
طارق اتصدم، وشه اتخطف ولونه اترشح بياض من كتر الغيظ والصدمة. بص لـ سلمى من فوق لتحت بذهول، وبعدين ضحك ضحكة هيستيرية عالجت في الجناح، حاول يداري بيها الخوف اللي بدأ ينهك جسمه:
— «أنتِ بتهددي مين يا بت أنتِ؟! نسيتي نفسك ولا إيه؟ أنتِ فاكرة عشان لبسوكي حتة إسورة وجابوكي القصر تبقي بقيتي هانم؟ دي فلوسي، وشغلي، والشركات دي أنا اللي كبرتها بعرقي لما أنتِ كنتِ بتلمي الفتافيت!»
فؤاد أخد خطوة سريعة وقرب من طارق، ورفعه من ياقة بدليته بإيد ماسكة برغم سنه، وعينيه بتلمع بشرار:
— «كبرتها بفلوس عمك الله يرحمه!
كبرتها بالتزوير والنصب والورق المشبوه اللي كنت بتخليه يوقعه وهو على فراش المــ,,ـــــوت! فاكر إني مكنتش فاهم؟ أنا كنت ساكت ومستني اليوم اللي الحقيقة تظهر فيه.. واليوم ده جه يا طارق.»
طارق زق إيد فؤاد بعنــ,,ـــــف وهو بينهج، وبدأ يتراجع ناحية الباب:
— «أنت بتخرف! محدش يقدر يثبت عليا حاجة، والورق كله رسمي وفي البنوك باسمي وباسم أمي!»
في اللحظة دي، تليفون طارق في جيبه بدأ يرن بنغمة متواصلة. حط إيده في جيبه بقلة صبر وفتح الخط، وبمجرد ما سمع الصوت على الناحية الثانية، الموبايل اتزحلق من إيده ووقع على السجادة.
صوت المحامي بتاعه كان طالع من السبيكر واضح وبيترعش:
(«طارق بيه! النيابة العامة لسه نازلة قرار حالا بتجميد كل أرصدتكم في البنوك، والحفظ على أسهم الشركات! وفي مأمورية شرطة جاية على القصر عندك حالاً!»)
السكوت رجع خيم على المكان، وطارق بقى عامل زي الغريق اللي بيحاول يمسك في أي قشة. بص لـ فؤاد وبعدين لـ سلمى، وإيديه بقوا يترعشوا بشكل ملحوظ.
سلمى قربت منه بخطوات هادية، وشها كان ثابت زي الصخر، ومفيش فيه أي أثر للبنت الضعيفة اللي كانت بتبكي من ساعة واحدة بس في القاعة. بصت في عينيه وقالت بثبات يهد الجبال:
— «كل لقمة حرمتوني منها.. وكل ليلة نمت فيها جعانة ومقهورة في أوضة الفران.. هتدفعوا تمنها بالقانون. خرجتوني من الحفلة مفضوحة قدام الناس؟ أنا هخرجكم من القصر ده بالكلابشات قدام مصر كلها.»
طارق بلع ريقها بصعوبة، وكان لسه هيفتح بوقه يتكلم أو يصرخ، بس صوت سرينات عربيات الشرطة ضــ,,ـــــرب في جنينة القصر من بره، والأضوار الحمرا والزرقا بدأت تنور الشبابيك العالية.
فؤاد شاور بثقة على الباب:
— «اتفضل يا طارق..
البوكس مستنيك تحت عشان تلحق أمك.»
طارق بص للباب وبص لـ سلمى بنظرة مليانة كره وحقد، ولف وجري على السلم زي المجنون يحاول يهرب من المصير اللي مستنيه.
فؤاد اتنفس ببطء، وربط على كتف سلمى الدافي بالجاكيت، وبص للوحة فريدة أمها فوق وقال بصوت مليان حنان ورضا:
— «أخيرًا يا بنتي.. الحق رجع لأصحابه.. وبكرة الصبح، هتفتحي باب الشركة الكبيرة برجلك، وتقعدي على الكرسي اللي كان أبكي قاعد عليه.»
سلمى رفعت عينيها للوحة أمها، وابتسمت وسط دموعها، ولأول مرة تحس إن قلبها استريح، وإن الخوف اللي عاش جواها سنين طويلة اختفى للأبد.
……
أصوات الكلاكسات وسرينات الشرطة كانت مالية جنينة القصر بره، والأنوار الحمرا والزرقا بتضــ,,ـــــرب في شباك الأوضة. طارق نزل يجري على السلم الرخام زي المجنون، قلبه بيبض في زوره، وبيحاول يدور على أي مخرج خلفي يهرب منه.
جري ناحية باب المطبخ اللي بيطل على الجنينة الخلفية، ولسه بيحط إيده على المقبــ,,ـــــض عشان يفتحه، الباب اتزق بقوة ودخل منه ضابط شرطة ومعه اتنين من رجال الأمن والمس/دسات مشهورة في وشه.
الضابط بصله ببرود وقال:
— «على فين يا طارق بيه؟ القصر كله محاصر..
اتفضل معانا من غير شوشرة.»
طارق اتجمد مكانه، إيديه نزلت جنبه بمذلة، والكلابشات الحديدية اتقفلت على معصمه بنفس القسوة اللي اتقفلت بيها على إيد أمه من ساعات. اتسحب بره القصر قدام نظرات الخدم والحراس اللي كانوا بيبصوله بذهول واشمئزاز، وتركب عربية البوكس اللي انطلقت بيه وسط الصوت العالي للسرينات.
فوق في الجناح، سلمى كانت واقفة جنب الشباك الكبير، بتتفرج على العربية وهي ماشية وتبعد وتختفي في ضلمة الليل. مسحت خدها بظهر إيدها، وكانت دي آخر دمعة ضعف تنزل من عينها.
الحاج فؤاد قرب منها، حط إيده على كتفها وقال بصوت دافي مليان حنان وأبوة:
— «ارتاحي يا بنتي وتدفّي كويس.. بكرة الصبح ليكي موعد مع دنيا جديدة وتاريخ جديد.»
طلعت شمس اليوم الجديد على القاهرة، ومبنى شركات «المنشاوي جروب» الزجاجي الضخم في وسط البلد كان بيلمع تحت أشعة الشمس. الموظفين والمديرين كانوا واقفين في الصالة الرئيسية في حالة هرج ومرج، بيهمسوا بصدمة عن الأخبار اللي نزلقت في كل الجرايد والتلفزيون عن القبــ,,ـــــض على رانيا وطارق الشاذلي بتهم التزوير والشروع في القت/ل.
وفجأة… الأبواب الزجاجية الكبيرة اتفتحت.
دخل أسطول حراسة، وفي النص كان الحاج فؤاد المنشاوي، وجنبه… سلمى.
الكل اتسمر في مكانه والهمسات اتخرست تماماً.
سلمى مكنتش البنت المكسورة بتاعة إمبارح، ولا لابسة الفستان الأزرق المقطوع اللي حاولوا يذلوها بيه. كانت لابسة بدلة رسمية سودا كلاسيك في غاية الشياكة والأنقاة، شعرها مرفوع بثقة، والإسورة الدهب المرصعة بالألماس بتلمع في معصمها، وفي عينها نظرة قوة وكبرياء تخلي أي حد يبصلها يقف لها احترام.
مشيت بخطوات ثابتة ترن في الصالة الواسعة، والموظفين بدأوا يوسعوا لها الطريق وينحنوا لها بهيبة.
فؤاد أخدها في الأسانسير البانورامي لحد الدور الأخير، ووقفوا قدام باب مكتوب عليه بالمذهب: (مكتب رئيس مجلس الإدارة).
فؤاد فتح الباب بالراحة، وشاور لها تدخل.
المكتب كان ضخم، ومفروش بخشب الأرو العتيق، المطل على منظرة الساحر للنيل والقاهرة كلها من الشباك الزجاجي العريض. وفي النص، كان فيه كرسي جلد اسود فاخر خلف مكتب فخم.
فؤاد بص لها بابتسامة مليانة فخر ودموع مكتومة:
