صقر وليلى بقلم منال عباس حصرى لبيدج روايات منال عباس الثاني والاخير
وما إن هدأت العاصفة المؤقتة وباتت ليلى مستقرة داخل الجناح الآمن تحت حراسة مشددة، حتى تحول صقر النجار إلى بركان من الغضب العارم الذي لا يرحم، فجلس في مكتبه المظلم يعتصره شعور هائل بالمسؤولية تجاه تلك الفتاة البريئة التي دفعت ثمن حربه مع طليقته، وفي تلك اللحظة دخل عليه يوسف بخطوات سريعة ممسكاً بجهازه اللوحي ليضع أمامه دليلاً قاطعاً يكشف مخبأ كاريمان السري وشريكها الذي نفذ ج*ريمة إشاعة الحريق، لم يتردد صقر لثانية واحدة، بل تحرك فوراً مصطحباً قوة أمنية خاصة لاقتحام الوكر الملعون قبل أن تهرب الثعلبة مجدداً، ومع اقتحام الشقة الفاخرة المفاجئ تعالت صرخات الذعر من كاريمان التي وجدت
نفسها محاصرة تماماً دون أي مخرج، فوقف صقر أمامها بعيون متوعدة بالنار والحديد، لترتجف رعباً وهي تحاول التبرير والهروب بالكلمات، بينما ألقى رجال الشرطة القبض على شريكها متلبساً بالأدلة الرقمية التي تدينهم بالصوت والصورة في كل تفاصيل المؤامرة، ولم يكف صقر عن محاصرتها بنظراته القاتلة مؤكداً لها أن لعبتها الخبيثة قد انتهت إلى الأبد وبأن عقابها سيكون عبر القانون وفي السجن حيث تستحق، وعاد صقر إلى الفيلا في الساعات الأولى من الصباح محملاً ببراءة ليلى الكاملة والدلائل القاطعة التي تثبت طهارتها أمام الجميع، ودخل غرفتها بخطوات هادئة ليجدها نائمة بتعب، فاقترب منها وجلس بجانبها على السرير ممسكاً بيدها بحنان جارف ودموع
الندم تلمع في عينيه، لتفتح ليلى عينيها ببطء وتنظر إليه بخوف طفيف يتبدد تدريجياً أمام نظرات الحب الصادقة والدفء الذي ترسمه ملامحه، ليهمس صقر بصوت مليء بالعشق والاعتذار مؤكداً لها أن كابوس الماضي قد انتهى بلا رجعة وبأنه لن يسمح لشيء أن يفرق بينهما بعد اليوم، فتبسمت ليلى وسط دموعها مستسكرة لقلبه الذي احتلها بالكامل، لتولد من وسط رماد المؤامرة صفحة جديدة من الحب الحقيقي الذي يتحدى كل الصعاب والظروف.
بقلم منال عباس
ومع إشراق شباك اليوم التالي بابتسامة هادئة تعلن نهاية الكابوس المظلم، كان صقر جالسًا بجوار ليلى على حافة السرير يرفض مفارقتها وكأن العالم الخارجى كله قد اختفى ولم يعد يعنيه سوى تلك العيون البريئة التي خطفت قلبه، مد يده بحنان بالغ ليلمس خصلات شعرها المنسدلة برفق وهو يهمس لها بصوت دافئ يقطر عشقاً خالصاً يذيب جبال القسوة التي بنيت بينهما، مأخوذاً بمدى صبرها وقوتها رغم كل ما تعرضت له من ظلم وقهر، لتشعر ليلى بدفء أنفاسه وقربه الذي يبعث الطمأنينة في روحها التعبة، فرفعت عينيها الدامعتين لتلتقي نظراته المليئة بالاعتذار والاشتياق والتعلق العميق، ولم تدرك متى تحولت
دمعة حزنها إلى ابتسامة رضا وهي تمد يدها لتلامس وجنته بخفة متبادلة إياه نظرات الهيام والمشاعر الصادقة التي نبتت في غير موعدها ولكنها أصبحت الأصدق في حياتهما، فاقترب منها صقر أكثر محيطاً وجهها بكفيه ليرسم بقبلة رقيقة على جبهتها عهداً قاطعاً بأن يحميها بدمه وروحه طوال العمر، وغرقت ليلى في أحضانه الدافئة لتجد هناك المأوى والأمان الذي طالما بحثت عنه وسط عواصف الدنيا، واختلطت أنفاسهما ببعضها في لحظة رومانسية خالصة لا يشوبها خوف ولا شك، لينسى صقر كل جراح الماضي وخياناته السابقة ويمتليء قلبه بنبضات جديدة تعلن ميلاد حب أسطوري لا يمكن لأحد النيل منه، وهمس في أذنها بأنها أصبحت نبض
حياته وروحه التي لا يستطيع العيش بدونها، فتبسمت بخجل شديد وهي تتمسك بقوة بقميصه وكأنها تخشى أن تفيق من هذا الحلم الجميل، ليعيش الاثنان لحظات من العشق الهادئ والوئام المطلق متجاهلين العالم وما فيه، بينما كانا يبنيان معاً عهداً جديداً للمستقبل عنوانه الحب الحقيقي والوفاء الأبدي الذي لا ينكسر.
