
— «الكرسي ده كان بتاع أباكي سليم الله يرحمه.. فضيل فاضي من عشرين سنة ومستني صاحبته الحقيقية ترجع تقعد عليه. اتفضلي يا سلمى هانم المنشاوي.. استلمي حلالك.»
سلمى مشيت بخطوات بطيئة، حطت إيدها على ظهر الكرسي الجلد، ولمست الخشب الدافي. افتكرت الأيام اللي كانت بتنام فيها على الأرض الباردة في أوضة الفران، واللقمة الناشفة اللي كانت بتاكلها بذل، والضحكات الخبيثة اللي اتضحكت عليها في الحفلة.. ورجعت بصت لصورك انعكاسها في الإزاز الضخم.
سحبت الكرسي بالراحة، وقعدت عليه بكل ثقة ورزانة. حطت إيدها على المكتب، ورفعت راسها لفؤاد وقالت بصوت هادي، بس جواه قوة تهز جبال:
— «اطلب لي المحامين ومجلس الإدارة يا عمي.. الحرب اللي بدأت إمبارح بالليل، هتخلص النهاردة بشركائهم كلهم، وحق كل مظلوم هيرجع لأصحابه.»
……..
ساعة واحدة بس كانت كفيلة إن قاعة الاجتماعات الكبيرة في الدور الأخير تتملي بأعضاء مجلس الإدارة. رجال أعمال ببدل غالية ووجوه مشدودة، بيهمسوا في أذن بعض والرعب باين في عينيهم بعد انتشار خبر القبــ,,ـــــض على رانيا وطارق في كل وسائل الإعلام.
الباب الخشبي التقيل اتفتح، ودخلت سلمى ومعاها الحاج فؤاد والفريق القانوني. الهدوء خيم على القاعة زي صمت المقابــ,,ـــــبر، والعيون كلها اتعلقت بـ سلمى اللي مشيت بثبات لحد ما قعدت في رأس الطاولة..
الكرسي الرئيسي اللي كان فاضي من سنين.
واحد من كبار أعضاء المجلس، راجل ستيني وشره اسمه «السويفي»، حط إيده على الطاولة وبصلها بنظرة قللت من شأنها وقال بنبرة مليانة تعالي:
— «إيه المهزلة دي يا حاج فؤاد؟! المجموعة بتواجه أزمة أسهم وانهيار في البورصة، وانت جايب لنا بنت صبية ملهاش في السوق ولا تفهم حاجة عشان تقعدها على كرسي الإدارة؟ إحنا بشركات بمليارات، والبيزنس مش بيتدار بالعواطف!»
سلمى بصلته ببرود شديد، حطت إيديها الاثنين على الطاولة، وشابكت صوابعها والإسورة الألماس بتلمع تحت الإضاءة. ابتسمت ابتسامة هادية وقالت بصوت واثق ومزلزل:
— «الشركات بتتدار بالعدل والحق يا سويفي بيه.. وبالأوراق الرسمية اللي أظن إنك عارفها كويس. أوراق ملكيتي لـ 60% من أسهم مجموعة المنشاوي، الورث الشرعي لسليم المنشاوي الله يرحمه.. اللي انت ورانيا وطارق كنتوا بتشفطوا أرباحه سنة ورا سنة.»
السويفي وشو أصفر، ووقفت الكلمة في حلقة، وصوته اتهز:
— «انتِ بتلمحي لإيه؟ انتِ عارفة بتكلمي مين؟»
سلمى شاوَرت للمحامي، فتح ملف أسود كبير ورمى أوراق قدام كل عضو في المجلس. سلمى كملت كلامها وهي بتبص في عين كل واحد فيهم بنظرات من حديد:
— «دي كشوفات الحسابات المزدوجة..
العقود الوهمية اللي اتعملت في التجمع والساحل، والعمولات اللي دخلت حساباتكم الشخصية عشان تغطوا على تزوير طارق وتمرروا القرارات. قدامكم خيارين ملهمش تالت.. إما التنازل الفوري عن كل الأسهم اللي خدتوها بغير حق وتستقيلوا بشياكة، أو بلاغ للنيابة العامة بتهمة المشاركة في التزوير وغسيل الأموال والامتناع عن الإبلاغ عن ج/ريمة ق/تل.. أظن رانيا وطارق مستنيينكم تحت في الحجز وممكن تونسوهم.»
الهمسات انفجرت في القاعة، والوجوه اللي كانت متكبرة من شوية بدأت تتغير وتترجى.
السويفي سحب القلم بإيد بتترعش، وكان أول واحد يوقع على استقالته والتنازل عن الأسهم، ووراه باقي الأعضاء الفاسدين يوقعوا واحد ورا التاني، وخرجوا من القاعة مطأطئين الرأس ومكسورين.
القاعة فضيت مفيش فيها غير سلمى والحاج فؤاد. فؤاد قرب منها والدموع في عينيه من كتر الفخر، حط إيده على كتفها وقال بصوت مليان رجفة:
— «أبوكي فريد وسليم لو كانوا شايفينك النهاردة.. كانوا هيفتخروا بيكي زي ما أنا فخور بيكي دلوقتي يا سلمى. انتِ مش بس رجعتِ حقك..
