منوعات

العريس المجهول

​سحبتي نفسك للجنب في أخر لحظة، وإيده العنيفة خبطت في الباب الخشب جمد بدالك. لفيتي وجسمك لزق في الحيطة، قاطعة الأوراق كانت لسه في إيدك ومغروزة فيها قطرات د..مه. مازن كان واقف على بعد خطوات، بيتنفس بصعوبة وشكله اتحول لكابوس حي؛ وشّه مشوه بالغضب، وكتفه الشمايل مغرق هدومه بالد.م، والابتسامة المريضة راحت وحل محلها نظرة جنون صافية.
​”أنا عملت كل ده عشانك…” قالها بنبرة صوت مقطعة ومرعبة، وهو بيمشي ناحيتك بالراحة ويقفل عليكي أي مساحة للهروب: “أنا بنيتك من جديد! أنا خليتك تصدقي إنك ولا حاجة من غيري! جاية دلوقتي تطعنيني؟

ده أنا اللي عملتك يا عروسة!”
​”أنت مش بنيتني… أنت سحلتني في جهنم!” صرختِ فيه وصوتك هز الأوضة المقفولة، الد.موع كانت نازلة من عينيكي بس عينيكي كانت ثابته في عينيه بحدّة لأول مرة في حياتك: “أنت المريض اللي اختلق الكابوس عشان يمثل دور البطل! أنت أحقر بني آدم أنا شفته في حياتي!”
​مازن هجم عليكِ فجأة زي الفهد، ومسك إيدك اللي فيها المشرط وضغط على معصمك بقوة رهيبة خلّت العظم يزيّق. صرختِ من الوجع والمشرط وقع من إيدك ورن على الأرض الخرسانية.

زقك على الأرض ونزل فوقيكي، إيده التانية انقضت على رقبتك وبدأ يضغط بكل غله، عينيه كانت مثبتة في عينيكي وقريبة لدرجة إنك كنتِ حاسة بسخونية أنفاسه المريضة.
​”مش هتدخلي حد تاني حياتك…” كان بيهمس وهو بيخنقك والأكسجين بيسحب من جسمك تدريجياً: “طالما مش هتبقي ليا وبس… يبقى مش هتبقي موجودة أصلاً… إحنا هنفضل مع بعض هنا… للأبد.”
​الدنيا بدأت تظلم في عينيكي، ونبضك بدأ يضعف، وصوته كان بيبعد وبيتحول لوشيش غريب.

في اللحظة اللي حسيتي فيها إن دي النهاية وإن الكابوس هيقفل عليكِ الأبواب للأبد، صوابعك اللي كانت بتخبط العما على الأرض لمست حاجة ثقيلة ومعدنية… قاعدة الأباجورة اللي كانت واقعة جنبك!
​بأخر نقطة وعي وقوة فاضلة في جسمك، رفعتِ القاعدة المعدنية الثقيلة بكل غلك وخبطتيها في جنب رأسه!
​صوت الخبطة كان مكتوم، ومازن صرخ صرخة مكتومة وإيده اترخت من على رقبتك فوراً. ترنح للجنب وهو ماسك رأسه والد.م بدأ يسيل من شعره. أنتِ شهقتِ ونفسك أخيرًا دخل زورك زي النار، زقيتيه برجلك بعيد عنك وقمتِ بتزحفي على الأوضة وأنتِ بتتنفصي بالعافية.

​جريتي على جسمه اللي كان قاعد ومذهول بيحاول يستوعب الضربات، وبصوابع بترتعش دخلتي إيدك جوة جيب بنطلونه وسحبتي الميدالية والمفتاح!
​مازن رفع رأسه وبصلك بنظرة مرعبة وهو بيحاول يقف تاني: “لا… مش هتمشي…”
​جريتي ناحية الباب، حطيتي المفتاح في الكوالين وإيدك بتتنفض، سمعتي خطواته الثقيلة وهي بتجري ناحيتك من ورا… تكة! المفتاح لف، فتحتي الباب وزقيتيه بكل قوتك لبرة، وطلعتي تجري في صالة الشقة الضلمة!
​مازن خرج وراكي من الأوضة وهو بيصرخ باسمك بصوت يرعب الحيطان: “ييييا عروووسة!

مفيش هروب مني!”
​طلعتي تجري على باب الشقة الرئيسي، فتحتي الترباس والأقفال بسرعة مجنونة وأنتِ سامعة صوت خطواته وهي بتقرب وتطبش في العفش في الضلمة. فتحتي باب الشقة وخرجتي للسلالم بتصرخي بـ أعلى صوت عندك: “الحقوووني! الحقوووني يا ناس!”
​صوت صريخك هز العمارة بالكامل بالليل، وبدأتي تنزلي السلالم جري حافية، رجليكي كانت بتخبط في السلم ود.موعك مغرقاكي. من فوقيكي، سمعتي صوت باب الشقة بيتزبد وصوت مازن وهو نازل وراكي على السلالم بخطوات سريعة ومجنونة، صوته كان بيلف في منور العمارة زي اللع.نة: “مش هتعرفي تهربي مني! أنا في كل مكان يا عروسة!

أنا اللي حاميكي!”
​وصلتي للدور الأراضي وأنتِ حاسة إن قلبك هيقف، وضغطتي بكل قوتك على باب العمارة الحديد الفخار وخرجتي للشارع الضلمة تحت المطر الخفيف اللي كان نازل…
​الشارع كان فاضي وهادي، وأنتِ واقفة في النص بتتنفصي بصعوبة، بصيتي وراكي لقيتي مازن طالع من باب العمارة وشكله زي الشبح المغرق بالد.م، بيقرب منك بخطوات ثابته وابتساماته المريضة رجعت تترسم على وشه تاني وهو حاطط إيده في جيبه…
​وفجأة… نور عربية قوي أضاء الشارع بالكامل، وصوت سرينة عربية بليس بدأ يرن ويشق سكون الليل من بعيد…ضوء الكشافات القوي عما عينين مازن لثواني، وصوت السرينة كان بيكبر وبيشق صمت الشارع.

مازن اتسمر مكانه على سلم العمارة، الابتسامة المريضة اختفت من وشه وتحولت لملامح ذعر وذهول، كان بيبصلك وبيص للبوليس ومش مصدق إن السيطرة المطلقة اللي عاش فيها سنين اتكسرت في لحظة.
​عربية البوليس وقفت بفرملة حادة، والأبواب اتفتحت ونزل منها أفراد الشرطة وسحبوا أسلحتهم وهم بيصرخوا فيه: “حط إيدك فوق رأسك واثبت مكانك!”
​مازن رفع إيديه بالراحة وهو بيبصلك، وعينيه كان فيها نظرة هوس مرعبة مش ممكن تتمحي.. نظرة بتقول إنه حتى وهو بيتقبض عليه، شايف إنك ملكه.

الظباط هجموا عليه وكتفوه على الأرض وهو بيقاوم، وفي اللحظة اللي كانوا بيركبوه فيها الكلبشات، مال برأسه ناحيتك وزعق بصوت مبحوح هز الشارع كله: “مش هتعرفي تعيشي من غيري يا عروسة! أنا الأمان الوحيد اللي عرفتيه في حياتك! هتحتاجيني وهترجعيلي!”
​أنتِ كنتِ واقفة في المطر، جسمك كله بيترعش والد.موع نازلة من عينيكي بتختلط بمية المطر، بس لأول مرة من سنين… حسيتي إن الهوا بيدخل صدرك من غير ما يعصر قلبك الخوف. الكابوس اللي عشتي فيه سنين اتفككت أسراره، والمنقذ المزيف اتقلب عليه السحر ووقع في شر أعماله.

​الظباط أخدوا مازن وركبوه العربية، وواحدة من المفتشات جابت بطانية وحطتها على كتافك وأخدتك على عربية الإسعاف عشان يعالجوا جروحك ويتأكدوا إنك بخير.
​بعد مرور ستة أشهر…
​كنتِ قاعدة في كافيه هادي طلته على النيل، بتشربي القهوة بتاعتك والشمس الدافية ضربة في وشك. حياتك بدأت ترجع لمسارها بالتدريج، المذكرات والأدلة اللي البوليس لقاها في شقة مازن كانت كفيلة إنها تحكم عليه بحكم قاسي ويدخل المصحة النفسية التابعة للسجن تحت حراسة مشددة.
​أخيراً بقيتي تنامي بالليل من غير ما تقفلي الباب بالمفتاح ميت مرة، وبقيتي تمشي في الشارع وأنتِ رفعة رأسك من غير ما تبصي وراكي كل دقيقة.

​رفعتي فنجان القهوة وبصيتي للموج اللي بيتحرك بهدوء، وحسيتي براحة حقيقية لأول مرة في حياتك.
​بس وفجأة… والهدوء مالك المكان… جرس تليفونك رن بنغمة رسالة جديدة.
​مسكتي الموبايل بفضول وفتحي الشاشة… كان رقم مجهول مش مسجل عندك. فتحتي الرسالة، والد.م اتجمد في عروقك في ثانية واحدة لما قريتي المكتوب:
​”القهوة مظبوطة النهاردة زي ما بتحبيها… بس القعدة على النيل كانت هتبقى أحلى بكتير لو لابسة الفستان الأزرق يا عروستي الحلوة.”

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى