
طلعت من مجمع المحاكم والشمس تلسع وشي، بس البرودة اللي كانت جوه صدري كانت كفيلة تجمد بحر. التاكسي اللي أخدته راجع الفندق كان ماشي وسط زحمة القاهرة، وكل عربية تعدي من جنبي كنت بحس إن الوقت بيجري وبيعد صوابعي. الضابط كان معيد عليا التعليمات ثلاث مرات: “مش عايزين شوشرة يا مدام مريم، السجل والنيابة مراقبين كل حركة، بس التسجيل الصوتي أو بصمتك على الورق المزور في وجودنا هو اللي هيحط الغوايش في إيديهم. لو حسوا بأي حاجة، هيخلعوا في ثانية ومالهمش أثر.”
حطيت إيدي على شنطتي.. الميكروفون الصغير اللي ثبتته الدكتورة فتحية في لياقة الجاكيت كان بيزبزب بنبضات خفيفة. أنا مش مجرد ضحية خايفة، أنا مدققة حسابات شرعية، شغلتي في الحياة هي قراءة السطور المخفية وتتبع العفن لحد ما أطلعه للنور. دخلت الفندق. الريسبشن كان هادي، والرخام الأبيض بيلمع تحت الإضاءة الثرية. لما طلعت الأسانسير لليوم الأخير بصفتي “العروسة المغفلة”، رفعت راسي، حطيت مسحة تعب وهمية على وشي، وفتحت باب الجناح.
مصطفى — أو “طارق” زي ما كان مسمي نفسه — كان واقف عند الترابيزة، ماسك القلم الجاف بين صوابعه وبيقلب في الأوراق بسرعة بيئية. الست نصاف — أو “إلهام” — كانت قاعدة على الكنبة بتشرب قهوة تركية، عينيها بتراقب الفراغ ببرود يخلي العظم يترعش. أول ما الباب اتفتح، مصطفى اتلفت بسرعة، عينيه ضاقت ثانية قبل ما يرجع القناع إياه، قناع الزوج الحنين: — إيه يا مريم؟ تأخرتي ليه يا حبيبتي؟ احنا كنا نازلين ندور عليكِ، الفطار خلص وأمي كانت تقلق.
نصاف نزلت الفنجان برنة مكتومة على الطبق: — تقلق من إيه يا طارق؟ الست هانم كبرت وعارفة طريقها.. بس المشكلة في الميعاد. الطيارة فاضل عليها ساعتين والتأخير ده ملوش أي لازمة. قربت منهم بخطوات بطيئة، عملت نفسي بتهز وبمسك في ضهر الكرسي عشان أبين إني تعبانة: — معلش يا طارق.. دوخت شوية في الشارع، نزلت اشتريت دوا للمعدة من الصيدلية اللي تحت، ومحستش بالوقت. مصطفى قرب، حط إيده على كتفي — اللمسة اللي كانت إمبارح بتدفيني بقت النهاردة زي زحفة تعبان — وقال بصوت واطي:
— الف سلامة عليكِ يا قلبي، طب يلا عشان نلحق.. امضيلي بس الأوراق دي بسرعة عشان التوكيل يتوثق ونبعته للمحامي قبل ما نطلع على المطار. مسكت الورق بإيد بترتعش — تمثيل أتقنته بحرفية — وبصيت في السطور. أرقام المحلات في وسط البلد، العمارة بتاعت إسكندرية، وأراضي رأس البر.. كلها كانت مكتوبة بند بند، وتحت بند التنازل البيع والشراء للنفس والغير بدون مقابل، وتوكيل إدارة كامل ومطلق. — طارق.. هو المحامي قال لازم أتنازل عن المحلات كمان؟ مش احنا قلنا إدارة بس؟
نصاف وقفت من على الكنبة، خطواتها كانت منتظمة وزي المطرقة: — هو إيه اللي المحامي قال يا مريم؟ أنتِ بياعة وشراية ولا إيه؟ الست لما بتتجوز راجل بجد، ما بتقعدش تفصل في المال. الراجل هو اللي بيشيل الهم، ولا أنتِ فاكرة طارق فاضي كل يوم يروح ويجي عشان يلملك إيجارات محلات؟ بصيت لنصاف في عينيها.. عينين ست عاشت عمرها كله بتاكل عرق غيرها. — أنا مش بفصل يا طنط.. بس دي أملاك أبويا الله يرحمه، ورثي الوحيد.
