغادرت.
الهدوء القاتل رجع للمكان تاني. سيف قرب مني بخطوات هادية، وقف قدامي تماماً ورفع وشي بإيده، وعينيه بتلمع بانتصار مرعب.
”كنت عارف إنك مش هتهوني عليا.. ولا هتقدري تبيعيني،” قالها بصوت واطي ومبحوح. “دلوقتي ندى مشت.. والبيت فضي لينا، وبقيتي معايا ومفيش حد هيقدر يقف بيننا تاني.”
قلبي كان بيدق برعب ومشاعري متلخبطة بين الذنب والخوف الشديد منه..
بصيت للباب الفاضي، وبعدها بصيت في عينيه القاسية، وأنا عارفة إن حياتي القديمة انتهت خلاص، وإن السجن الجديد اللي دخلته برجلي.. يا دوب لسه بيبدأ.

