أنتِ فضلتِ متسمرة مكانك، أطرافك اتجمدت تماماً والد.م انسحب من وشك لدرجة إنك حسيتي ببرودة المو.ت بتسري في جسمك. عينيكي كانت معلقة على وش مازن اللي كان واقف بيبتسم ابتسامة مشوهة، ابتسامة ملهاش أي علاقة بملامح الجدع الطيب والزوج الحنين اللي عرفتيه وسندتي رأسك عليه سنين. كل دقة من دقات قلبك كانت بتضرب في د.ماغك زي المطرقة، والورق القديم بتاع المذكرات كان بيترعش بين إيديكي وصوت حفيفه بيفضح الخوف المرعب اللي أكل كيانك.
مازن حط إيده في جيبه بخفة، ومشي خطوات هادية ومتحسبة على أرضية الأوضة الخشبية. كل خطوة منه كانت بتبان ليكي زي كابوس بطيء الحركة.
قرب من المكتب، وحط إيده التانية على الحافة الخشبية، ومال بجسمه عليكي شوية، وعينيه نطقوا بنظرة تثبيت قاتلة زي نظرة الضبع لما يحاصر فريسته في زاوية ملهاش مخرج.
”مالك يا حبيبتي؟” مازن قالها بصوت ناعم، نبرة هادية جدًا تشبه السُم اللي بيدوب في العسل، وكمل وهو بيرفع إيده بالراحة خالص عشان يزيح خصلة شعر نزلت على وشك: “شكل ألوانك اتقطعت ليه كده؟ هو أنا مش مازن؟ مازن اللي مسح د.موعك في الكلية؟ مازن اللي كان بيوصلك لغاية باب شقتك عشان خايف عليكي من الهوا الطاير؟
ولا تكوني نسيتي الليلة اللي كنتِ بتعيطي فيها على كتافي وبتقوليلي إنك خايفة تتجنني؟”
صوتك اتخنق في زورك، حاولتي تتكلمي بس لسانك كان مربوط، شفايفك اترعشت وما طلعتش غير فحيح مكسور: “أنت… أنت اللي كنت بتعمل كده؟ الجوابات… الفستان الأزرق… الوقفة بالليل تحت العمارة… كل ده كان أنت؟”
ابتسامة مازن وسعت أكتر، وضحكة واطية مقطعة طلعت من حنجرته، ضحكة خلّت قشعريرة باردة تتسلل لظهرك. هز رأسه بالراحة وقعد على طرف المكتب جنب الأجندة اللي كنتِ ماسكاها، ومد صباعه وبدأ يقلب صفحاتها ببرود: “أنتِ فاكرة إن الحب ده حاجة بتيجي بالصدفة؟
فاكرة إن واحدة زيك، بالجمال ده والهدوء ده، كانت ممكن تلتفت لواحد عادي زيي لمجرد إنه قاعد جنبها في المدرج؟ لا يا حلوة… الحب الحقيقي لازم يتبنى، لازم يتعمل له مسرحية محبوكة صح. أنا شفتك من أول يوم دخلتي فيه الكلية، شفت الرقة اللي فيكي، وعرفت إنك محتاجة بطل… محتاجة حد ينقذك عشان تحبيه وتبصيله بامتنان.
وأنا بكرة الضعف، بس بحب أكون مصدر الأمان الوحيد في حياتك.”
عينيكي راحت للدبدوب الكحلي الكبير اللي كان محطوط على الركن في الأوضة، الدبدوب اللي كبرتي معاه وكنتِ بتحطيه جنبك على السرير في أوضتك القديمة، واللي نقلتيه معاكي لبيت الجواز باعتباره أغلى هدية جاتلك في حياتك. مازن لاحظ نظرتك، فبص للدبدوب وابتسم بنفس الابتسامة المريضة.
”أه… الدبدوب،” مازن قالها وهو بيقوم يقف ويروح ناحية الدبدوب، مسكه من رأسه ولفت عينيه ليكي: “عارفة الكاميرا الدقيقة اللي كانت في عينه؟ دي كانت أحلى حاجة في حياتي. كنت بقعد بالساعات بالليل بعد ما أسيبك، أفتح اللابتوب وأتفرج عليكي.
وأنتِ بتشربي الشاي، وأنتِ بتمشطي شعرك، وأنتِ خايفة وقاعدة في ركن السرير ماسكة المخدة وبتبكي… كنت بشوف كل تفصيلة، كل رمشة عين. حتى الفستان الأزرق… عارفة إنك كنتِ طالعة فيه زي الفراشة؟ أنا الليلة دي مانمتش، قعدت أكتبلك الجواب بخط إيدي وأنا بشرب قهوتي وبفكر إزاي الفستان ده ينملس عليه لما تبقي ملكي رسمي.”