مصطفى مسك إيدي بنعومة مغشوشة، وضغط على صوابعي: — يا مريم يا حبيبتي.. هو أنا غريب؟ أنا جوزك! الورق ده مجرد إجراء شكلي عشان أعرف أتعامل مع الضرائب والحي وأنتِ مسافرة معايا. ولا أنتِ مش واثقة فيا من أول يوم؟ هنا كان لازم أستدرجه.. لازم أخليه يقولها بصريح العبارة. — واثقة فيك يا طارق.. بس التنازل ده فيه بند بيحرم تماماً أي حق ليا في الرجوع، وفي بند بيكتب الأرض باسمك أنت شخصياً مش باسم الشركة.. هو أنت هتدفعلي تمنهم؟
مصطفى ضحك ضحكة قصيرة، وبص لأمه بصة فيها نفاد صبر. — أدفعلك تمنهم إيه يا مريم؟ هو إحنا بينّا فلوس؟ أنتِ هتمضي على البيع كأنك استلمتِ الثمن كاش، ده الشغل المضبوط عشان تسجيل الشهر العقاري. وبعدين ما الأملاك أملاكنا، ولا هو كلام الليل مدهون بزبدة؟ نصاف قربت أكتر، صوته كان بيتحول لتهديد مستتر: — اخلصي يا مريم.. الطيارة هتفوتنا، والراجل بيعمل ده عشان مصلحتك. أنتِ نسيتِ إنك كبرتِ على الجواز والفرصة دي مش هتتكرر؟ اعقلي وامضي بلاش طفولة!
الكلمات كانت بتنزل زي المطرقة، بس جوايا كان فيه حاسبة شغال: التسجيل سجّل كل حاجة.. الاعتراف بالتزوير الصوري للبيع، والضغط، وإن مفيش فلوس اندفعت. مسكت القلم.. صوابعي لمست الورقة، وعملت نفسي هبصم. — طب استنوا.. الباسبور بتاعي فين؟ لازم أخليه معايا. مصطفى شاور على الظرف البني: — الباسبورات كلها هنا، امضي الأول وخدي حاجتك. فجأة، تليفون مصطفى رن. بص في الشاشة، وششه اتخطف. رد بسرعة وبصوت واطي: — إيه؟ أنت متأكد؟
اللي كان بيتكلم على الناحية الثانية كان صوت واطي بس نبرته مرعوبة. مصطفى بصلي بصة غريبة.. عينية اتسعت، وفجأة القناع كله وقع. الضحكة الدافية، الحنية، النظرة الرزينة.. كلها اتبخرت وحل مكانها وش مجرم محشور في زاوية. — أنتِ رحتِ فين الصبح يا مريم؟ — قالها بصوت طالع من قاع بئر. قلبي ض.رب ض.ربة قوية، بس ثبت إيدي: — قلتلك.. الصيدلية. نصاف لاحظت التغير، قربت من مصطفى بخطوة سريعة: — فيه إيه يا طارق؟
مصطفى مسكني من دراعي بقوة وجذبتني ناحيته، عينيه كانت بتولع نار: — الواد اللي واقف تحت الفندق بيقول إن فيه عربيتين شرطة بيلفوا حوالين المدخل.. وفي واجهة الفندق فيه أفراد أمن مش بتوع الفندق! أنتِ عملتِ إيه يا بنت الـ…؟ نصاف شهقت، ووشها اصفر زي المو.تى: — شرطة؟ شرطة إيه؟ أنتِ بلغتي يا جزمة؟ في اللحظة دي، مابقاش فيه مجال للتمثيل. سحبت دراعي بجمود وقفت قصادهم: — أنت اسمك مصطفى زكي.. والست دي مش أمك، دي نصاف، مراتك اللي متجوزها بعقد رسمي من ثمان سنين!
الهدوء اللي نزل على الأوضة كان أرعب من أي صريخ. مصطفى اتراجع خطوة، بص لأمه — أو مراته — وبص للورق اللي على الترابيزة. نصاف جرت على الشنط بسرعة البرق، فتحت السوستة وبدأت تلم الفلوس والكروت: — قلتلك! قلتلك البت دي مش سهلة من أول يوم! المراجعة دي عينها زفرة، قلتلك بلاش العمارة بتعت إسكندرية بلاش نكبرها! مصطفى تحول لوحش.. مسكني من ياقة البلوزة، وزقني ناحية الحيطة، عينه كانت متثبتة على لياقة الجاكيت، ولمح السلك الصغير المداري.
— متسجلي؟ بتسجليلي يا روح أمك؟ مسك السلك وقطعه بقوة، الشاشات والصوت في عربية النيابة تحت اكيد اتطفت في اللحظة دي. — الورق ده هيتمضى.. بالذوق أو بالعافية! — مصطفى صرخ وهو بيسحب سجين صغير من جيبه، الملاية تلمع تحت النور—. هتبصمي يعني هتبصمي، وبعدها هترميكي من البلكونة ونقول انتحرتي من كتر الضغط العصبي! نصاف صرخت فيه: — أنت تجننت يا مصطفى؟ هتودينا في داهية! يلا نمشي من طريق الخدمات!