بقلم منال عباس
ومع بزوغ فجر مرحلة جديدة مليئة بالدفء والحب بين صقر وليلى، كانت الساحة السياسية والإعلامية خارج الفيلا تعج بصخب غير مسبوق، حيث تصدرت صور صقر النجار واجهات الصحف الكبرى ومنصات التواصل الاجتماعي وسط عاصفة من التكهنات حول تأثير الفضيحة المبرمجة على مستقبله الانتخابي الوشيك، خصوصاً بعد الشائعات الخبيثة التي روجت لها كاريمان ورجالها للنيل من سمعته، لكن صقر لم يعد ذلك الرجل المشتت الذي تهزه الرياح، فقد استعاد تماسكه بالكامل واستمد قوته وصلابته من وجود ليلى إلى جانبه والتي تحولت إلى مصدر إلهامه ودعمه الأقوى، وفي مؤتمر صحفي ضخم عقده صقر بحضور حاشد من وكالات الأنباء والقنوات
الفضائية، ظهر بثقة مطلقة يحيط به صديقه الوفي يوسف الذي عرض المستندات الرسمية والتسجيلات الصوتية واعترافات الشريك الموثقة التي تثبت براءة صقر وليلى القاطعة وتكشف تفاصيل المؤامرة الدنيئة التي دبرتها طليقته السابقة من خلف الكواليس، لتنقلب الطاولة في ثوانٍ معدودة وتتحول الشائعات المسمومة إلى موجة تعاطف عارمة وتأييد شعبي منقطع النظير لصقر الذي ظهر كبطل شجاع انتصر على الخيانة والمكائد، وارتفعت مؤشرات شعبيته في استطلاعات الرأي للقمامة وسط صفيق الحاضرين وهتافات الجماهير المؤيدة لمسيرته، وعاد صقر إلى الفيلا في المساء محملاً بتاج النصر والنجاح ليدخل جناحه الخاص ويبحث عنهما بعينيه حتى وجد ليلى تنتظره بابتسامة فخورة تضيء وجهها الجميل، فاقترب منها
بخطوات واسعة ودفعت به مشاعر الجارفة ليحملها ويدور بها في الهواء فرحاً بهذا الانتصار المزدوج، وهمس في أذنها بأن نجاحه الحقيقي في هذه الحياة ليس مقعداً سياسياً ولا مالاً زائداً بل هو امتلاكه لقلبها الطاهر ووجودها الدائم بجانبه، لتتوج تلك اللحظات السعيدة بقبلة دافئة تعلن بداية حياة أسطورية عنوانها العشق والانتصار المطلق على كل حاقد وحاسد.
بقلم منال عباس
وفي غمرة تلك الأجواء الاحتفالية العارمة التي غمرت الفيلا وأكدت طهارة ساحة صقر وارتفاع أسهمه في سباق الانتخابات إلى القمة، بدأت غيوم الهدوء النسبي تتلاشى تدريجياً لتفسح المجال أمام العاصفة الأخيرة التي كانت تعد لها كاريمان من داخل زنزانتها الضيقة، إذ لم تكن تلك المرأة لتستسلم بسهولة أو تقبل بالهزيمة الساحقة التي لحقت بها، فراحت تحيك خيوط انتقامها الأخير مستغلة ما تبقى لها من حلفاء فاسدين خارج أسوار السجن لتدبير ضربة قاضية تستهدف قلب سعادة صقر وليلى معا، وفي أحد الأمسيات الهادئة وبينما كان صقر مشغولاً بمراجعة اللمسات الأخيرة لخطابه الانتخابي الحاسم المقرر إلقاؤه غداً أمام الملايين،
تلقت ليلى اتصالاً هاتفياً مجهولاً من رقم أرضي غريب يخبرها بأن شقيقها الوحيد قد تعرض لحادث خطير ومفاجئ وأنه يرقد في إحدى المستشفيات النائية بين الحياة والموت، فوقفت ليلى مرعوبة ومذهولة وقد تجمعت الدموع في عيناها وتملكتها حالة من الهستيريا والذعر الشديدين، ولم تتردد لحظة واحدة في الخروج من الفيلا بمفردها ودون إخبار صقر الذي كان مستغرقاً في عمله، راكبة أول سيارة أجرة تصادف وجودها في الطريق لتنطلق نحو المستشفى المزعوم غير متخيلة أن هذا الاتصال لم يكن سوى فخ خبيث ومنصوب بعناية فائقة من أعوان كاريمان الهاربين لاستدراجها إلى كمين مرعب ومظلم، وما هي إلا بضع دقائق حتى اكتشف صقر
غيابها المفاجئ وبحث عنها في كل مكان بالفيلا ليجد الهاتف ملقى على الطاولة ورسالة نصية مجهولة ترشدك إلى مكان وجودها الحقيقي، فجن جنونه وتحولت ملامحه إلى جحيم مستعر وتملكه خوف هائل على حياتها، فركض كالمجنون ليركب سيارته ضاغطاً على الباسات بأقصى سرعة ممكنة وهو يتوعد بإبادة كل من تطأ قدمه طريقها، بينما كانت ليلى تصل إلى المستشفى المهجور وتكتشف فداحة الخدعة عندما حاصرها شخصان ملثمان من رجال كاريمان اللذان جذباها بقوة إلى الداخل وسط صرخاتها المدوية التي


