
عدت السنين ورا السنين، وفريدة بقت تكبر قدام عينينا زي الوردة. بقت في المدرسة، وذكائها وضحكتها ماليين البيت. وحمزة؟ حمزة بقى مش بس باباها، ده بقى صديقها الأنتيم، اللي بتحكي له كل صغيرة وكبيرة، واللي لو حس إنها زعلانة دقيقة واحدة، يقلب الدنيا عشان يرجع الابتسامة لوشها.
وفي ليلة من ليالي الشتا، لما كانت المطرة بتمطر برة والجو برودته شديدة، كنا قاعدين بنشرب سحلب دافي وفريدة كانت نامت في أوضتها بعد ما حمزة حكى لها قصة قبل النوم. بص لي حمزة وهو ماسك كبايته وقال بصلابة وحب: “عارفة يا سما؟
ساعات بفكر، لو كان ربنا رزقني بوالد زي ما كنت بتمنى زمان.. هل كنت هعرف يعني إيه حب بدون شروط؟ هل كنت هفهم إن حنية البنت دي بالدنيا وما فيها؟”
قربت منه وحطيت إيدي على إيده وقلت له: “ربنا بيدي كل واحد اللي ينفعه مش اللي بيتمناه، وفريدة كانت النعمة اللي فتحت قلبك للدنيا.”
ابتسم وهو بيسحب نفس طويل، وكأنه بينهي فصل قديم ومؤلم من حياته، ويبدأ معاي أنا وفريدة أحلى سنين عمرنا.مرت الأيام والسنين أسرع مما تتخيل، وفريدة بيكبر طولها وبيكبر معاها تعلق حمزة بيها.
البنت اللي كان خايف يقرب منها، بقت هي بوصلته في الحياة، وضلعه الثابت اللي بيتسند عليه لما الدنيا تتقل عليه في الشغل.
عدت السنين، وفريدة بقت عروسة زي الفلق، زي القمر في ليلة تمامه، تخرجت من كلية هندسة وبقت واخدة من أبوها ذكائه وهدوءه في العمل، واخدة مني ضحكتي وشقاوتي. وفي ليلة حنتها، البيت كان مليان زغاريد وناس وضحك، والكل فرحان وهي قاعدة وسط أصحابها لابسة الأبيض والطرحة بتلمع على شعرها.
وسط كل الزيطة دي، لمحت حمزة واقف بعيد في البلكونة، لابس بدلت الشيك، بس إيده بتترعش وهو ماسك سيجارته، ونظراته سرحانة في الشارع برة.
انسحبت من وسط الحريم بالراحة، وخرجت وقفت جنبه، حطيت إيدي على كتفه وقلت بنبرة دافية: “أبو العروسة واقف لوحده ليه؟ الساحة تحت مولعة زغاريد وأنت واقف هنا بتفكر في إيه يا حمزة؟”
أخد نفس طويل من السيجارة، وطفى الباقي في الطفاية، وبص لي وعينيه مليانة دموع محبوسة بصعوبة.. دموع راجل عزيز النفس مبيحبش يبان ضعيف قدام حد. وقال بصوت هادي ومجروح: “بفكر في اليوم اللي اتولدت فيه يا سما.. بفكر في الساعة اللي خرج فيها الدكتور وقال لي ‘مبروك جالك بنوتة’.
بفتكر نفسي وأنا زعلان ومكسور عشان مكنتش ولد، وبفتكر الأيام اللي ضيعتها من عمرها وأنا بعيد عنها.”
مسك إيدي بقوة وكمل كلامه وهو بيتبسم بكسرة: “النهاردة راجل تاني جاي ياخدها مني.. جاي ياخد الحتة الوحيدة اللي كانت بتعدل مزاجي وتخليني أبتسم لما الدنيا كلها تقفل في وشي. فريدة دي مكنتش مجرد بنت، فريدة كانت الروح اللي رتقت خرم كبير كان في قلبي وأنا مش حاسس بيه. أنا خايف الشقة تفضى علينا يا سما.. خايف أرجع من الشغل وما أسمعش خطوات رجليها وهي بتجري وتقول لي ‘بابا جيت!’.”
طبطبت على إيده وقلت له بصوت حنين:
“فريدة هيفضل بيتها هنا يا حمزة، والسر اللي بينك وبينها عمره ما هيمـ,ـوت. أنت بنيت جواها أب مش ممكن تنساه ولا تبعد عنه.. وهي عارفة إنها مهما كبرت هتفضل فريدة الصغيرة اللي كركبت كيانك بضحكة واحدة.”
في اللحظة دي، الباب بتاع البلكونة اتفتح، ودخلت فريدة بفستانها الأبيض الواسع، ماسكة طرفه بإيد والإيد التانية مرفوعة وهي بتسقف بالراحة. بصت لأبوها وقالت بابتسامة سكر زي بتاعة زمان: “بابا! واقف هنا بتعمل إيه وتسيبني؟ مش اتفقنا إن أول رقصة في الفرح هتكون معاك أنت الأول؟”
حمزة أول ما شافها، مسح طرف عينيه بسرعة، وفتح لها ذراعته الاثنين.
فريدة جرت عليه، مش زي عروسة كبيرة، لأ.. جرت بنفس الطريقة اللي كانت بتتسحب بيها وهي عندها سنة! اترمى في حضنه وغطست راسها في صدره، وهو ضمها بقوة كأنه خايف تطير منه في الهواء.
وطى حمزة على أذنها وقال لها بنبرة دافية ومجـ,ـروحة حب: “أنتِ أحلى حاجة حصلت في حياتي يا فريدة.. أنتِ النعمة اللي ربنا جابهالي عشان يعلمني يعني إيه حب بجد.”
فريدة رفعت راسها وبصت في عينيه وقالت بثقة: “وأنت أعظم بابا في الدنيا يا حمزة بيه..
ويا سيدي متقلقش، أنا شرطت على عريسي إن يوم الجمعة ده مقدس، هاجي هنا وآكل معاك وأغلبك في المكعبات والتفاصيل القديمة دي كلها!”
ضحك حمزة من قلبه، ضحكة صافية طلعت من جوه وجدانه، وشال إيدها وحطها في ذراعه، وبص لي وغمز لي بعينيه وهو طالع بيها على القاعة..
وهنا عرفت إن الحكايات المشقلبة في الأول ممكن تكون هي أصدق الحكايات في الآخر.. وإن البنت اللي حمزة مكنش عايزها في الأول، بقت هي السيرة الحلوة، والقصة اللي عاش يفتخر بيها قدام الدنيا كلها، والسبب الوحيد اللي خلى لبيتنا روح ودفا يفضل عايش معانا للآخر.


