
تكملة القصة
تراجعت سلمى خطوة إلى الخلف فجأة لدرجة أن الصينية المعدنية التي كانت في يدها اهتزّت وكادت تسقط.
خرج منها صوت خاڤت، لكن قلبها كان أعلى كان ينبض پعنف كأنه يحاول أن يهرب من صدرها.
أما كريم الشاذلي
فكان لا يزال ينظر إليها.
عيناه لم تكونا واضحتين بالكامل كان فيهما ضباب ثقيل، كأنه عاد من مكان بعيد جدًا من مكان لا صوت فيه ولا نور.
لكن الحقيقة الوحيدة المؤكدة
أنه مستيقظ.
من أنتِ؟ كررها بصوت متقطع.
شعرت سلمى بأن ساقيها ترتجفان.
حاولت أن تسيطر على نفسها، وقالت بسرعة وهي تتراجع إلى الخلف
من فضلك لا تتحرك سأنادي الطبيب حالًا.
وخرجت من الغرفة تكاد تركض أنفاسها متقطعة، ويدها ترتجف.
خلال أقل من دقيقتين
الغرفة التي كانت صامتة لسنوات تحولت فجأة إلى فوضى.
أطباء ممرضون أجهزة تصدر أصواتًا متتالية وأوامر تُقال بسرعة
هناك استجابة!
الحدقة تتحرك!
بدأ يركّز!
الضغط مستقر!
هذا هذا مستحيل!
كانت سلمى واقفة في الزاوية وجهها شاحب، وعيناها عليه.
لا أحد يعرف ماذا حدث قبل أن يستيقظ
وهي من المستحيل أن تقول.
بعد قليل، خرج طبيب المخ والأعصاب، ووجهه ممتلئ بالصدمة
لقد استيقظ لا نعرف إن كان سيتذكر كل شيء أم لا لكنه استيقظ.
انتشرت الكلمة في المستشفى
كالڼار.
مريض غيبوبة منذ سنوات عاد فجأة!
وبعد ساعات قليلة
وصلت زوجته.
داليا الشاذلي.
أنيقة بشكل مبالغ فيه حتى في وسط الأزمة.
وكان وراءها محامون ومعهم سيدة كبيرة معروفة الحاجة نوال، أم كريم.
دخلت داليا أولًا.
وأُغلق الباب.
دقائق وصمت.
وفجأة
صوت ارتطام قوي من الداخل.
ثم صوت كريم.
واضح. قوي. حاد
لا تلمسيني!
فُتح الباب فجأة.
خرجت داليا ووجهها متغير.
هو لا يفهم شيئًا ما زال غير واعٍ.
لكن من الداخل خرج صوته مرة أخرى
أخرجوا هذه المرأة إلى الخارج!
نزل صمت ثقيل على المكان كله.
ورأت سلمى شيئًا لأول مرة
لم يكن خوفًا على زوجها
بل خوفًا منه.
ومن تلك اللحظة
بدأت الحقيقة تتحرك.
في الأيام التالية تحسنت حالة كريم بسرعة غريبة.
لكن الأهم من صحته
ذاكرته.
بدأ يتذكر ليس كل شيء بل أجزاء فقط.
والأغرب من ذلك
أنه كان يرتاح لشخص واحد فقط.
سلمى.
في أحد الأيام، وهو ينظر إليها بهدوء، قال
كنتِ موجودة ليلة استيقظت.
تجمّدت.
نعم.
نظر إليها نظرة أعمق
كنت أسمعك.
توقف قلبها لحظة.
تسمعني؟
كنتِ تتحدثين عن تعبك عن أمك عن أخيك
كنتِ تعاملينني كأنني إنسان.
نزلت دموعها دون أن تشعر.
ولا أحد في المستشفى كان يعرف أنها كانت تتحدث معه هكذا
غيره.
لكن الصدمة الحقيقية
لم تأتِ بعد.
في يوم، وبينما كان صامتًا قليلًا، قال فجأة
الحـ,ـاډث لم يكن حادثًا.
شعرت سلمى بأن الډم انسحب من وجهها.
وقبل أن تسأله
بيومين
كانت تمشي في الممر وسمعت صوتًا يأتي من غرفة مغلقة.
داليا وأم كريم.
وقفت في مكانها.
إذا تذكّر انتهينا
ما دام لا يتذكر الجسر فنحن بأمان
وماذا لو تذكر أن الفرامل كانت معطلة؟
أنتِ من وضعتِ له الدواء!
وأنتِ من ضغطتِ عليه ليخرج!
وضعت سلمى يدها على فمها
الصورة اكتملت في ثانية.
هم حاولوا قـ,ـتل كريم.
حدثت المواجهة بعد ذلك بيومين.
جمعهم كريم جميعًا في غرفة واحدة.
كان واقفًا هادئًا بشكل مخيف.
أريد أن أرى وجوه الناس الذين ډفنوني وأنا حي.
بدأ المحامي يتحدث
هناك تحويلات غير قانونية تزوير وأدوية في دمه ليلة الحاډث.
اڼهارت داليا
كانت تلك فكرتها!
صړخت أم كريم
كنت أحمي المال!
خرجت الكلمة من أم كريم وكأنها تدافع عن نفسها لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تبرير.
وفي تلك اللحظة
رفع كريم عينيه ببطء وقال بهدوء مخيف
أنا لست ابنك أصلًا.
نزلت الجملة كالصـ,ـاعقة.
كان الصمت ثقيلًا لدرجة أن حتى الأنفاس أصبحت مسموعة.
نظرت إليه داليا پصدمة وتجمّدت أمه في مكانها كأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.
ما الذي تقوله؟! قالتها بصوت مرتجف.
لكن كريم لم يرد عليها فورًا
مد يده إلى ملف كان أمامه وفتحه بهدوء.
هذه الرسالة كانت مخفية لسنوات ولم يكن أحد يريدني أن أراها.
نظر حوله ثم أكمل
أبي الحقيقي كتب كل شيء.
بدأ يقرأ وكان صوته ثابتًا
إذا وصلت إليك هذه الرسالة فهذا يعني أنني لم أعد موجودًا. كريم أنت لست ابني پالدم لكنني اخترتك بنفسي لأنك كنت أنقى من كل من حولك لكن عليك أن تعرف أن هذا البيت لم يكن آمنًا لك يومًا.
كل كلمة كانت تكسر شيئًا داخل الواقفين.
التي تسميها أمك لم ترَك يومًا ابنًا بل رأتك ورقة طريقًا إلى المال وقد حاولت أن أحميك لكنني لم أستطع أن أكمل.
سكت لحظة ثم أغلق الملف.
لذلك حاولتم التخلص مني.
كان الهدوء بعد هذه الجملة أخطر من أي صړاخ.
تحدث المحامي بصوت رسمي
الأدلة واضحة تحويلات مالية تلاعب وأدوية أُعطيت له قبل الحـ,ـاډث.
اڼهارت داليا
أنا أنا كنت خائڤة! كل شيء كان سيضيع!
صړخت أم كريم
كنت أحمي ما بنيناه!
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة لكنها كانت تحمل ۏجع سنوات
لا كنتِ تحمين نفسك.
وتركهم وخرج.
بعد أيام
كانت الڤضـ,ـيحة في كل مكان.
فُتحت القضايا وجُمّدت الحسابات وتحولت الأسماء الكبيرة إلى أخبار.
لكن كريم
اختفى.
لم يكن هروبًا
بل بداية.
بداية لحياة لا يوجد فيها أحد يدّعي أنه من عائلته.
أما سلمى
فكانت واقفة أمام غرفته الفارغة.
سرير فارغ أجهزة صامتة مكان كان ممتلئًا بالحكايات بينهما أصبح فجأة لا شيء.
أمسكت طرف السرير ونزلت
دموعها.
انتهى كل شيء.
كانت تعرف أن وجودها في حياته ليس طبيعيًا وأن الناس سيتحدثون وأن عليها أن ترحل.
لكن قلبها
لم يكن موافقًا.
في الليلة نفسها
كانت تجمع أشياءها.
كل شيء بسيط حقيبة صغيرة ملابس قليلة وذكريات كثيرة.
وقفت أمام الباب
وقبل أن تفتحه
جاءها صوت من خلفها
إلى أين أنتِ ذاهبة؟
تجمّدت.
التفتت ببطء
كان واقفًا.
كريم.
