اميرة كانت بنت من بتوع الكتب، اللي هو الكتاب مابيفارقش ايديها حتى وهي راكبة الميكروباص، حتى وهي بتغسل المواعين لامها سهير. سهير ست طيبة بس شديدة، كانت دايما تقولها يا اميرة يا بنتي احنا مالناش غير شهادتك، الحب ده بيجي ويروح انما الشهادة هي اللي هتسندك لما الدنيا تميل بيكي. واميرة كانت بتحب محمود حب عمرها كله، حب من بتاع ابتدائي، من وهما بيجروا ورا بعض في حارة شبرا، محمود ابن الجيران اللي ساكن في البيت اللي قصادهم، الواد الجدع اللي بيجيب لها الكتب المستعملة من سور الازبكية وبيقعد يستناها تحت البلكونة بالساعات عشان بس يشوفها وهي نازلة رايحة الدرس.
محمود كان بيحبها حب مجنون، وكان شايفها حاجة كبيرة اوي، كان بيقولها انتي هتبقي حاجة كبيرة يا اميرة وانا هفضل جنبك لحد ما تبقيها. وهي كانت مصدقاه، كانت شايفة مستقبلها كله في عينيه. لما دخلوا ثانوية عامة، اميرة جابت مجموع يوديها طب القاهرة، ومحمود جاب مجموع هندسة بس على الحروكروك، دخل معهد هندسة خاص في اكتوبر واهله كانوا بيزقوا معاه بالعافية في المصاريف. ومن هنا ابتدت الدنيا تفرق بينهم.
هي بقت في عالم تاني، عالم البالطو الابيض والمشرحة والسكاشن اللي للفجر، وهو بقي في عالم الشغل بعد الدراسة عشان يساعد ابوه خالد، عم خالد كان سواق ميكروباص وراجل على قد حاله، وكان نفسه يشوف محمود مهندس قد الدنيا.
سهير كانت كل يوم تقولها يا اميرة فوقي، الواد كويس وكل حاجة بس انتي طالعة لفوق وهو لسه تحت، بكرا لما تبقي دكتورة قد الدنيا هتبصيله ازاي، الحب مش هيأكلك عيش يا بنتي. واميرة كانت بتعيط وتقولها يا ماما انا بحبه، ده محمود ده عشرة عمري، ده اللي استحملني وانا بذاكر وبيعملي الشاي ويقعد جنبي يحفظني المصطلحات الانجليزي وهو مش فاهم حاجة.
بس الكلام كان بيدخل جواها حتة حتة، خصوصا لما ابتدت تروح مؤتمرات وتشوف الدكاترة الكبار والدكتورة شمس، دكتورة شمس كانت استاذتها في النسا والتوليد، ست قوية وناجحة ومتجوزة دكتور كبير، كانت دايما تقولها انتي شاطرة يا اميرة، انتي ليكي مستقبل برا مصر كمان، اوعي تضيعي نفسك في جوازة بدري تربطك وتخليكي غسالة وطباخة.
وفي سنة رابعة طب، محمود جالها وطلب يتقدملها رسمي، كان محوش تمن دبلتين وجايب ابوه خالد وامه وفرحان، وقال لسهير يا طنط انا عارف اني لسه في اول الطريق بس والله هخليها اسعد واحدة في الدنيا، انا بحبها من وانا عيل صغير. سهير بصتله بصة كسرة نفسه وقالتله يا ابني انت زي ابني بس بنتي لسه قدامها مشوار طويل، وطب ده سبع سنين وماجستير وسفر، استنوا شوية. محمود خرج يومها مجروح.
اميرة فضلت بعدها اسبوع مش بتنام، محمود مش بيرد عليها، ولما راحتله تحت البيت لقيته قاعد على القهوة وشكله دبلان، قالها بصي يا اميرة انا بحبك وعايز اتجوزك دلوقتي، مش قادر استنى اكتر من كده، كل صحابي اتجوزوا وانا لسه باخد مصروف من ابويا، انا عايزك جنبي. وهي قالتله وانا عايزة ابقى حاجة يا محمود، انا لو اتجوزت دلوقتي هضيع، اهلي صرفوا عليا دم قلبهم، انا مش هينفع ابقى زوجة دلوقتي، انا عايزة ابقى دكتورة.
