منوعات

مرات ابويا تسـ,ـرق حقي

بكيت وأنا أقرأ الكلام ده. كأنه كان حاسس بما هيحصل، فكتب لي الوصية دي عشان تقويني. وابتسمت لأول مرة من زمان. عرفت إن أبويا معايا، وإن ربنا ما يتركني. وإن العدل وإن تأخر لابد يظهر.
من ذلك اليوم، قررت أني مش هضيع حياتي في البكاء على اللي راح. استخدمت الورث اللي حفظته لإنشاء مشروع صغير، وبدأت أعمل وأجتهد، وكل ما أتذكر اللي حصل، أعتبره درسًا تعلمته من الحياة. تعلمت إن الابتسامة مش دليل على المحبة، وإن القرب مش دليل على الوفاء، وإن أحيانًا اللي تظنهم أقرب الناس لك هم اللي بيكونوا أشد الناس ضراوة بك.

وكل فترة، كنت أسمع أخبارهم. مرات أبويا في السچن مريضة، ومحدش بيزورها. وأخويا هناك كمان، نادم ومكسور، وبيقولوا إنه كل يوم بيدعي لي بالخير، وبيقول أختي كانت أحسن إليّ وأنا خنتها. وسمعت إنه طلب يقابلني مرات كتير، فرفضت. مش عشان قسۏة، لكن عشان لو قابلته، مش عارفة أقول له إيه. أقول له سامحتك؟ الچرح عميق جدًا. أقول له أكرهك؟ دمي بيجري في عروقه. ففضلت أبقى بعيدة، عشان أحتفظ بباقي ذكريات طفولتي اللي لم تُلوثها الخېانة.
ذات يوم، كنت ماشية في السوق، فسمعت صوتًا يناديني من ورا يا بنتي اسمحي لي. التفتت ووجدت امرأة عجوزة، كانت جارتنا قديمًا.

قالت لي وهي تربت على كتفي عرفنا كل حاجة، وكل الناس بتدعي لكِ. أنتِ عملتي الصواب. لو سكتي عنهم، كانوا قتـ,ـلوكِ. الحق يبقى حق مهما كان الثمن. كلامها ريّحني جدًا. عرفت إن رضا الناس مش كل حاجة، وإن المهم ربنا ورضاه، وإنك تكوني واقفة بجانب الحق مهما كانوا ضدك.
مرت السنين، والمشروع كبر، وبقيت سيدة أعمال معروفة في البلد، ومش بس كده، بل كنت أتبرع بجزء كبير من ربحي لعلاج المرضى وللمساعدة في محو الأمية، وكأنني بعوض اللي حُرمت منه من دفء أسرتي بخدمة الناس الطيبين اللي ما لهمش ذنب.

وكنت كل ما أخرج صدقة، أقول في نفسي ده باسم أبويا، اللي علمني الخير قبل ما يرحل.
وفي كل ليلة، قبل ما أنام، أتذكر اللي حصل. ما أتذكرهوش بۏجع زي زمان، لكن أتذكره عشان أتعلم منه. أتذكره عشان ما أتخدع تاني بالمظاهر والكلام الحلو. وأتذكره عشان أشكر ربنا إنه نجاني، وأعطيني القوة اللي ما كنتش أعرف إنها فيا.
الدنيا ما توقفش على حد. الأيام بتمشي، والجراح بتلتئم وإن بقت لها أثر.

وأهم حاجة تعلمتها من القصة دي إن عدل الله آتٍ لا محالة، وإن من يمشي في طريق الحق يمشي مرفوع الرأس، وإن من يخون وېغدر مهما طال به الزمن، لابد ينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة. وإن المال لو جاء بحرام ما يدوم، ولو دام ما يبارك فيه. وإن الأمانة لازم تُرد، وحقك لازم تحميه بكل ما تملك من قوة، لأنك إن ضيعت حقك بنفسك، فمن سيحفظه لك؟
وظلت الكلمات الأخيرة اللي كتبها لي أبويا في الوصية نورًا يضيء لي الطريق قفي بكل شجاعة، واثبتي على حقك، واعلمي أن الله معكِ ما دام الحق معكِ.
وصدق أبويا.

فالله حقًا مع الحق، ولا يُضيع أجر من أحسن عملًا. وهكذا انتهت قصتي بقصة ألم وغدر، لكن في النهاية، كانت قصة صمود وعدل وانتصار. انتصار للحق على الباطل، وللعدل على الطمع، وللإيمان بالله على شهوات النفس. والحمد لله رب العالمين على كل حال.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى