
من سنة كاملة، وبعد ما اتطلقت من “نور”، كنت متأكد ومقتنع إن كل حاجة باظت في حياتنا كانت بسببها هي. صدقت الصور اللي اتعرضت عليا، وصدقت قصة الذهب والمجوهرات اللي اختفت فجأة من البيت، وصدقت الرسائل المتسربة اللي كانت بتقول إنها مخبية عليا حاجات كبيرة. وحدة وحدة، كل الأدلة دي رسمت لي صورة لـ “نور” ما أعرفهاش… وللأسف صدقتها. يمكن عشان تصديق التهم دي كان أسهل بكتير من إني أسأل نفسي سؤال يرعب: هو أنا ممكن أكون ظلمت الست اللي حبيتها؟
كل الظنون دي اتبخرت في لحظة، وأنا سايق عربيتي على طريق متطرف قريب من المنصورية. لمحت واحدة ماشية على جنب الطريق لوحدها. قربت بالعربية ومش مصدق عينيا… “نور”؟! كانت شايلة على صدرها حمالتين أطفال، وفي كل حمالة بيبي صغير. ركنت العربية على جنب ونزلت، وأنا إيديا بترتعش على الدركسيون. نور كان باين عليها التعب والهدد، مش تعب يوم ولا اتنين، لا… تعب حد شايل شيلة تقيلة بقاله شهور لوحده من غير أي مساعدة.
بصلت للعربية المتلمعة، وبعدين رفعت عينها في عيني. كنت مستني أشوف في وشها غل أو غضب، بس اللي شفته كان خيبة أمل مكسورة… وده وجعني أكتر بمراحل من أي شتيمة أو زعيق. * نور؟ عدلت واحد من الأطفال النايمين بشويش، وقالت بصوت هادي ومن غير ما تقرب خطوة واحدة: * امشي يا “أحمد”… كمل طريقك. بس ما قدرتش أتحرك. عينيا اتسمرت على الوشوش الصغيرة اللي نايمة على صدرها. الولد الأولاني شعره أصفر خفيف شبهي بالظبط، والتاني كان بين حواجبه ثنية صغيرة بنفس التكشيرة اللي بشوفها في صوري وأنا صغير.
الدنيا لفت بيا، وسألتها بصوت مخنوق: * العيال دول عيال مين يا نور؟ بصلت لي كذا ثانية، ووشها اتغير كأنها اكتشفت حاجة تصدمها، وقالت بصوت واطي يقطع القلب:
* هو أنت بجد ما تعرفش؟ مشيت وسابتني واقف في نص الطريق مش فاهم أي حاجة، والكلمتين دول بيرنوا في ودني زي الجرس. بعد ساعات قليلة، كنت قاعد في مكتب “سعيد”، المحري الخصوصي اللي أنا أجرته زمان عشان يراقب نور أيام ما كنا بنطلق. سعيد اللي طول عمره واثق في نفسه ولسانه طويل، كان قاعد قدامي في المكتب في وسط البلد مش قادر يحط عينيه في عيني.
سكت شوية، وبعدين مد إيده تحت المكتب، فتح درج بمفتاح، وطلع ظرف قديم أطرافه متبهدلة، وحطه قدامي على الترابيزة. * أنا كان المفروض أقولك الكلام ده من زمان يا أحمد. * تقول لي إيه يا سعيد؟ أخلص! بدل ما يترجم بالكلام، بدأ يرص قدامي أوراق ومستندات: تقارير من مستشفى الدمرداش، إخطارات ولادة، صور إيميلطباعة، وفي الآخر… ورقة مكتوبة بخط الإيد. أول ما بصيت على الخط، قلبي دق بسرعة جنونية… أنا عارف الخط ده كويس أوي.
قريت الكلام، وقريته تاني بالبطيء عشان استوعب: > “لو أحمد عرف في يوم من الأيام موضوع التوأم، إياك يوصل للطفل التالت… إياك يعرف حكايته.” > إيديا اتجمدت على الورقة. عيني زغللت وما بقتش فاهم أي حاجة من اللي بتحصل حواليا. رفعت رأسي وبصيت لسعيد وسألته بصوت بيرعش: * طفل تالت؟! طفل تالت إيه؟ هي نور ما خلفتش اتنين؟ سعيد ما ردش عليا… نزل عينه في الأرض، وسكت تماماً. سعيد مسح كفوفه ببعض بتوتر، وعرقه نازل:
* نور خلفت ثلاثة يا أحمد… كان حَمْل في ثلاث أطفال. الأوضة لفت بيا، والدنيا كلها اسودت في وشي. ثلاث أطفال؟! مش اتنين… ثلاثة! قمت وقفت بسرعة لدرجة إن الكرسي اتدحرج ورايا وخبط في الأرض بصوت مرعب: * الطفل التالت فين يا سعيد؟! نطق!! * والله ما أعرف يا أحمد… صدقني ما أعرف. * أومال الورقة دي بتعمل إيه عندك؟! ومين اللي كاتبها؟!
سعيد وطى رأسه والأرض بلعته وهو بيعترف بكل حاجة…
قال لي إنه بعد الطلاق على طول، “فريدة”—خطيبتي الجديدة اللي كنت خلاص هكتب كتابي عليها—اتصلت بيه من ورايا. اتفقت معاه إن أي محاولة من نور عشان توصل لي أو تكلمني، يدمّرها ويخبيها عليا تماماً، ومقابل ده ادت له مبلغ محترم. ومع الوقت، سعيد اكتشف إن كل الأدلة والتهم اللي اتلفقت لنور زمان—من أول الصور لحد الذهب اللي اختفى—كانت تمثيلية ومتألفة بالملّي… بس وقتها كان خايف يتكلم أو يعترف باللي عمله ليجرى له حاجة. زعقت فيه بصوت هز المكتب:
* يعني فريدة هي اللي عملت كل ده؟! سعيد هز رأسه بنفي وقال: * فريدة ما كانتش بتشتغل لوحدها يا أحمد… كان في حد أكبر منها بيحرك كل حاجة. بصيت له بغل: * مين ده كمان؟! أخلص! سعيد ما نطقش… شغل إيده بس وشاور لي على الورقة المكتوبة بخط الإيد اللي كانت مفروشة على المكتب. أنا من الأول كنت حاسس إن الخط ده مش غريب عليا… بس المرة دي، ركزت في تفاصيل الحروف كويس. وقبل ما سعيد ينطق الاسم، ركبي خارت والدم اتجمد في عروقي لما تأكدت من صاحب الخط.