اتخانقوا خناقة كبيرة اوي، هو قالها انتي اتغيرتي، بقيتي بتبصيلي من فوق، انتي بقيتي شايفاني قليل. وهي من كتر ما هي موجوعة راحت قايلة الجملة اللي ندمت عليها عمرها كله، قالتله ايوة يا محمود انا اللي سبته، انا مش عايزاك في حياتي، روح شوف حالك بعيد عني. محمود سمع الكلمة ووشه احمر ومشي، ومن يومها مشافهاش تاني، عرفت بعدها انه ساب المعهد وسافر اسكندرية اشتغل في شركة مقاولات مع واحد قريبه، وبعدها سمعت انه اتجوز، اتجوز واحدة اسمها راشد، لا مؤاخذة واحدة اسمها راشا، بنت طيبة من اسكندرية، وامه قالت لسهير انه خلف وبقى زي الفل.
اميرة كملت طريقها، اتخرجت بتقدير امتياز، بقت معيدة، عملت ماجستير نسا وتوليد، سافرت بعثة سنتين انجلترا، رجعت بقت الدكتورة اميرة، اشهر دكتورة نسا في مستشفى كبير في القاهرة، اللي الستات بتيجي لها من اخر الدنيا عشان تولد على ايديها، بقت اللي بيتقال عليها ايديها تتلف في حرير. بس كل ده كان من برا، من جوا كانت فاضية، اوضتها فاضية، سريرها فاضي، قلبها فاضي، كل ما تشوف عيل صغير في المستشفى تفتكر محمود وتقول يا ترى لو كنت كملت معاه كان زماني مخلفة منه حتة عيل شبهه.
سهير كانت بتبصلها وتقولها يا بنتي انا كنت خايفة عليكي، بس شكلي كنت غلط، انتي بقيتي دكتورة قد الدنيا بس وشك دبلان، مفيش راجل في حياتك ولا عيل يشيل اسمك. اميرة كانت تسكت، ماكانتش بترد، لانها عارفة انها هي اللي اختارت، وهي اللي سابت حب عمرها عشان مستقبلها.
وفي يوم كان شيفت ليلي طويل جدا، الساعة كانت اتنين بعد نص الليل، المستشفى هادية والدنيا بتمطر برا، واميرة قاعدة في اوضة الاستراحة بتشرب قهوة وعينيها هتقع من التعب، لقت الممرضة داخلة بتجري وبتقولها الحقي يا دكتورة اميرة، في حالة ولادة جاية طوارئ، ست بتولد والجنين مقلوب والضغط واقع ومحتاجة دكتورة كبيرة حالا. اميرة قامت لبست الجوانتي وجريت على اوضة العمليات، اول ما دخلت شافت الست على السرير بتصرخ من الوجع، ست صغيرة في السن وغلبانة وشكلها تعبان اوي، وجنبها راجل ماسك ايديها وبيعيط وبيقولها معلش يا راشا استحملي، الدكتورة جت اهي وهتبقي كويسة.
اميرة سمعت اسم راشا وقلبها اتقبض، رفعت عينيها عشان تبص للراجل، لقيته محمود. محمود، حب عمرها، ابو ضحكة جنان، واقف قدامها بعد اتناشر سنة، شعره بقى فيه شعر ابيض، ووشه بقى ارجل واتقل، بس عينيه هي هي، نفس النظرة اللي كانت بتبصلها زمان. محمود هو كمان اتصدم، فضل متنح ثانية وبعدين قال بصوت واطي اميرة. الدنيا لفت بيها، ايديها اترعشت، الممرضة بتقولها يا دكتورة الحالة بتسقط، واميرة بتحاول تتماسك، مش قادرة، ده محمود، محمود اللي هي سابته، جايب مراته تولد على ايديها، يا للقدر.
قالت للممرضة بسرعة حضري كل حاجة، وشالت كل حاجة من دماغها، دلوقتي مفيش اميرة ومحمود، في دكتورة ومريضة بتموت هي وابنها. كشفت على راشا، لقيت الوضع صعب جدا، الحبل السري لافف حوالين رقبة البيبي والولادة متعسرة ومحتاجة قيصرية حالا، ولو اتأخرت ثانية الام والجنين هيروحوا. دخلت اوضة العمليات، ومحمود برا بيعيط زي العيل الصغير وبيصلي وبيقول يا رب، جوا اميرة كانت بتترعش بس اول ما مسكت المشرط ايديها ثبتت، شمس استاذتها زمان علمتها ان الدكتور مالوش قلب جوا اوضة العمليات، ليه ايد بس.

