
لم يستطع عبد الرءوف ان يلوم يوسف على تفكيره فمن ناحية انه يلتمس له العذر فكرجل شرقي يجب ان يتاكد من سلوك واخلاق البنت الذي يعتزم الزواج بها ومن ناحية اخرى فكل مايتعلق بماضي ابنه الذي رفض الزواج من شمس عمة يوسف مخالفا قرار والده لينشب الخلاف مجددا بين عائلة سليم والتي ينتسب يوسف اليها وعائلة عبد الرءوف الكامل ولم ينته هذا الخلاف الا حين اعتزم جلال والد يوسف عقد الشراكة بينه وبين عبدالرءوف لتعود المياه مرة اخرة لمجاريها بعد ان علم بان هذا الاخير قد قاطع ابنه من اجلهم أما بالنسبة لأمها تلك الفتاة الاوروبية التي تزوجها ابنهم فلم تكن
بالامر الذي يعزز موقفه حيث طلقها بعد ثلاث سنوات من الزواج وتولى هو امر تربية طفلتهما لتعيش هي وحدها مع رجل اخر اسمته صديقها حتى بعد وفاته لم تتحمل ابنتهما كثيرا فاضطرت تلك الشابة الصغيرة القيام بمخاطرة صغيرة حيث ارسلت تطلب مساعدة جدها الذي ارسل اليها على الفور ليخبرها بانه يرحب بها في بيته في اي وقت وكانت هي طوال تلك الشهور الثلاث التي قضتها معه سلواه الوحيدة و عزائه عن فقد ابنه المفاجيء .
خرجت تنهيدة قوية من عبدالرءوف اثر كل تلك الذكريات الاليمة وقرر ان يستمر في محاولاته لاقناع يوسف الذي يراه هو الشخص الوحيد الذي بامكانه الاعتناء بحفيدته والحفاظ عليها وعلى اموالها لذا فقد قرر ان يرمي بورقته الاخيرة في وجهه لعله يستطيع ان يغير رايه ولو قليلا: ماشي يا يوسف. بس ممكن اطلب منك انك تاجل قرارك في الموضوع دة لحد ما تقابل مريم الاول وتتعرف عليها؟ ارجوك.
حملت كلمة الرجاء الاخيرة في طياتها كل كلمات الرجاء والتوسل التي لم يستطع عبدالرءوف التفوه بها.
والتي لم تعط يوسف اي مجال للرفض ولكنه قرر الا يعترف بالهزيمة حيث ومضت عيناه فجاة وكانه تذكر امرا قد غاب عن عقله طوال هذا النقاش: انت لحد دلوقت مش متاكد من موافقتها . على حسب علمي بنت زيها اتعودت على الاستقلالية صعب اوي توافق على جواز مدبر وما تنساش ان والدها سبق ورفض الموضوع دة قبل كدة.
بدا على عبدالرءوف الارتياح قليلا حيث انه قد لمس بعض اللين في موقف يوسف فقال: مريم مختلفة كتير عن حمدي ابني الله يرحمه وكمان ما تنساش ان ابوها هرب مني اما هية فهربت عشان تجيلي وفيه فرق كبير بين الاتنين.
قولت ايه بقا؟
بدا نفاذ الصبر واضحا في نبرة يوسف الذي قد ضاق عليه الخناق من الحاح صديقه العجوز:في ايه بس؟
بدا صوت عبدالرءوف حازما فجأة لدرجة ادهشت يوسف نفسه: هتيجي تشرب القهوة في فيلتي النهاردة الساعة سبعة.
يوسف محتجا: انت كدة مش بتديني اي فرصة للتفكير.
وبدا عبدالرءوف يستخد سلطته كأب ثان كما يعتبره يوسف حيث لايمكنه معارضته و خرج صوته قويا: يوسف هنستناك. ما تتأخرش.
الحلقة الثانية
*لامفر*
:مستحيل! انا مش موافقة.
خرجت كلمات الاحتجاج كالرعد من فم مريم فور ان اخبرها جدها بقراره لتزويجها من شريكه يوسف ,ومع ذلك بدا صوته هادئا وهو يسألها: وايه السبب؟
تفاجأت مريم من سؤاله أو بالاصح لم تتوقع منه ان يسال مثل هذا السؤال وهو بالتاكيد يعلم جوابه ومع ذلك قررت أن تجيب عليه ولم يكن قد هدأ انفعالها بعد: ازاي يا جدي عاوزني اوافق اني اتجوز واحد معرفوش وكمان عمره اد عمري مرتين؟ ليه ياجدي عاوز تعمل فيا كدة؟
لم يرد عبدالرءوف على الفور بل تأمل في ملامحها قليلا فهي ماكانت تشبه والدها باي شكل من الاشكال فملامحها بدت اوروبية بشكل أكثر من واضح بوجهها الدائري الصغير وبشرتها البيضاء الشاحبة وعينيها الواسعتين بلون العشب الأخضر وشعرها الأحمر الناري مما كان سيجعله يشك في حقيقة نسبها اليه الا ان قلبه كان على يقين بأن الدماء التي تجري في عروق تلك الشابة الفاتنة هي نفسها الدماء التي تجري في عروقه علاوة على تلك الصور التي كان يرسلها لها ابنه بصورة مستمرة في ذكرى ميلادها كل عام وهو يقف بجانبها, كما أنها قد ورثت عن والدها طبعه وعناده قطع عبدالرءوف الصمت ليقول بلهجة
قوية تحمل الكثير من التهديد: مريم! انتي لما بعتيلي عشان تيجي تقعدي معايا في مصر كنتي واثقة ان انا اكتر واحد هكون خايف عليكي وعلى مستقبلك عشان كدة لازم تثقي في قراراتي كويس أوي. يعني لما اقولك ان يوسف هوة انسب واحد ليكي وهو الوحيد اللي هيقدر ياخد باله منك ومن مصالحك يبقا انا صح ولازم كلامي يتنفذ.
تسلل الاحباط بداخل مريم وقد بدات تيأس من ان جدها سيهتم كثيرا باعتراضاتها: طيب يا جدو انا لسة صغيرة وكمان لسة قدامي اربع سنين كلية . غير اصلا ان الحياة هنا لسة غريبة عليا شويه.
فما بالك بقا بالجواز من شخص غريب معرفوش وكمان من مجتمع غريب نسبيا بالنسبالي؟
:كل دة هيتحل . المهم دلوقت انه على وصول عشان يقابلك وتتعرفوا على بعض
ثم اشار باصبعه باتجاهها محذرا:مريم ! اياكي تصغريني أدامه
مريم باستسلام: حاضر ياجدو
وهم عبدالرءوف بالذهاب وقد بدا عليه الارهاق من حدة النقاش: لما اسيبك انا بقا عشان تغيري هدومك.
ذهب عبد الرءوف تاركا مريم وهي تتخبط بين أفكارها فمن ناحية لا تريد ان تعصي جدها وخاصة وهي تعلم مدى خطورة حالته الصحية فهو الان بالنسبة لها قريبها الوحيد الذي يمكنها الاعتماد عليه, ومن ناحية اخرى لا تريد الزواج الان وخاصة من ذلك الشخص فهو اكبر منها بكثير كما انها لاتعلم عنه الا انه شريك جدها. وفجأة خطرت لها فكرة .فماذا ان لم يكن هذا الشخص هو ايضا لا يوافق على تلك الزيجة. ولكنها استبعدت ذلك الاحتمال فجأة لانه ان كان كذلك فلا يوجد ما يجبره عليها فهو رجل اعمال مرموق في سن تسمح له باتخاذ قراراته بنفسه بعقلانية.
ولكن ظل الامل بداخلها من انها يمكنها ان تقنع هذا الرجل بالتخلي عن فكرة الزواج بها وبذلك سيأتي الرفض من ناحيته دون ان تغضب جدها. وقد عزمت الامر على ذلك.
******************************
في حجرة الصالون بفيلا عبدالرءوف الذي كان يجلس على أريكة مريحة وبجانبه العكاز الذي بدأ يستخدمه مؤخرا . وعلى الكرسي الذي بجواره جلس يوسف بكل ثقة وكأنه ببيته تماما . بالطبع فانها ليست بالمرة الاولى الذي يأتي فيها لزيارة عبد الرءوف في فيلته.
كانا يتحدثان بشكل ودي وفي مواضيع بعيدة تماما عن العمل جعلت يوسف يبتسم بشكل ساحر يزيد من جاذبيته ورجولته الطاغية في الوقت الذي طرقت فيه مريم الباب المفتوح فقال لها عبدالرءوف :ادخلي يا مريم
دخلت مريم وقد انتابها التوتر الشديد ولكن كانت خطواتها ثابتة تقدمت منهما قليلا وقد تولى عبدالرءوف مسئولية التعرف مبتدءا بيوسف: يوسف جلال شريكي وصاحب شركة المعمار للمقاولات.
اما دي بقا ياسيدي حفيدتي مريم طالبة في اولى كلية اداب انجلش
خلال هذا التعريف كان يوسف قد نهض لتحية مضيفته وقد بدت الصدمة واضحة على ملامحه فهو قد تخيل رؤية فتاة اوربي مدللة ترتدي ملابس عصرية تناسب الاذواق الانجليزية, ولكنه على النقيض وجد امامه فتاة رغم ملامحها الاوربية التي لايستطيع احد تجاهلها الا أنه وجدها فتاة متوسطة الطول و كانت محجبة وترتدي ثيابا محتشمة زادتها جمالا ووقارا مما يجعل الناظر اليها يعتقد بأنها تعدت الواحد وعشرين من عمرها. استطاع يوسف أن يخفي دهشته سريعا ولكن بعد ان لاحظتها مريم ومد لها يده ليصافحها وهو يقول بملامح هادئة:
تشرفنا يا آنسة مريم
تجاهلت مريم اليد الممدودة وقالت بعفوية: الشرف ليا. بس انا اسفة ما بسلمش
رد يوسف سريعا وكأن شيئا لم يكن: عادي ولا يهمك
جلست مريم على كرسي في مقابلة يوسف وهي تقول لنفسها بغيظ: طبعا لازم حضرتك تتفاجىء. اكيد كنت فاكر انك هتشوف واحدة صايعة لابسة مكشوف وبتستعرض قدامك. ربنا يستر
ساد صمت قليلا قرر يوسف ان يقطعه وهو يتفحص مريم من أعلى رأسها الى أخمص قدميها:
غريبة اوي يا انسة مريم انك بتتكلمي عربي كويس وكمان باللهجة المصرية مع ان اللي اعرفه انك عمرك ما جيتي مصر قبل تلات شهور
مريم بجفاء: بابا الله يرحمه كان مصر اني اتكلم معاه بالمصري طول ماحنا في البيت وكمان كان لينا أصدقاء مصريين كتير اتعودنا اننا نتكلم مع بعض بلهجتنا
:وياترى هوة بردو اللي اصر انك تتحجبي؟
قررت مريم ان تجيب على كل اسئلته بهدوء وصدق حتى تستطيع طلب المساعدة منه فيما بعد: لا.
دة كان قراري انا.الحقيقة في البداية كنت مسلمة بس بالاسم لكن بعد ما بدات اكبر وافهم وكنت بشوف بابا وهوة بيصلي وبسمعه وهو بيقرأ القرآن حبيت فكرة اني اكون مسلمة وبدات أقرأ كتير عن الاسلام والقرآن والسنة وبدأت في حفظ سور من القرآن ولما كنت بحس براحة نفسية بعد الصلاة قررت اني احافظ عليها وكان لازم اتم كل دة بلبس الحجاب.
اختطفت نظرة سريعة ناحيته لتلمح نظرة اعجاب سريعا ما اختفت من ملامحه. في تلك اللحظة وجدت جدها ينهض وهو يقول ليوسف بارتياح:
معلش بقا يا يوسف هسيبكم شوية عشان ميعاد الدوا بتاعي
وعندما حاولت مريم الذهاب لمساعدته هز رأسه بالرفض:خليكي انتي يا مريم ,انا مش هتأخر
وبالفعل تركها جدها وحدها مع ذلك الغريب الذي وللمرة الثانية يتخطى حاجز الصمت اولا بلهجة باردة: اعتقد انه من الافضل اننا ندخل في الموضوع على طول. طبعا انتي عارفة سبب زيارتي النهاردة.عبدالرءوف العجوز قرر انه يوفق راسين في الحلال.
قال جملته الاخيرة بابتسامة ساخرة حاولت مريم ان تتجاهلها وتتجاهل اهانته لجدها كذلك حتى لا تثير غضبه الى ان تنتهي من خطتها لذا أجابته بهدوء يشوبه بعض القلق:
اه للأسف عارفة.عشان كدة كان كويس اوي ان جدي سابنا لوحدنا.انا رافضة الجوازة دي
وعندما وجدت علامات الاستنكار وربما الغضب قد بدأت تتسلل الى نظراته استدركت الخطأ الذي ربما قد وقعت فيه دون ان تدري فيبدو انه غير معتاد على ان ترفضه امرأة: زي مانت كمان اكيد رافضها.بس الفرق بيني وبينك اني مش هقدر اقول كدة لجدي اما انت فأكيد هيسمع كلامك. تقدر تقوله انك حسيت اني مش فتاة احلامك وانك مش عاوز تتجوزني ولا تكمل حياتك معايا.
فقرر يوسف ان يسايرها في خطتها: ولو سأني عن السبب؟
مريم:قوله مثلا اني شكلي مش عجبك

