
صوت بارد، هادي، يرعب أكتر من الزعيق: “فين؟”. “عندي في البيت في الدقي. نفس العنوان القديم”. “40 دقيقة وأكون عندك”. وقفل. مفيش سلام، مفيش سؤال، مفيش ليه. بس “40 دقيقة”. قفلت وحضنت منة. كانت بتترعش زي العصفورة المبلولة. ولأول مرة من ساعة ما دخلت، عينيها اليمين الوارمة لمعت بحاجة. مش أمل، لسه بدري على الأمل. دي كانت شرارة. شرارة صغيرة، بس كفاية. 38 دقيقة بالظبط. الجرس رن رنة واحدة، قصيرة، آمرة.
فتحت الباب. الحاج منصور واقف. كان بايت في مكتبه في التجمع، لابس قميص نوم أبيض فوقه جاكيت جلد على عجل. شعره منكوش. مدخلش البيت ده بقاله 7 سنين. بس الوش… الوش ماكنش وش أب قلقان. ده وش قاتل محترف، جاي يخلص شغلانة. عينيه عدت من عليا كأني هوا، وثبتت على منة المرمية على الكنبة. خطى خطوتين، ونزل على ركبه جنبها على الأرض. مد إيده اللي فيها عروق نافرة، ولمس خدها السليم بحنية ماتتخيلهاش من راجل في حجمه.
“يا ضنايا…” قالها بصوت متحاش. منة فتحت عينيها المورمة بالعافية وهمست: “بابا… عرفت مكاني منين؟” الحاج منصور مردش. بس بصة واحدة للواد سيد اللي واقف وراه على الباب فهمتني. “سيد كان بيطمني عليكم من بعيد”. قالها كأنها حاجة بديهية. شاف الشفة المشقوقة، شاف الورم، شاف منظر الفستان. شاف الكدمات الزرقا على دراعها وهي بتحاول تغطيها. وفي اللحظة دي، شوفته بياخد نفس عميق. نفس طويل أوي. ولما طلّع النفس، كان الهوا اللي خارج من صدره متلج.
طلع تليفونه وداس على اسم. قال بصوت واطي بس كل حرف فيه سكينة: “الواد سيد… ساعة. عايز الحاجة فوزية وعيالها… صاحيين. والدكتور يوصل قبليكم”. فهمت ساعتها إن الليلة دي ماكنتش ليلة دخلتها. دي كانت ليلة إعلان الحرب. والحاجة فوزية غلطت غلطة عمرها. فاكرة إنها كسرت عروسة صغيرة وهتسكت. هي لسه ماتعرفش… إنها صحت أبوها. والحاج منصور مش بيسامح في لحمه. الحاج منصور بيدفن… يتبع — الفصل الثاني: الحساب مفيش حد اتكلم لمدة دقيقة كاملة بعد ما الحاج منصور قفل التليفون.
الصمت كان أتقل من الخرسانة. منة كانت بتبص لأبوها كأنها شايفة عفريت، وأنا كنت حاسة إن قلبي هيقف من البرود اللي في عينيه. ده مش الحاج منصور اللي كان بيزعقلي على مصروف البيت زمان. ده واحد تاني… واحد أنا معرفوش. قام من على الأرض بهدوء. هدوء يخوف أكتر من أي زعيق. مشي ناحية باب الشقة وفتحه على الآخر وسابه مفتوح. الهوا الساقع بتاع الفجر دخل علينا. بصلي وقال أول جملة مباشرة ليا من 7 سنين: “جهزي شنطة فيها هدوم لمنة. أي هدوم. مش راجعين هنا تاني”.
“رايحين فين؟” صوتي طلع واطي. “بيتي”. مستنيتش رد. “سيد هيبعت الدكتور الأول. وبعدين هنمشي”. قفل. بص لمنة اللي كانت بتحاول تقعد. “انتي سمعتي أنا قولت إيه؟ مفيش بوليس. ومفيش مستشفى حكومي. ومفيش حد هيعرف إنك اتلمستي. فاهمة؟ الفضيحة مش لبنتي”. منة هزت راسها وهي بتترعش. فهمت. الشرف والفضيحة في عُرف الحاج منصور أهم من القانون. دخلت أوضة منة ألم أي حاجة. إيدي بتترعش. سامعة صوته بيكلمها براحة غريبة: “مين اللي صور يا ضنايا؟”
“شيماء…” همست منة. “ومين اللي مسكت شعرك؟” “دعاء… والحاجة فوزية هي اللي ضربت”. “ومصطفى؟” سكتت منة. السكوت ده كان إجابة. إجابة خلت الهوا في الصالة يتلج أكتر. “تمام”. قالها كلمة واحدة. بس الكلمة دي كان فيها وعد. وعد أسود. بعد 25 دقيقة بالظبط، سمعنا صوت كاوتش بيفرمل تحت. عربية واحدة. اتنين بودي جارد لابسين أسود طلعوا الأول، وراهم راجل خمسيني شايل شنطة جلد، شكله دكتور بس عينيه عيون جزار. الحاج منصور شاورلهم على منة من غير كلام.
الدكتور قرب منها، كشف على نبضها وبؤبؤ عينها. بص للحاج منصور وهز راسه هزة خفيفة: “كدمات وكسر في الضلع الشمال غالباً… ورضوض. محتاجة أشعة في عيادتي الخاصة. بس… مش في خطر على حياتها”. الحاج منصور هز راسه. كأن كلمة “مش في خطر” كانت كل اللي عايز يسمعه. شاور لواحد من البودي جارد: “شيلها. على الفيلا. والدكتور معاكم”. الراجل شال منة زي الريشة. منة ما نطقتش، بس دفنت وشها في صدره من الكسوف والوجع.
قبل ما ينزلوا، الحاج منصور وقف في نص الصالة. عينيه لفت على الحيطة، على صور فرح منة المتعلقة. على النيش اللي الحاجة فوزية كانت بتتمنه من 3 شهور. بصلي. وقال جملته التانية ليا: “الساعة 5 الفجر هكون خلصت حسابي. وهاجي آخدك. تحبي تشهدي، ولا تستني النتيجة؟”. ونزل. فضلت واقفة 5 دقايق مش مستوعبة. البيت اللي كان فيه فرح من كام ساعة بقى مزار. مزار حرب. الساعة 5:05 الفجر، تليفوني رن. “انزلي”.
نزلت. لقيت عربية مرسيدس سودا متفيّمة مستنياه. ركبنا. طول السكة من الدقي للتجمع الخامس محدش فتح بوقه بكلمة.