— مش ماشيين من غير الأملاك! دي شقا ست شهور تمثيل! — صرخ مصطفى وهو بيقرب السك.ينة من وشي. الخوف؟ الخوف ده للي معندوش حاجة يخسرها.. أنا كنت شايفة أبويا، شايفة تعب سنينه وهو بيجمع القرش على القرش عشان أعيش مستورة، شايفة الستات اللي ينضحك عليهم ويترموا في الشارع بسبب الكائنات دي. مسكت الفازة الكريستال الثقيلة اللي كانت على الترابيزة المجاورة بكل قوتي، وقبل ما يتحرك خطوة، ض.ربتها في جنبه بكل غل.
مصطفى اتهز وصرخ، السك.ينة وقعت من إيده. جريت ناحية باب الجناح، بس نصاف كانت أسرع، رميت جثتها الثقيلة عليا ومسكت في شعري: — مش هتمشي يا بنت الكلب! هتمو.تي هنا! ضفرها غرز في رقبتي، بس أنا زقيتها برجلي بكل قسوة في بطنها، وقعت على الأرض وهي بتتأوه. وصلت للباب، فتحت الترباس، وفي نفس اللحظة.. الباب اتفتح بقوة واقتحم الأوضة أربعة من رجال المباحث ومعاهم الضابط والأستاذة فتحية! — اثبت مكانك أنت وهيا!
مصطفى كان لسة بيحاول يقوم من الأرض والدم نازل من جنبه، بص للضباط وعينيه متسعة من الصدمة. نصاف كانت قاعدة على الأرض بتعيط وبتحاول تخبي وشها في إيديها. الضابط قرب مني، حط إيده على كتفي: — أنتِ بخير يا مدام مريم؟ أخذت نفسي بالعافية، رقبتي كانت بتنزف خفيف، وشعري مقطوع، بس واقفة على رجلي. — بخير يا باشا.. التسجيل قطع بس أعتقد أخدتوا كل حاجة محتاجينها قبل ما يكتشف جهاز التنصت.
الضابط ابتسم بمرارة وهو بيأمر العساكر يكلبشوا مصطفى ونصاف: — أخدنا أكتر من اللي محتاجينه.. والبيت بتاعهم في الجيزة اتقفز عليه من ساعة، ولقينا هناك دفايل وتوكيلات لستات ثانين.. أنتِ ما أنقذتيش نفسك بس يا مدام، أنتِ وقعتي شبكة تزوير ونصب شغالة بقالها عشر سنين. مصطفى وهو بيتسحب في الكلبشات، اتلفت وبصلي بمرارة وغل: — فاكرة روحك ذكية؟ فاكرة إنك خلصتي؟ أنتِ ما تعرفيش حاجة يا مريم.. ما تعرفيش الملايين دي رايحة لمين!
الكلمة وقفت في الهوا. الضابط زقه لبحرة: — امشي وأنت ساكت، كلامك ده تقوله في النيابة. نزلوا بيهم، والأوضة رجعت فاضية وهادية.. بس الكلمة الأخيرة كانت بتزن في ودني زي الذبابة: “ما تعرفيش الملايين دي رايحة لمين!” قعدت على السرير، مسكت الظرف البني اللي كان مصطفى حاطط فيه الباسبورات والأوراق.. فتحته وتفحصت الأوراق الداخلية اللي ما لحقتش أقراها في مجمع المحاكم. بين التوكيلات والعقود المزورة.. وقعت ورقة صغيرة مروصة بختم بنك دولي كبير.
عقد تحويل ملكية لأسهم وحسابات جارية في الخارج.. باسم شخص تاني خالص. شخص أنا عارفة خط إيده كويس جداً.. شخص كان واقف معايا في الفرح إمبارح، وبيرقص معايا، وكان بيمسك إيدي ويقولي: “مبروك يا بنت عمي.. طارق راجل وسيد الرجالة.” ابن عمي.. المحامي الخاص بوالدي الله يرحمه، اللي كان ماسك كل أوراق التركة، وهو اللي عرفني بـ “طارق” من ست شهور! مسكت الورقة.. صوابعي كانت بتترعش، مش من الخوف، من الهول.
الشبكة ما كانتش مجرد مصطفى ونصاف.. الشبكة كانت أبعد من كده بكثير، والتوقيع اللي على ورقة التحويل كان متأرخ بكرة الصبح! بصيت للشارع من الشباك، العربيات كانت ماشية عادي، والقاهرة بتبدأ يوم جديد.. بس أنا كنت عارفة إن القضية دي ما تقفلتش.. دي يلا دوبك الفتلة الأولى اتسحبت، والتوب كله جايلك يا ابن عمي!


