منوعات

طرد زوجته الحامل

سحب المحامي عدة وثائق وأوضح أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية، حاول شخص ما الحصول على معلومات حول ممتلكات داليا باستخدام صور من هويتها، وعقد زواجهما، وتوقيع مزور. بل واستخدم المنزل الزوجي كضمان لطلب قروض بقيمة **18 مليون ريال**. قال داليا: — “لكن المنزل باسمنا نحن الاثنين؟” — “كان كذلك…” وضع المحامي الصك أمامها؛ لقد قدم ماجد وكالة مزورة لنقل ملكية المنزل بالكامل لشركة تُدعى *”استثمارات الرياض العالية”*، وهي شركة يملكها هو وشريكته… **رندة**.

شعرت داليا بألم في صدرها؛ لم تكن المسألة مجرد خيانة زوجية، بل كان مخططاً لسرقة بيتها أثناء غيابها في مهماتها العسكرية، وتحميلها الديون وإلقائها في الشارع. سألت داليا: — “هل كانت رندة تعلم بالأمر؟” — “هذا ما سنكتشفه في التحقيقات.” طلبت داليا التواصل فوراً مع الإدارة القانونية العسكرية. وفي اليوم نفسه، أُحيلا للتحقيق في قضيتين: الأولى بتهمة محاولة اختراق معلومات سرية مكفولة بالقانون العسكري، والثانية أمام النيابة العامة بتهم التزوير، والإحتيال، واستغلال البيانات الشخصية.

عندما استلم ماجد إخطار النيابة، عاد ثائراً إلى المستشفى، لكن الحراس منعوه من الدخول. صرخ بانهيار: — “هي زوجتي! أريد رؤية ابنتي!” نزل المحامي عبد الله لمقابلته وقال ببرود: — “العقيد داليا رفعت دعوى طلاق فورية وحصلت على أمر حماية كفيل بمساءلتك إن اقتربت.” ضحك ماجد بوهن وزيف: — “حماية من ماذا؟! أنا لم ألمسها قط!” — “لقد طردتها في ليلة ولادتها وهي تعاني من المخاض، وزوّرت توقيعها لرهن العقار.”

— “هذا افتراء!” أراه المحامي تقريراً مبدئياً: — “التوقيع لا يطابق توقيعها، والموثق العقاري شهد بأنه لم يصدق على هذا المستند مطلقاً.” شدّ ماجد على قبضتيه وقال: — “داليا تعتمد عليّ، ولا تملك نفقة خوض حرب قانونية معي!” شعر المحامي بشبه شفقة على جهله وقال: — “سيد ماجد… زوجتك استلمت للتو ميراثاً صريحاً بقيمة **20,000,000 دولار**.” تجمّد ماجد في مكانه وابتلع ريقه: — “كم؟!” — “سمعتني جيداً.” تلاشت كل علامات الكبرياء من وجهه، وأدرك أن المرأة التي وصفها بـ “الحمولة الثقيلة” تملك ثروة لا يستطيع جمعها ولو عاش عدة حيوات.

فقال بلهفة وجشع: — “هذا المال ملك لي أيضاً! نحن متزوجان!” — “أموال الميراث لا تدخل في الشراكة الزوجية وفق القانون إذا كان الصندوق يعين مستفيداً حصرياً. ناهيك عن أن الأموال حُوّلت بعد أن طردتها وأعلنت نيتك للطلاق أمام شهود.” صاح ماجد بحنق: — “لقد أخفت عني الأمر! هذه خيانة!” — “بل كان التزاماً قانونياً بالسرية العسكرية والمالية… وأنت استغللت موقعك لتحاول سرقتها.” تفاقم الوضع بعد ثلاثة أيام، حيث تقدمت رندة شهادة طوعية أمام النيابة العامة. أتت بلا مساحيق تجميل، وبدون الخاتم، وقدمت كافة التسجيلات والمحادثات والبريد الإلكتروني.

أثبتت التحقيقات أن ماجد أوهمها بأن داليا مهملة، وتدعي الحمل لابتزازه، وأن البيت ملكه الخاص. ووعدها بشراء فيلا فاخرة في **حي حطين بالرياض** فور انتهاء الطلاق. ورغم اعتراف رندة بموافقتها على أن تكون شريكة في الشركة، إلا أنها أثبتت جهلها التام بتزوير الوكالة. وقالت للنيابة: — “كنت غبية واندفعت خلف وعوده، لكن عندما رأيت العقيد في المستشفى، علمت أن كل كلمة قالها كانت محض كذب.” وكانت الصدمة الأكبر تسجيل صوتي قدمته رندة يعود لأسبوع قبل الولادة، يُسمع فيه صوت ماجد بوضوح وهو يقول:

> *”عندما تلد داليا ستكون ضعيفة، سأخرجها من البيت ونقدم أوراق الطلاق ونستولي على كل شيء القروض والبيت قبل أن تفهم ما يجري.”* > وسألته رندة في التسجيل: *”وإذا دافعت عن نفسها؟”* > فرد ضاحكاً بتهكم: *”هي؟ أرجوكِ! لا تملك مالاً ولا سنداً ولا تستطيع حتى الانحناء دون مساعدة!”* > عندما سمعت داليا التسجيل، لم تبكِ. نظرت إلى طفلتها سارة، وتنفست بعمق ثم وقعت على لائحة الاتهام المعدلة: — “لتأخذ العدالة مجراها عن كل كلمة قالها.”

بعد خروجها من المستشفى، لم تعد داليا إلى البيت القديم. اشترت شقة آمنة بالقرب من مقر عملها العسكري، ورأت أن يظل المنزل الزوجي تحت الحجز القضائي كدليل إدانة. بدأ ماجد يلاحقها بيأس؛ يرسل الزهور والرسائل ومقاطع الفيديو وهو يبكي ويتوسل، بل أرسل مقطعاً وهو يجثو على ركبتيه: *”لقد أخطأت… كنت مشتتاً ومخطئاً… نحن عائلة، وسارة تحتاج إلى أبيها!”* لم ترد داليا بكلمة. فعمد ماجد إلى تغيير خطته، ورفع دعوى للحصول على حضانة مشتركة، مدعياً أن طبيعة عمل داليا العسكرية تشكل خطراً على حياة الطفل، وأنها غير مستقرة نفسياً.

لكن الأكاذيب سرعان ما انهارت؛ إذ أثبتت الكشوفات البنكية أن داليا كانت تغطي أكثر من 60% من مصاريف المنزل، وأثبتت التقارير الطبية أن ماجد تخلف عن المراجعات، وأظهرت كاميرات المراقبة بالمنزل لحظة رميه لحقيبتها وطردها وهي تتألم. سأل القاضي ماجد في الجلسة: — “هل وصفت زوجتك الحامل بابنتك بأنها ‘عالة وحمولة ثقيلة’ وطردتها في حالة مخاض؟” تعلثم ماجد: — “كان نقاشاً عائلياً خاصاً يا سيادة القاضي…” — “لم يكن نقاشاً، بل كان إهمالاً وتعريض حياة للخطر.”

صُدر الحكم بمنح الحضانة الكاملة لداليا، مع السماح لماجد بزيارات مقيدة ومراقبة فقط. ولم تتوقف المصائب عند هذا الحد؛ فشركة النقل التي يملكها ماجد كانت تعتمد على عقود حكومية ومؤسسات مرتبطة بالأمن. وحين تبين أن أجهزته استخدمت لمحاولة اختراق بيانات عسكرية سرية، تم إلغاء كافة العقود ومصادرة التأمينات. في غضون أسبوعين، خسر عملاءه الرئيسيين، وتجمدت حساباته بسبب قضايا الاحتيال بالقروض، وأخرجه الشركاء من مجلس الإدارة، لتقف شركته على شفا الإفلاس التام.

صرخ ماجد بوجه داليا في الممر قبل إحدى الجلسات: — “أنتِ تدمرين حياتي بسبب خلاف زواجي!” واجهته داليا لأول مرة وهي ترتدي بدلتها العسكرية الرسمية الموُشحة بالأوسمة: — “أنا لا أدمر حياتك… أنا فقط توقفت عن حمايتك من عواقب أفعالك.” سقطت رؤيا ماجد في التراب. كان يظن لسنوات أن صمت داليا وطيبتها دليل ضعف، وأن صبر المرأة يعني عجزها عن المغادرة… وكم كان واهماً. بعد 8 أشهر، انتهت التحقيقات وصدر الحكم بإدانة ماجد بتهم السجن والتزوير واحتيال المعاملات المالية، مع إلزامه بدفع تعويضات مالية ضخمة أدت لبيعه عقاراته الخاصة لمواجهة الديون.

أما رندة، فقد تلقت عقوبة إدارية وقدمت استقالتها ونُقلت لجهة أخرى. وقبل مغادرتها، استأذنت لقاء داليا وقالت: — “لا أطلب الصفح…” ردت داليا: — “حسنٌ، لأنكِ لن تحصلي عليه.” أومأت رندة: — “أردتُ فقط أن أقول إنني أخطأت… وصدقت ما يناسب هوائي.” أجابتها داليا: — “ذاك كان خطؤكِ. أما خطئي أنا، فكان إغفال الإشارات المبكرة ظناً مني أنني أنقذ أسرة لم تكن موجودة أساساً.” تم الطلاق رسمياً بعد 11 شهراً.

بيع المنزل الزوجي بحكم المحكمة، وأخذت داليا حصتها وخصصت جزءاً كبيراً منها لتأسيس صندوق لدعم وترقيع أوضاع النساء والأمهات اللاتي يتعرضن للاستغلال المالي أو الأسري. أما ماجد، فقد انتهى به المطاف بخسارة كل شيء؛ خسر تجارته، وسمعته، وزوجته، وثروة هائلة لم يكن له فيها نصيب. وفي كل مرة كان يزور فيها ابنته تحت الإشراف، كان ينظر إليها ويدرك يقيناً: أنه في تلك الليلة المظلمة، لم يطرد من بيته مجرد امرأة عاجزة… بل طرد المرأة التي أحبته بصدق، وأم ابنته، والعقيد الموقرة، والشخص الوحيد الذي كان مستعداً لجعل حياته أفضل.

ولم تكن الملايين الـ 20 دولار هي الخسارة الحقيقية… بل كانت الخسارة الأكبر هي اكتشافه المتأخر أن قيمة المرء لا تُقاس بما يتظاهر به أو يمتلكه، بل بالمعدن الأصيل الذي يظهر عندما يظن أنك لا تملك أي شيء. خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى