
الساعة كانت 3:10 الفجر بالظبط. فاكرة الرقم عشان عيني وقعت على ساعة الحيط أول ما الخبط هز الباب هزتين يوقفوا القلب. البيت ساكت سكوت ما بعد الفرح، لسه ريحة البرفان والحنة لازقة في الستاير. كنت لسه بقلع طرحة الصلاة وقلبي مقبوض من غير سبب. “مين؟” صوتي طلع متحاش. مين يخبط في ساعة زي دي؟ ليلة دخلة بنتي! فتحت فتحة صغيرة والسلسلة محطوطة… وشي جاب ألوان. منة. بنتي. عروستي. اللي من 14 ساعة كنت بظبط لها الطرحة بإيدي وبعيط من الفرحة في كوافير “ليلة العمر” في المهندسين، واقفة دلوقتي على عتبة الباب كأنها خارجة من قبر.
الفستان الأبيض اللي دافعة فيه دم قلبي، مقطوع من الضهر لحد نصه. الطرحة نصها متعلق في شعرها والنص التاني متقطع في إيدها. المكياج سايح على خدها زي شمع، وشفايفها وارمة ومشقوقة، وفيه دم ناشف على دقنها. دراعاتها الاتنين… خرايط زرقا وسودة. ورجليها حافية ومتعورة. ماكنتش بتعيط. كانت بتترعش بس، زي اللي واخدة برد في عز جهنم. ثانية كاملة، عقلي رفض يترجم المنظر. دي مش بنتي. مستحيل. “يا ماما…” صوتها طلع محشور، مش صوت منة أصلاً. مسكت في طرف جلابيتي وبعدها ركبها خانتها ووقعت على الأرض في مدخل الشقة في الدقي.
نزلت على ركبي جنبها ومسكت وشها بين إيدي. متلجة. “منة؟ حبيبتي مين عمل فيكي كده؟ حادثة؟ العربية؟” هزت راسها بعنف وهي بتشهق. مسكت إيدي المتعورة بضوافرها وقالت الجملة اللي وقفت قلبي: “حماتي… هي ودعاء وشيماء ضربوني في الشقة… عشان مش راضية أمضيلها على توكيل تاخد بيه شقتي . هربت لما شيماء سابت باب الشقة مفتوح وصورتني فيديو عشان تبتز ني بيه”. الدنيا اسودت. وداني صفرت. شيلتها، معرفش جبت القوة دي منين، ودخلتها وقفلت الباب بالمفتاح والترباس والسلسلة. حطيتها على الكنبة. جسمها كله سايب.
“متتصليش بالبوليس يا ماما”، همست وهي بتغمض عينيها من الوجع. “قالتلي… قالتلي لو فتحت بوقي هتفضحني بالفيديو اللي صورته وهتقول إني اتهجمت عليهم”. الكلمة نزلت على دماغي زي المرزبة. قعدت على الأرض قدامها ومسكت إيديها الساقعة. “مين اللي قال كده يا منة؟ انطقي”. فتحت عين واحدة بالعافية، وشفايفها اتحركت بصوت مبحوح مكسور: “حماتي. أم مصطفى”. الحاجة فوزية. الاسم لوحده جابلي برد في عروقي، بس الدم اللي في عروقي بدأ يغلي.
شايفاها قدامي دلوقتي. أول مرة دخلت بيتنا من 3 شهور. داخلة الصالة كأنها داخلة تشتريها. دهب من أول صوابعها لحد كوعها، وسلسلة تقيلة بتلمع في رقبتها. ريحة البرفان بتاعها كانت سابقة خطوتها بمترين. وقبل ما تقول “السلام عليكم” كانت عينيها عملت مسح شامل للسجاد والنجف والحيطان. عين سمسار بيتمن، مش أم عريس. ابنها مصطفى بقى؟ مهندس، وعربية زيرو، وكلامه بلسم. بس من أول قعدة وأنا ملاحظة إنه مبيقولش كلمة غير لما يبص لأمه الأول. منة كانت بتبصله كأنه ملاك نازل من السما.
وأنا؟ أنا كنت شامة ريحة شياط من أول يوم. حاسة بقبضة ماسكة قلبي كل ما أشوف نظرة أمه لبنتي. بس سكت. قولت لنفسي: “بتتوهمي يا أم منة. متبقيش حماة العقربة اللي بتخرب على بنتها”. تاني زيارة، وهي بتشرب الشاي، لفت الصينية في إيدها وقالت بنفس الابتسامة اللي مبتوصلش لعينيها: “ما شاء الله يا حاجة نادية. سمعت إن الحاج منصور كتبلها شقة تمليك في برج على كورنيش المعادي، صح؟” الكوباية كانت هتقع من إيدي. رديت ناشف، صوتي أخشن من العادي: “أيوه. شقة منة. بتاعتها هي وبس. ومحدش ليه دعوة بيها”.
دي كانت وصية الحاج منصور، أبوها. لما اتطلقنا من 10 سنين، كتب الشقة دي باسمها عند محامي. قاللي: “دي أمان بنتي من غدر الزمن. محدش يلمسها”. الحاجة فوزية ضحكت ضحكة صفرا: “طبعا يا حبيبتي، أنا بس بطمن على بنتنا هتعيش في مستوى يليق بيها”. بتطمن. بعدها بدأ الجحيم الناعم. شبكة لازم تبقى قد كذا والعروسة اللي تجيبها. مفيش قايمة هتتكتب . والكبيرة بقى: “عايزين منة تعمل توكيل عام لابنها مصطفى في الشهر العقاري… عشان الفلوس تبقى في إيد واحدة ومحدش يضحك على ابننا”.
كنت هطردهم من البيت. بس منة وقفت قدامي بدموعها: “يا ماما أرجوكي، مصطفى بيحبني. ودي عاداتهم. إنتي ليه شايفة الوحش بس؟” عديت حاجات كتير عشان خاطر بنتي. استلفت وعملت فرح في قاعة في مدينة نصر أكبر مني. بس كان فيه خط أحمر رسمته بدمي وحلفت عليه: الشقة لا.. لا بيع، ولا توكيل، ولا جنيه منها يروح لحد. وها هي بنتي مرمية قدامي ليلة دخلتها، ضهرها متشرح، عشان الخط الأحمر ده.
“احكيلي يا منة”، صوتي طلع واطي يخوف. “من الأول”. شهقت وهي بتضم الفستان المقطوع على صدرها. “بعد الفرح يا ماما… مصطفى. قاللي نقضي ليلة وبكرة نسافر السخنة. كنت طايرة من الفرحة”. “وبعدين؟” “دخلنا الشقة، قالي هنزل أجيب عشا من تحت وجاي. بعدها بشوية الباب اتفتح بمفتاح كان معاها”. عيونها وسعت من الرعب وهي بتفتكر. “دخلت أمه يا ماما. ومعاها دعاء وشيماء اخواته. وقفلوا الباب بالترباس”. إيدي اتخشبت على إيدها. “مسكتني من شعري”، صوتها اتحول لفحيح، ” طلعت ورقة من شنطتها. توكيل بيع للشقة. وقالتلي: امضي يا بنت الـ… امضي عشان نضمن إنك مش هتاخدي
حاجة من إبني أنا لازم أأمن مستقبل ابني بإيدي”. “قولت لأ”. “قولتلها دي شقتي وأبويا قال…” “ملحقتش أكمل. القلم الأول نزل على وشي خلاني أشوف نجوم. والتاني والتالت… يا ماما. وأخواته واقفين وراها يضحكوا. شيماء كانت ماسكة الموبايل وبتصور عشان تبتزني بيه، ودعاء تقول: العروسة اللي لسانها طويل لازم تتكسر من أول ليلة عشان تعيش”. الدم هرب من وشي. حسيت إني هقع. “ومصطفى؟ ابن الـ… كان بيعمل إيه؟”
دمعة سخنة نزلت على خدها السليم. “كان واقف برا الباب يا ماما. سمعت صوته بيقولها: اخلصي يا حاجة قبل ما حد من الجيران يصحى على الصوت… وأنا هتحجج إني كنت بجيب عشا. شكلي قدام الناس”. شكلي قدام الناس. دي كانت الجملة اللي فجرت الديناميت في صدري. نار، نار سودة قامت من بطني لحد دماغي. نار ماحسيتش بيها من 10 سنين، من يوم ما سبت بيت حماتي الأولى وأنا شايلة منة على كتفي وحالف ما بنتي تدوق اللي دوقته.
بس دي بنتي. لحمي. ودول كسروها في أول ليلة. مسكت تليفوني وإيدي بتترعش. منة مسكت إيدي بفزع: “يا ماما لا، بابا مقاطعنا بقاله 7 سنين من ساعة ما اتخانق معاكي على الورث. مش هيرد. وهيبقى شكلنا وحش قدامه”. بصيت في عينيها اللي وارمة، في شفايفها المفتوحة، في كرامتها اللي انداس عليها بالجزم. صوتي طلع ثابت وغريب حتى على وداني: “هتفضل بنته غصب عني وعنك وعن الدنيا كلها”. ودوست على الاسم اللي ممسحتوش من 10 سنين: الحاج منصور.
رن مرة، اتنين. رد بصوت نوم تقيل ومخنوق: “ألو؟ مين؟ أم منة؟ إنتوا كويسين؟ الفرح فيه حاجة؟” ماعنديش وقت للعتاب ولا للمقدمات. خدت نفس واحد، نفس واحد بس، ورميت الكلمة في وشه زي الرصاصة: “الحاج منصور… بنتك كانت هتموت ليلة دخلتها. حماتها ضربتها عشان تاخد الشقة”. الصمت اللي على الخط كان تقيل. سامعة نفَسه بس. وبعدين… صوته اتغير. النوم طار. الخشونة اختفت. حل محلها صوت سك.ين بتتسن على حجر.



