
سلمى اتسمرت مكانها لما بصت للوحة.. كانت لست صبية في العشرينات، شبهها بشكل يخض، بنفس العينين الزيتوني وبنفس رسمة الشفايف، بس كان على كتفها نفس الفستان ونفس الإسورة الدهب اللي في إيد سلمى دلوقتي.
فؤاد قرب من اللوحة وعينيه دمعت:
— «دي أمك.. فريدة. كانت حتة من الجنة، وأبوكي سليم كان بيمــ,,ـــــوت في التراب اللي بتمشي عليه. الأوضة دي أنا قفلتها يوم ما اختفيتي، وحلفت إني مش هفتحها غير لما ترجعي لمكانك الصحيح.»
سلمى قربت بخطوات بطيئة من اللوحة، إيدها المرتعشة لمست الإطار الخشبي، وصوتها خرج متقطع من كثرة المشاعر:
— «أنا طول عمري كنت بصلص في وشوش الناس في الشارع، وأقول يمكن دي أمي.. يمكن ماشية جنبي ومش عارفاني.. معقول كانت جمبي طول الوقت في الصور دي؟»
فؤاد هب عليها ومسك كتافها بحنان:
— «وأنا أوعدك إن من الليلة دي، كل ليلة عشتيها في ظلام وقهر هتتحول لنور. بس يا سلمى.. الحرب لسه مخلصتش. رانيا مش بتشتغل لوحدها.»
سلمى لفتت له بسرعة واستغراب:
— «يعني إيه؟»
قبل ما فؤاد يرد، صوت خطوات سريعة وعالية ضــ,,ـــــربت على السلم، وباب الجناح اتفتح وفجأة دخل شاب في التلاتينات من عمره، لابس بدلة رمادي وشكله مستعجل ووشه محقون من الغضب. بصلهم بنظرات حادة وهو بينهج:
— «يا حاج فؤاد! أنت جنيت ولا إيه؟! السرعة اللي اتسحبت بيها رانيا الشاذلي من الحفلة بالكلابشات عملت زلزال في السوق! والشركات أسهمها بتهبط.. مين البنت دي اللي تقلب الدنيا عشانها في ليلة واحدة؟!»
فؤاد التفت له ببرود شديد، ونظرته أتحولت لصلابة من حديد، ومشى خطوتين وقف بيهم بين الشاب وبين سلمى:
— «وطي صوتك وأنت واقف في حضرة سلمى المنشاوي يا طارق.. البنت دي صاحبة الحلال كله، واللي أنت بتسميهم شركاتك وأسهمك، ما هم إلا ورثها اللي حارمها منه أنت وأمك من عشرين سنة!»
طارق اتجمد مكانه، وعينيه اتسعت من الصدمة وهو بيبص لسلمى من فوق لتحت مش مصدق، ولأول مرة يلاحظ العلامة اللي على كتفها والإسورة اللي في إيدها.
سلمى رفعت راسها وقفت بثبات، وبصت لطارق في عينيه من غير ما ترمش، وقالت بصوت هادي وبكل ثقة:
— «شكلك أنت كمان هتحتاج تعرف مقامك من جديد يا طارق بيه.. زي رانيا بالظبط.»
حكايات انجى الخطيب



