منوعات

رجعت اجرى

رجعت أجري حافية في الشارع، هدومي متبهدلة والدم مغرق إيدي ووشي، بعد ما خطيبي ضربني وقال لي بالحرف: “لو هربتي هقتلك.” من غير ما أفكر، فتحت باب أفخم مكان في القاهرة… النادي الخاص اللي محدش بيدخله غير رجال الأعمال الكبار، والوزراء، وأصحاب النفوذ. أول ما دخلت، المكان كله سكت. الناس بطلت كلام. الكاسات وقفت في الهوا. وكل العيون اتثبتت عليا وأنا واقفة بنهج، والدم بينزل على أرضية الرخام. ماكنتش فارق معايا أي حد.

لأن كريم كان ورايا… ولو مسكني تاني، المرة دي مش هطلع عايشة. رفعت عيني لقيت راجل واقف فوق السلم. الحاج أدهم المنشاوي. الاسم اللي القاهرة كلها بتهابه.
الراجل اللي محدش بيجيب سيرته إلا بصوت واطي. كان لابس بدلة سودا، واقف بكل هدوء، لكن أول ما شاف حالتي، ملامحه اتغيرت. ماكانش غضبان مني… كان غضبان من اللي عمل فيا كده. في نفس اللحظة، الباب اتفتح بعنف. كريم دخل وهو بيصرخ، هدومه مبلولة من المطر، وعلى قميصه بقعة دم من الخبطة اللي ضربتهاله بالكعب قبل ما أهرب.

بصلي وقال: — أهي هناك… تعالي يا بت! لكن أول ما شاف أدهم المنشاوي… الكلام وقف في بقه. أدهم نزل السلم واحدة واحدة. ولا فرد أمن اتحرك. ولا واحد من الموجودين فتح بقه. وقف قدامي، قلع الجاكيت بتاعه، وحطه على كتافي. أول مرة أحس إني في أمان. كريم حاول يضحك وقال:
— دي تعبانة ومش في وعيها… دي خطيبتي وأنا هاخدها البيت. حاولت أتكلم، لكن الوجع في ضلوعي خلاني معرفش أطلع كلمة.

أدهم بص على آثار الخنق والكدمات اللي في إيديا، وسألني بهدوء: — مين اللي عمل فيكي كده؟ كريم رد بسرعة: — دي بتاعتي. أدهم بصله بنظرة خلت المكان يتجمد. وقال: — من اللحظة دي… لأ. الصمت بقى تقيل. كريم حاول يتماسك وقال: — إنت مش عارف إنت بتحمي مين. أدهم قرب منه خطوة وقال: — أنا عارف عنك أكتر ما إنت عارف عن نفسك يا كريم عزت… محامي معروف، واتقفلت ضدك أكتر من شكوى تحرش، وبنت قبل كده دخلت المستشفى بعد ما الناس قالت إنها “وقعت من

السلم”… وأبوك كان مديون في القمار، وفجأة ديونه كلها اختفت قبل ما ترتبط بالبنت دي.
قلبي وقع. أنا عمري ما حكيت لأي حد حكاية أبو كريم. وش كريم اصفر. قال بتوتر: — إنت مراقبني؟ أدهم رد بكل هدوء: — أنا براقب أي حد ممكن يبقى خطر. كريم شاور عليا وقال: — اسألهـا بقى مين كانت أمها. بصيتله وأنا مش فاهمة. قلت: — أمي ماتت وأنا عندي سبع سنين. ابتسم ابتسامة تخوف.

وقال: — ده اللي ضحكوا عليكي بيه. الدنيا لفت بيا. رجليا خانتني. لكن قبل ما أقع… أدهم لحقني وشالني بين إيديه. لف وشه وقال لأحد رجاله: — هاتوا الدكتور حالًا. كريم بدأ يرجع لورا. أدهم بصله وقال: — من النهارده… لا هتتصل بيها، ولا هتقرب منها، ولا حتى هتنطق اسمها.
كريم بلع ريقه وقال: — ولو عملت؟ ابتسم أدهم ابتسامة باردة وقال: لمحة نيوز
— هاجي لك في الليلة اللي تفتكر فيها إنك بقيت في أمان… وساعتها هتعرف ليه الناس كلها بتخاف من اسم أدهم المنشاوي.
كريم خرج يجري.

آخر حاجة فاكرها… إن أدهم كان شايلني، وأنا بفقد الوعي. … لما فتحت عيني، لقيت نفسي في أوضة فخمة، ريحتها خشب وعطر رجالي هادي. أدهم كان قاعد بعيد عند الشباك. أول ما صحيت سألته: — أنا فين؟ رد بهدوء: — إنتي دلوقتي في أمان. قبل ما أسأله أي حاجة… الباب خبط. دخل واحد من رجال أدهم، وفي إيده ظرف مقفول. قال: — فتشنا شقة كريم… ولازم تشوفوا اللي لقيناه. أدهم فتح الظرف.