المعدة عندك اتقلبت وحسيتي بغثيان شديد، الذكريات بدأت تتجمع في د.ماغك زي الشريط السريع؛ كل موقف خفتي فيه، كل د.معة نزلت من عينيكي، كل مرة جريتي فيها على مازن واستخبيتي في حضنه وتوسلتي له يفضل جنبك عشان خايفة من المجهول اللي بيراقبك… كل ده كان هو!
هو اللي كان بيكتب الجوابات المرعبة الصبح، وهو اللي كان بيمسح د.موعك بالليل ويقولك: “ماتخافيش يا قلبي، أنا جنبك ومش هسمح لحد يلمس منك شعرة.”
”أنت مريض…” الكلام طلع منك بالعافية، وحجم الصد.مة كان أكبر من قدرة عقلك على الاستيعاب: “أنت مش إنسان… أنت د.مرت حياتي! عيشتني في رعب سنين! حرمتني أعيش سنين شبابي طبيعية!
كنت بدخل الحمام وأنا بترعش، كنت بقفل الشبابيك وأنا حاسة إن فيه حد مخنوق معايا في الأوضة… كل ده كان تمثيلية منك؟”
مازن اتغيرت ملامحه في ثانية، الابتسامة الباردة اختفت تماماً وحل محلها نظرة غضب جحيمي، خطوتين سريعين وكان واقف فوق راسك، مسك فكك بين صوابعه بقوة خلّتك تصرخي صرخة مكتومة، وضغط على عظام وشك وهو بيبصلك بعينين مشتعلة: “تد.مير؟ أنا د.مرت حياتك؟! أنا خليتك ملكة! أنا حميتك من الدنيا كلها! مين كان هيهتم بيكي زيا؟ مين كان هيعرف أدق تفاصيلك؟ مين كان هيقف تحت مطر الشتا بالساعات عشان بس يطمن إن شباك أوضتك مقفول وأنتِ نايمة؟
أنا صنعت العياذ بالله من الخوف جواكي عشان أكون أنا العلاج! أنتِ فاهمة يعني إيه تكوني ملكي؟ أنتِ من غير خوفي عليكي ولا حاجة!”
نفض إيده من وشك بقوة خلّت رأسك تخبط في حرف المكتب، والد.موع نزلت من عينيكي مغرقة وشك. جسمك كله كان بيترعش، بس جواكي كان فيه شرارة حبل نجاة أخير بدأ يستعر؛ لو استسلمتي للرعب ده دلوقتي، عمرك ما هتطلعي من الأوضة دي عايشة، أو على الأقل مش هتطلعي بعقلك.
مازن وقف يتنفس بسرعة، مسح شعره لورا ورجعت الابتسامة المريضة ترتسم على شفايفه تدريجياً، كان بيبصلك زي ما يكون بيبص للوحة فنية هو اللي رسمها ومستمتع بالنتيجة. قرب منك تاني ووطى على ركبتوش عشان يبقى في مستوى وشك وأنتِ قاعدة على الأرض.
”دلوقتي بقى…” مازن قالها بنبرة أهدى، وبدأ يلمس شعرك بأطراف صوابعه: “أنتِ عرفتي السر. السر الصغير اللي كنا متأجلين نعرفه. وده معناه إن اللعبة دخلت في مرحلة جديدة خالص يا عروسة. خلاص مبقاش فيه داعي للتمثيل، ومبقاش فيه داعي تعملي فيها الزوجة المستقلة اللي بتطلع وتدخل براحتها. أنتِ من النهاردة هتفضلي هنا… تحت عيني، تحت أماني المباشر.
مش هتحتاجي تخرجي، ولا هتحتاجي تتقابلي مع حد، لأن العالم برة مليان أشرار ومجانين… مش كده برضه؟”
عينيه كانت بتمشي على وشك بثبات يخوف، ود.ماغه كانت بتفكر في الخطوة الجاية. أنتِ حركتي رأسك بالبطء، وحاولتي تتنفسي بانتظام، كتمتي صرختك وحاولتي تلعبي على وتر المرض اللي جواه، الوتر اللي هو بناه على مدار سنين: الاحتياج لأنه يكون البطل.