انتِ غسلتِ اسم العيلة من كل قذارة مسكته.»
سلمى قامت وقفت، ومشت بخطوات هادية ناحية الواجهة الزجاجية الضخمة اللي بتطل على القاهرة كلها والشمس مالية المكان. بصت لانعكاس صورتها في الإزاز.. ملامح البنت الضعيفة المكسورة اللي كانت بتبكي في الحفلة وإيدها مدارية فستانها الأزرق المقطوع اختفت تماماً. حل محلها امرأة صلبة، أخدت حقها بالقانون والقوة، ورجعت اسم عيلتها لمكانه الطبيعي فوق الكل.
لمست العلامة اللي على كتفها من فوق البدلة الرسمية، وابتسمت ابتسامة أمل صافية لأول مرة في حياتها.. ابتسامة بنت دفــ,,ـــــنت وجع السنين، وتبدأ من الليلة دي حكايتها الحقيقية.
…….
مرت ست شهور على الليلة دي..
ست شهور كانوا كفيلين يغيروا مجرى التاريخ كله.
الجرايد والتلفزيون ما كفوش كلام عن أحكام القضاء العادل؛ رانيا وطارق الشاذلي صدـ,,ـــر ضدهم أحكام بالسجــ,,ـــــن المشدد بتهم التزوير والشروع في القت/ل والتعدي، وانتهت أسطورتهم وطغيانهم للأبد. والناس اللي ضحكوا على سلمى في قاعة الحفلة زمان، بقى كل حلمهم النهاردة مجرد إنهم يسلموا عليها أو ياخدوا معاها صورة في المؤتمرات الاقتصادية الكبيرة.
بس سلمى مكنتش مهتمة بجمود الفلوس ولا ببريق الأضواء.
في يوم مشمس، نزلت سلمى من عربيتها قدام مبنى جديد وفخم في قلب القاهرة. مبنى كبير مكتوب عليه بالحفر الذهبي: (مؤسسة فريدة وسليم المنشاوي لرعاية ودعم الأيتام).
كانت مخصصة للمؤسسة دي جزء كبير من أرباح الشركات، عشان تتأكد إن مفيش بنت يتيمة في مصر كلها تعيش القهر أو الذل اللي هي عاشته، ولا تكسر نفسها أو تتظلــ,,ـــــم عشان لقمة أو فستان.
الحاج فؤاد كان واقف جنبها، بيبصلها بعينين مليانة فخر ودموع فرحة:
— «أنا كده أقدر أقابل ربنا وأنا مرتاح يا سلمى.. ردّيت أمانة أباكي، وسبت ورايا ست بـ ألف راجل تقود العيلة وتحمي اسمها.»
سلمى ابتسمت، ومسكت إيده بضغط دافي وأبوي:
— « انت السند اللي ربنا بعتهولي في اللحظة الأخيرة يا عمي..
لولا وجودك كان زماني مدفونة في الضلمة ومحدش حاسس بيا.»
وفي نفس اليوم بالليل، طلبت سلمى تروح مكان معين لوحدها مع الحاج فؤاد.
راحت المقابــ,,ـــــبر، ووقفت قدام مدفــ,,ـــــن أباها سليم وأمها فريدة. كانت شايلة في إيدها بوكيه ورد أبيض، وفي إيدها التانية علبة مخملية صغيرة.
فتحت العلبة.. كان جواها قطعة القماش الصغيرة المقطوعة من الفستان الستان الأزرق بتاع ليلة الحفلة.. محتفظة بيها مش عشان تفتكر الوجع، بس عشان تفتكر هي وصلت لإيه.
بصت للعلامة اللي على كتفها، وبعدين حطت الورد على القبــ,,ـــــر، وابتسمت ابتسامة صافية طالعة من جوه قلبها، وقالت بصوت هادي هز سكون المكان:
— «يا أمي.. يا أبوي.. القسوة اللي عشتها مكسرتنيش، والوجع اللي شفته هو اللي عمل مني الإنسانة الصلبة اللي واقفة قدامكم النهاردة. حمالة الفستان اللي قطعوها عشان يوطوا بيها رأسي قدام الناس.. كانت هي السلسلة اللي رفعت رأسي للسما ورجعتلي اسمي وحقي. اطمنوا عليا.. بنتكم أخدت حقها وحقكم، وما بقتش بتخاف من حد خلاص.»
سلمى لفت وشها وخرجت من المكان، خطوتها كانت مسموعة وواثقة، والهوا العليل بيلمس وشها. رفعت رأسها للسما واستنشقت الهوا بعمق ورضا.
البنت اليتيمة المكسورة دفــ,,ـــــنت خجلها ودموعها في الماضي للأبد.. وولدت مكانها امرأة صلبة، اسم الهيبة بيسبق خطواتها: سلمى المنشاوي..
وبقت قصتها درس لكل ظالم، وشاهدة إن الحق ممكن يتأخر أو ينستر ليلة.. بس عمره ما بيمــ,,ـــــوت.
تمت
حكايات انجى الخطيب