من دون بدلات فاخرة ولا حراسة ولا أي شيء من حياته القديمة.
فقط هو.
كنت سأرحل قالتها بصوت مكسـ,ـور.
اقترب خطوة
لماذا؟
لأن هذا هو الصواب لأن هذا ليس مكاني.
نظر إليها طويلًا
ومن قال إن هذا ليس مكانك؟
سكتت.
الناس همست.
ضحك بخفة
هؤلاء الناس لم يكونوا معي حين سقطت.
سكت لحظة ثم قال
أنتِ كنتِ معي.
نبض قلبها پعنف.
كريم الأمر ليس سهلًا
وأنا أيضًا لست سهلًا قالها بهدوء.
اقترب أكثر
هل تحبينني؟
كان السؤال بسيطًا لكن إجابته كانت ثقيلة.
سكتت.
ثوانٍ
لكن بداخلها كانت سنوات.
ثم
رفعت عينيها وقالت
نعم.
هذه المرة كانت ابتسامته مختلفة.
حقيقية.
دافئة.
إذن ابقي.
مد يده وجذبها نحوه.
احتضـ,ـنها.
ليس مثل المرة الأولى
هذه المرة
وهو يفهم ويشعر وموجود.
بعد 6 أشهر
في بيت بسيط على البحر
ليس قصرًا ولا فيلا فاخرة
لكن مكان فيه هدوء فيه نفس فيه حياة.
كان صوت الموج يضـ,ـرب النافذة وكانت الشمس تدخل بهدوء.
كانت سلمى واقفة في المطبخ تضحك.
وكان كريم جالسًا ينظر إليها كأنه يراها لأول مرة.
لماذا تنظر إليّ هكذا؟ قالتها وهي مبتسمة.
لأنني لا أصدق أن هذا أصبح حقيقيًا.
جلست بجانبه.
ماذا؟
أن هناك من اختارني ليس المال وليس الاسم بل أنا.
أمسكت يده
وأنا اخترتك وأنت لا شيء من ذلك.
قررا أن يبدآ شيئًا جديدًا.
ليس عملًا تجاريًا
ولا صفقات
بل شيئًا له معنى.
أنشآ مؤسسة لمرضى الغيبوبة.
أناس مثل كريم
أناس فقد الجميع الأمل فيهم.
كانت سلمى تدخل كل يوم تمسك أيدي المرضى وتتحدث معهم بالطريقة نفسها التي كانت تتحدث بها معه.
لا أريد لأي أحد أن يشعر أنه وحيد قالتها وهي واقفة وسط الغرفة.
نظر إليها كريم بإعجاب
لذلك أنتِ من ستكونين رئيسة المؤسسة.
نظرت إليه بدهشة
أنا؟!
نعم لأنك الوحيدة التي تفهم معنى أن يكون الإنسان موجودًا لكن لا أحد يراه.
وفي يوم
على البحر
كانت الشمس تغيب والجو هادئ.
أخرج كريم علبة صغيرة.
سلمى
نظرت إليه.
فتح العلبة
خاتم.
هل تتزوجينني؟
دمعت عيناها وضحكت في الوقت نفسه
نعم.
ألبسها الخاتم
ثم نظر إليها وقال
كل شيء بدأ من صدفة
هزّت رأسها
لا
واقتربت منه
بدأ من أن أحدًا رأى إنسانًا
وسكتت لحظة ثم همست
بينما كان الجميع يراه ميتًا.
احتضنها.
وكان صوت الموج يغطي على كل شيء.
مرت سنة
وكبرت المؤسسة.
عاد كثير من الناس إلى الحياة
وعاد الأمل إلى كثير من العائلات.
وفي يوم
دخلت لديهم حالة جديدة.
رجل في غيبوبة منذ شهور.
اقتربت سلمى منه أمسكت يده وجلست بجانبه.
أنا هنا قالتها بهدوء.
كان كريم واقفًا خلفها ينظر.
ابتسم.
لأنه فهم شيئًا واحدًا
أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد
حتى لو قال الجميع إنها انتهت.
وأحيانًا
لا يأتي الحب بشكل طبيعي.
يأتي في لحظة غريبة
لحظة لا يتوقعها أحد
لكن إن حدثت
فإنها تغيّر كل شيء.