”مازن…” صوتك طلع مهزوز ومبلول بالد.موع، بس كان فيه نبرة استسلام ظاهري هو كان متلهف يسمعها: “أنت… أنت ليه عملت كده؟ لو كنت جيتلي وقلتلي إنك بتحبني من الأول… مش كان زماننا برضه مع بعض؟
ليه الرعب ده كله؟”
مازن بصلك بنظرة فيها شوية شفقة واستعلاء، وهز رأسه بنفي: “لا يا حلوة، أنتِ كنتِ شايفاني مجرد زميل عادي، شاب غلبان بيقعد في أواخر المدرج. كنتِ بتبصيلي وتعدي زي أي حد. كان لازم تبقي محتاجة لي، كان لازم تحسي إن الدنيا من غيري طلام وخراب. أنتِ معرفتيش قيمتي إلا لما الخوف أكل قلبك. وادينا أهو… اتجوزنا، وبقيتي في بيتي، وبقيت أنا كل حاجة في حياتك.”
في اللحظة دي، وصوت أنفاسه المريضة بتملا الأوضة المقفولة، عينيكي لمحتي على سطح المكتب حاجة لمعت تحت ضوء الأباجورة الخافت؛ كانت قاطعة أوراق معدنية حادة، محطوطة جنب المكالمات والأوراق.
المسافة بين إيدك وبين القاطعة كانت سنتيمترات قليلة، بس المسافة بينك وبين الباب المقفول بالمفتاح كانت أمتار.
مازن قام وقف تاني، ولف ظهره ليكي عشان يحط الأجندة القديمة جوة الخزنة الصغيرة اللي كانت مفتوحة في حيطة المكتب، وقال وهو بيديها ظهره بثقة مطلقة: “دلوقتي أنا هقفل عليكي الأوضة دي لغاية الصبح، لحد ما تهدأي وتفكري في الكلام اللي قلته، وتستوعبي إن مفيش مخرج تاني، وإن حياتك معايا هي الحقيقة الوحيدة المتبقية.”
أول ما لف ظهره وبدأ يدخل الأجندة، صوابعك انقبضت حولين إيد قاطعة الأوراق المعدنية.
الد.م كان بيغلي في عروقك، والخوف اللي عيشتيه سنين طويلة تحول في لحظة واحدة لغضب عارم وحشي…
وفجأة، حركة سريعة هزت سكون الأوضة، وصوت حديد المشرط وهو بيتمسك بقوة كان البداية لليلة مش هتنتهي بسهولة…وقفتِ من على الأرض في خفضة صامتة وسريعة زي الطيف، النبض في عزل رقبتك كان بيدق بصوت مرعب في ودانك، وإيدك كانت قابضة على إيد قاطعة الأوراق المعدنية لحد ما عقل صوابعك ابيضّت من كتر الضغط.
كل لحظة رعب عشتيها في حياتك، كل ليلة قضيتيها بتبكي في الزاوية وأنتِ خايفة من الضلوع والشبابيك، وكل د.معة مسحها ليكي بإيده الخاينة دي… اتجمعت كلها في نقطة غضب واحدة صافية وولعت في د.مك.
مازن كان مدي ليكي ظهره، بيقفل باب الخزنة الصغيرة بثقة عمياء، ثقة واحد عاش سنين متحكم في كل تفصيلة في حياتك وشايفك مجرد “عروسة لعبة” ضعيفة مالهاش أي إرادة.
وفجأة، وقبل ما يلحق يلف، انقضيتي عليه بكامل وزنك وقوتك اللي طلعت من العد.م.
المعدن الحاد بتاع القاطعة غرز في كتفه من الخلف بقوة خلّت الصرخة تتخنق في زوره!
مازن اتنفض وجسمه اتخشّب من الصد.مة قبل الوجع، والأجندة وقعت من إيده على الأرض بتخبيط مكتوم. لف ليكي بسرعة وحشية وهو ماسك كتفه والد.م ينزف بين صوابعه، عينيه كانت متسعة على الآخر ومش مصدق إن “عروسته الهادية” ممكن تجرؤ وتعمل كده.
”أنتِ جنيتي يا بنت الـ…!” صرخ فيها وهو بيحاول يمسك إيدك التانية، بس أنتِ كنتِ خلاص اتحولتي.
زقيتيه بملء قوتك في صوّار المكتب الخشبي، فالتربيزة اتزحزحت وعليها الأباجورة اللي اتكعبلت وسقطت على الأرض، والنور الخافت اتحول لظلال مرعبة بتقفز على الحيطان. مازن ترنح للخلف وشهيته للسيطرة تحولت لذهول كامل، وأنتِ استغليتي الفرصة وفي ثانية واحدة جريتي ناحية الباب!
صوابعك المرتعشة نزلت على إيد الباب ودستيها بكل قوتك… بس الباب كان متكلبش والمفتاح جوة جيب بنطلونه!
”فاكرة نفسك رايحة فين؟!” صوت مازن طلع من وراكي زي زمجرة حيوان جريح، وسمعتي صوت خطواته الثقيلة وهي بتقرب منك بسرعة.