كان فيه صورة قديمة ليا… وأنا عندي حوالي 12 سنة، واقفة قدام البيت اللي اتربيت فيه. لكن اللي صدمني… إن كان واقف ورايا ست. ووشها متشخبط عليه بموس كأنه حد متعمد يخفي هويتها. قلب أدهم الصورة. وكان مكتوب وراها بخط واضح: “هاتوا البنت قبل ما المنشاوي يعرف إنها لسه عايشة.” فضل باصص للكلام كام ثانية. وبعدين بصلي بنظرة كلها صدمة. وقال بصوت واطي: — يا لينا… اسم والدتك الحقيقي كان إيه؟

قبل ما أرد… صوت رصاص دوّى فجأة. والرصاص كسر إزاز الشباك، واتحولت الأوضة كلها لفوضى.
## صرخة الماضي ونهاية الإمبراطورية
### الهجوم المفاجئ
الصوت المرعب للرصاصة وهي تخترق الزجاج تردد في أركان الغرفة الفاخرة. في أقل من ثانية، أظهر أدهم المنشاوي سرعة بديهة مرعبة؛ تحرك بسرعة البرق ودفعني للأرض خلف السرير الخشبي الثقيل، محاطاً جسده بحماية تامة ليصد أي رصاصة طائشة.
> **أدهم بصوت حاسم وعيناه تقدحان شراراً:**
> “خليكي هنا.. ولا تتحركي مهما حصل!”
>
تسلل بهدوء وهو يسحب مسدساً كاتماً للصوت من معطفه. لم يكن خائفاً، بل بدا كالمفترس الذي دخل عرينه غريب.

في نفس اللحظة، انفتح باب الغرفة الآخر ودخل رئيس الحرس الخاص به وهو ينزف قليلاً من ذراعه:
* **الحارس بصوت متقطع:** “يا باشا، القناص كان فوق السطح المقابل.. هرب عربية سوداء بدون لوحات!”
* **أدهم بنبرة جليدية:** “مش هيروحوا بعيد. اقفلوا بوابات الحي كلها، ومحدش يدخل ولا يخرج لحد ما أجيب راسه.”
### الحقيقة الكاملة
نظرت إلى الصورة التي سقطت من يد أدهم على الأرض. الدموع كانت تملأ عيني، والضعف يمزق جسدي، لكن الفضول والخوف كانا أقوى. سحبت نفسي بصعوبة وأمسكت بالصورة. الست اللي وشها متشخبط… مين

دي؟ وليه حد عايز يقتلني قبل ما “المنشاوي” يعرف إني عايشة؟
اقترب مني أدهم، وساعدني أجلس على السرير، وملامحه تجمع بين الغضب والحزن العميق.
* **أدهم بصوت خافت هادئ:** “لينا… اسمعيني كويس. اسم أمك الحقيقي مش اللي رباكي عليه الناس دي. أمك كانت **نورا المنشاوي**… أختي الكبيرة اللي الكل اعتقد أنها ماتت في حريق البيت القديم من عشرين سنة!”
شعرت أن الأرض تمور بي.
* **قلت بصوت متهدج:** “عـ… عمي؟ إنت عمي؟!”
* **أدهم وعيناه تلمعان بدموع حبيسة:** “أنا عمك اللي دور عليكي عمره كله. كريم ده مش صدفة في حياتك..

أبوكي وأمك كانوا ماسكين مستندات تدين رجال أعمال كبار في عمليات نصب وغسيل أموال، وكريم وأبوه كانوا الأدوات اللي استغلوها عشان يتخلصوا منهم ويستولوا على أملاك العائلة. هما مفكروش إنك لسه عايشة، لحد ما شفتك النهادة بتبصي لي نفس النظرة… نظرة نورا الله يرحمها.”
### الانتقام الأخير
قبل أن أستوعب الصدمة، فتح باب الغرفة على مصراعيه ودخل حارس آخر يحمل هاتباً لوحياً:
* **الحارس:** “يا باشا، جبنا السواق اللي حاول يهرب بالعربية، واعترف بكل حاجة… كريم هو اللي دفع له، وكان مستنيه في المخزن القديم على كورنيش المقطم عشان يسفره بره البلد الليلة دي.”

وقف أدهم على إحيله، وعدل ياقة بدسته السوداء ببرود مرعب. نظر إليّ وقال بنبرة لا تقبل النقاش:
* **أدهم المنشاوي:** “اللي قرب من دمي، حسابه بينتهي النهارده. البسي ده يا لينا.. وانزلي معايا عشان تشوفي بنفسك إزاي إمبراطورية العار بتنهار.”
### الخاتمة المذهلة
في المخزن المهجور على حافة الجبل، كان كريم يرتجف خوفاً وهو يحقن أوراقه في الحقيبة، وفجأة انكسرت الأبواب الحديدية تحت عجلات سيارات الحراسة الفخمة.
لم يمر وقت طويل حتى وجد كريم نفسه ملقى على الأرض، وأدهم يقف فوقه مباشرة، والضوء القادم من كشافات السيارات يضيء المكان بوحشية.

لم يصرخ أدهم ولم يهدد، بل اكتفى بابتسامة باردة وهو يدوس بقدمه على حقيبة أموال كريم المهربة.
* **أدهم بصوت همس به بهدوء قاتل:** “أنا مش هقتلك يا كريم… السجن هو المكان اللي هتعيش فيه بقية حياتك تتمنى فيه الموت كل ثانية، وكل قاضي هناك هيبقى عارف اسم أدهم المنشاوي كويس.”
التفت إليّ أدهم وأنا واقفة عند باب السيارة، متمسكة بجاكيتة الفاخر الذي يغطي كتفي. لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن الظلام انتهى، وأن شبح الخوف رحل للأبد.
* **أدهم وهو يمد يده لي:** “يلا يا بنتي… البيت بيستكي.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى