منوعات

بقلم اماني السيد٢

أمي قعدت تلطم على وشها وتصرخ في الصالة: “شفتي يا عفاف؟ شفتي آخره معافرتك وناشفت راسك؟! أهو شردنا وبقينا في الشارع من غير لقمة عيش ولا سقف يسترينا! هنعمل إيه دلوقتي؟ نروح نشحت في الشوارع؟!”. شهد كانت قاعدة في الزاوية، حاسة بالذنب والك.سرة، والدموع ما بتفارقش عينيها وهي شايفانا بنتدمر بسبب الجوازة الشؤم دي. أبويا قعد على الكرسي وهو ساكت تماماً، عاجز إنه يبص في عينيا أو عين أمي.

بس الخوف المرة دي ما أخدش مني شبر واحد.. بالعكس، غضب كاسح اتولد جوايا. عرفت إن الحرب دي مش حرب شهد ولا حرب أمي.. دي حربي أنا! الراجل ده نازل بكل قوته ونفوذه عشان يخليني أركع وأروح له واستعطفه، وأنا مش هحقق له الأمل ده لو كانت دي آخر لحظة في حياتي.

نزلت من البيت فوراً وتوجهت لمكتب محامي شاب ابن حلال من منطقتنا، حكيت له كل حاجة بالتفاصيل وشاف الأوراق والتقرير الطبي الأولاني بتاع شهد اللي أثبتنا فيه إصابات الضر.ب. المحامي بصل وقال بثبات: “القضايا دي محتاجة نفس طويل يا عفاف.. هو معاه فلوس ونفوذ، بس أنتِ معاكي الحق والتقرير الطبي والمستندات.. موضوع إخلاء الشقة ده هنسجل فيه إشكال وعريضة مستعجلة، وقضية التعدي والضر.ب ماشية في النيابة وسحب قضية الخلع هيخليه في موقف دفاع مش هجوم!”.

رجعت البيت وأنا جوايا خطة جبارة.. ما اعتمدتش بس على المحكمة والقانون، قررت أبدأ اشتغل بنفسي. نزلت دورت على شغل في أكتر من مكان لحد ما لقيت عمل في مكتب ترجمة وإعداد أبحاث بالقطعة، وبقيت أشتغل ليل مع نهار عشان أصرف على البيت وأغطي مصاريف القضية وأوفر أكلنا وشربنا بعد ما أبويا انقطع رزقه.

مرت أسابيع وأنا بواصل الليل بالنهار.. هالات سودا تحت عيني، بس نفسي عزيزة وراسي مرفوعة فوق. شهد بدأت تسترد عافيتها وشجعتها تبدأ معايا ونتشارك الشغل من البيت.. بقينا نشتغل سوا ونوقف البيت على حيله بكرامة، وأمي لما شافت صلابتي وإني مش مستسلمة، بدأت تتكسف من نفسها وتهدى وتبطل لوم. وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من مكتب الترجمة في وسط البلد بالليل، الشارع كان هادي جداً.. فجأة وقفت عربية سودا كبيرة جنب الرصيف، ونزل منها الشاب اللي بيساعد العريس، ومعاه راجل تاني.. وقفو في وشي وسدوا عليا الطريق.

الشاب قرب مني وبصلي بنظرة خبيثة وهو بيطلع من جيبه ظرف أبيض تقيل، وقال بنبرة مسمومة: “الباشا بيسلم عليكي.. وبيقولك اللعبة طولت وزادت عن حدها، الظرف ده فيه المبلغ اللي يخليكي تعيشي أنتِ وأهلك في الماظ.. والتنازل عن كل القضايا والتعهادت يخلص بكرة في الشهر العقاري.. غير كده، المرة الجاية مش هنسحب شقة ولا هنقطع عيش.. المرة الجاية الضر.ب هيطولك أنتِ شخصياً يا عفاف!”. مسكت الظرف بإيدي، وبصيت في عين الشاب بكل احتقار، وقبل ما ينطق كلمة زيادة…

فتحت الظرف قدام عينيه ببرود تام، وطلعت حزمة الفلوس الشديدة الجديدة اللي كانت جواه.. بصيت للشاب وللراجل اللي جنبه بنظرة ازدراء خلتهم يتراجعوا خطوة لورا، وفجأة رميت الفلوس كلها في وشه وفي الشارع، الفلوس تطايرت في الهواء كأنها ورق مالوش أي قيمة.

قلت بصوت حاد يقطع سكون الشارع: “روح قول للباشا بتاعك، الفلوس دي يبلها ويشرب م.يتها، ويسد بيها عقدة النقص اللي جواه! أنا كرامتي وكرامة أهلي مش للبيع.. تهديدكم ده بيثبت لي أد إيه هو مرعوب وضئيل قدامي، وقوله لو هو فاكر إنه يقدر يمس شعرة مني، يبقى ما يعرفش أنا مين.. القضية مكشوفة في النيابة والمحكمة، ولو حصلي أي حاجة، أول اسم هيتكتب في المحضر هو اسمه!”. الشاب وشه اتغير وبقى أصفر من الصدمة والغيظ، جمع الفلوس من الأرض بقلة حيلة وهو بيتمتم بتهديدات فارغة، وركبوا العربية وطلعوا بيها بأقصى سرعة.

رجعت البيت وأنا جوايا قوة مش عادية.. الخطوة دي كانت البداية للرد القاسي على نفوذه وفلوسه. في اليوم التالي مباشرة، المحامي كلمني بصوت مليان حماس وقال لي: “يا عفاف! التقرير الطبي ومحضر التعدي اتحولوا للجلسة المستعجلة، والأهم من كده، الإشكال اللي عملناه ضد قرار إخلاء الشقة اترفض فيه طلب المالك لأن العقد بتاعكم قديم وموثق تماماً وقانوني، يعني مالوش أي حق يرميكم في الشارع!”.

الخبر نزل على البيت زي المطر اللي بيطفي نار الخوف. أمي قعدت تبكي بس المرة دي دموع ارتياح، وحض.نتني وهي بتقول بصوت مكسور ومحرج: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت عامية، الفلوس كانت هتعمي قلبي وتضيع أختك، وأنتِ اللي صنتينا ورفعتِ راسنا فوق”. بس العريس المريض ما سكتش.. استغلاله لنفوذه وصل لدرجة إنه حاول يلفق لأبويا قضية خيانة أمانة قديمة في الشركة اللي كان شغال فيها عشان يضغط علينا نتنازل. وفي يوم الجلسة الحاسمة في المحكمة، البيت كله كان على أعصابه.. كان يوم مفصلي بكل المقاييس.

دخلت قاعة المحكمة وبابا والمحامي معايا، وقعدنا ننتظر القضية.. وفجأة الباب اتفتح ودخل العريس على كرسي متحرك وهو بيتصنع الضعف، ومعاه كتيبة محامين ببدل غالية بيحاولوا يقلبوا الحق باطل ويطلعوا شهد هي المفترية وهو المجني عليه. القاضي بدأ ينظر في القضايا المتبادلة.. ووقف محامي العريس يلقي كلمته بكل تبجح ويطعن في سمعة أختي ويدعي إنها سرقته وهربت. في اللحظة دي، المحامي بتاعنا طلب الكلمة وقدم المفاجأة الكبرى اللي كنا بنجهز لها طول الأسابيع اللي فاتت بكتُمان شديد!

المحامي قدم فلاشة للنيابة وللرئيس القاضي.. الفلاشة دي كان عليها تسجيلات كاميرات المراقبة المحيطة بالشارع وبوابة القصر بتاع العريس في الليلة اللي شهد هربت فيها، التسجيلات كانت موضحة بشكل قاطع وواضح وهو بيمشي على رجليه بكل صحة وقوة، وبيمسك الخيزرانة وبيضر.ب بيها شهد قدام باب البوابة قبل ما هي تملص منه وتهرب في التاكسي! التسجيل ده أخدناه عن طريق محامينا من كاميرا صيدلية مجاورة للقصر بتاعه كانت كاشفة مدخل الفناء. القاعة كلها سكتت، والقاضي بص للشاشة بجدية وصارمة شديدة، وبعدين وجه نظره للعريس اللي وشه اتمسح منه كل أثر للكبرياء والغرور، وبقت معالمه عبارة عن رعب صريح وتشنج.

القاضي خبط بالشاكوش بقوة هزت القاعة، ونطق بالقرارات الأولى المبدئية اللي زلزلت كيان العريس ودمرت كل نفوذه في لحظة! صوت الشاكوش لما خبط على المنصة كان زي القصاص الإلهي اللي بيرد لكل مظلوم حقه. القاضي بص للعريس بنظرة قاسية ووجهله الكلام بنبرة حازمة هزت القاعة: “المحكمة تبين لها زيف الادعاءات والمماطلة، وبناءً على الأدلة والتقرير الطبي والتسجيلات الموثقة، حكمت المحكمة بالحبس سنة مع الشغل للمدعى عليه بتهمة التعدي بالضر.ب وإحداث إصابات بالمجني عليها، مع قبول دعوى الخلع وإلزامه بكافة حقوقها المالية، وإحالة باقي البلاغات للنيابة العامة للتحقيق في التزوير والائتمان الباطل”.

الصمت أكل القاعة كلها لثواني، وبعدها العريس وشه اتمسح منه كل أثر للغرور والنفوذ، وبقت معالمه عبارة عن ذعر وتشنج أعمى.. المحامين بتوعه وقفوا عاجزين مش عارفين يداروا الخزي، والحراس اللي كانوا بيرهبونا بقوا بيبصوله بقلة حيلة وهو بيتسحب من القاعة عشان يتنفذ فيه الحكم.

خرجنا من القاعة ورأسنا مرفوعة للسما. أمي اترمت في حض.ني وهي بتبكي بدموع حارة ونقية، مسحت دموعها وقالت بصوت مكسور مليان ندم: “سامحيني يا بنتي.. أنا كنت فاكرة إن الفلوس هي الأمان، ونسيت إن الكرامة هي اللي بتعمل للبني آدم قيمة.. أنتِ اللي حمايتنا ورجعتي لنا شرفنا”. أبويا حض.ن شهد وقبل رأسها، وشهد بصت لي وهي حاسة إنها اتولدت من جديد بعد ما اتفك أسرها من الجحيم اللي كانت فاكراه عز. رجعت لبيتنا الضيق بس المرة دي كان دافي ومسيور بفضل ربنا وجهدنا، اشتغلنا وتعبنا، وأبويا رجع اشتغل بكرامته، وعشنا بلقمة حلال صافية ماليها الستر وراحة البال.

الحكمة من القصة: * الكرامة لا تُباع ولا تُشترى: الفلوس والمظاهر الزائفة ممكن تشتري كل حاجة في الدنيا، إلا راحة البال، الاحترام، والنفس العزيزة. * الستر في القناعة مش في الجشع: البيوت ما بتتبنيش على القرشين، بتتبني على الأصل والطيبة والرحمة.. واللي يبيع كرامته عشان الشكليات، بيلبس الوهم وبيصحي على الجحيم. * الحق صوته أقوى من أي نفوذ: مهما كان الخصم قوي ومعاه فلوس وسلطة، الوقوف في وجه الظلم وثباتك على الحق بيجبر أي متكبر إنه يركع في النهاية.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى