منوعات

كاميليا

الرسالة ظهرت على شاشة فريدة وهي بتختار ورد الفرح. “كل سنة وأنتِ طيبة يا كاميليا. بالنسبة لي أنتِ خلاص بقيتي من العيلة، كنة قلبي ورضايا. قريب أوي كل حاجة هترجع لمكانها الصح.” اللي باعتة الرسالة كانت فايزة، أم طارق خطيبها. فريدة حست إن إيديها اتجمدت مكانها. هي اسمها مش كاميليا، ولا كان عيد ميلاد حد تعرفه. وقبل ما تلحق تفتح الواتساب، الرسالة اتمسحت. فايزة مسحتها. بعدها بدقيقة جتلها رسالة ثانية:

—معلش يا حبيبتي، قطعت على الاسم بالغلط. بس كده. فريدة فضلت تبص للشاشة. فاضل سبع أسابيع على الفرح. كانوا خلاص حجزوا قاعة في المعادي، ودفعت العربون للمصور، والمقاسات والدعوات أتقفلت. على مدار أربع سنين، طارق كان هو الراجل الهادي اللي بيقف جنبها، بيمشي معاها للادكاترة لما باباها يتعب، بيجيب لها القهوة لشغلها في التجمع، والحيادي اللي بيكرر دايماً إنه عمره ما ياخد خطوة كبيرة من غير ما يرجع لها. وفايزة كانت بتعاملها كأنها بنتها فعلاً.

عشان كده الجملة دي وجعتها أكتر ما كانت معترفة لنفسها. كنة قلبي. في الليلة دي متكلمتش. ردت بـ “ولا يهمك يا طنط” وقفلت الموبايل. كانت بتحاول تقنع نفسها إن أكيد في سبب بسيط وعادي. بعدها بيومين، فايزة عزمتها عندها في البيت في المقطم عشان ينقوا ألوان مفارش القاعة. فريدة وصلت بدري عن المعاد لأن اجتماع الشغل خلص بدري. أول ما فتحت باب الشقة، سمعت صوت طالع من الصالة. —متلقيش يا كاميليا —كانت فايزة بتبتسم وبتقول— طارق عارف هو بيعمل إيه. المهم دلوقتي صحتك وصحة اللي في بطنك.

فريدة اتسمرت في الطرقة. سكتوا فجأة. وبعدها طلعت واحدة في الثلاثينات شايلة شنطة هدايا، وعينيها متورمة كأنها كانت بتبكي. فايزة طلعت وراها ووشها جاب ألوان أول ما شافت فريدة. —إيه ده، جيتي بدري؟ —اه، الاجتماع اتلغى. الست مشيت من جنب فريدة من غير ما تبص لها ولا تتعرف عليها. وقبل ما تخرج، فايزة مسكت إيدها بطريقة فيها حنية مش بتاعة حد غريب. —هكلمك كمان شوية يا كيمو. كيمو. فريدة حست إن الرسالة الممسوحة رجعت تنور في دماغها تاني.

طول النص ساعة اللي بعد كده، فايزة كانت بتتكلم بسرعة وبزيادة. قالت إن كاميليا دي بنت واحدة صاحبتها من الجامع، حبلة وبتقابل مشاكل مع جوزها، وهي بتحاول تقف جنبها. فريدة ابتسمت، وسألت على القماش، ومثلت إنها مقتنعة. بس لما نزلت من الشقة، ما كانتش بتفكر في مفارش القاعة خالص. في نفس الليلة تقابلت مع طارق في مطعم في الشيخ زايد. استنت لحد ما بقى رايق. —أنا قابلت صاحبة مامتك النهاردة. كاميليا.

شوكة طارق اتجمدت في إيده. كانت ثانية واحدة، بس فريدة لمحتها. —كاميليا مين؟ —مش عارفة. طنط قالت إنها بنت صاحبتها من الجامع. طارق شرب مية قبل ما يرد. —اه اه، تقريباً عرفتها. —تعرفها؟ —من بعيد لبعيد. فريدة بصت له أوي. —غريبة، مامتك بتدلعها وبتقول لها كيمو. طارق ابتسم، بس الابتسامة ما وصلتش لعينيه. —أمي بتدلع أيا حد اصلاً. ولما جيه يوصلها الليلة دي، باس دماغها زي كل مرة. فريدة حست إنه بيبوس واحدة ثانية، النسخة المغفلة اللي هو فاكر إنها لسة بتثق فيه.

بعد ثلاث أيام، ظهرت أول خيط واضح ومستحيل تتجاهله. طارق طلب منها وهي في الشغل تفتح اللاب توب بتاعه وتشوف ملف حجز القاعة عشان هو نسى يبعته للراجل. فريدة فتحت الفولدر المشترك بتاع الفرح. بين الأسعار وقوائم المعازيم، لقت ملف نازل قريب باسم غريب: “خطة مارس-يونيو”. ما فتحتوش. بس الشاشة كانت مبينة معينة للملف. كان فيه تواريخ، ومبالغ، وجملة باينة في أول صفحة: “بعد كتابة الكتاب والتنازل عن شقة أكتوبر، تسديد ديون العيلة.”

فريدة نفسها اتقطع للحظة. شقة أكتوبر. من كام شهر، طارق كان بيزن عليها تبيع الشقة الصغيرة اللي هي شاريها بفلوسها من قبل ما تعرفه، عشان يدفعوا مقدم لفيلا أكبر. وكان كمان بيقترح إنها بعد الجواز تدخل شريكة مع أبوه في مصنع المواد البناء بتاعه اللي كان “بيمر بأزمة بسيطة”. فريدة عمرها ما قالت اه. كانت دايماً بتقول له “نشوف بعد الفرح”. قفل اللاب توب. ما بقتش دور على مبررات رومانسية.

بقت تدور على حقيقة. تاني يوم راحت لصحبتها هدى، محامية شاطرة في الأحوال الشخصية والمعاملات المالية. ورتها سكرين شوت الرسالة اللي لحقت تاخدها من الإشعارات، وحكت لها عن كاميليا والجملة اللي شافتها في الملف. هدى ما اتخضتش. —أهم حاجة متواجهيش حد دلوقتي. أمني نفسك وفلوسك الأول. ثانياً، متوقعيش على أي ورقة. ثالثاً، لازم تعرفي هما مستنيين منك كام بالضبط بعد الجواز. فريدة خرجت من عندها بحس مختلف. كانت لسة موجوعة، بس الخوف اتغير لبصيرة.

دلوقتي هي صاحية ومفتحة. واللي اكتشفته خلال العشر أيام اللي بعد كده، حول مجرد شك لـ كابوس أصعب بكثير مما كانت تتخيل. فريدة بدأت بأسهل حاجة: تراجع الرسائل والإيميلات اللي طارق كان بيبعتها لها طول الشهور اللي فاتت. المرة دي ما قرأتهاش بعيون خطيبة بتحب، لا قريتها كحد بيدور على خطة أو نمط بيتكرر. “لما نبقى في بيت واحد الموضوع هيبقى أسهل في حركة الفلوس.” “بابا هيرتاح أوي لو دخلتي معانا شريكة.”

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى