منوعات

عيد ميلاد بنت خاله جوزي٢

طلعت شمس تاني يوم، وصحيت على ريحة قهوة دافية مالية الشقة، لكن جوايا كان بيغلي. بصيت لإيدي في ضوء النهار، لقيت علامات صوابعه زرقا ومحفورة على معصمي من كتر ما عصرها وضغط عليها عشان يمسح بيا الأرض. الوجع الجسدي مكنش ييجي حاجة جنب النار اللي قايدة في صدري، بس لأول مرة من سنين، مكانش في دموع.. كان في إصرار غريب بيتبني جوايا حتة حتة. خرجت لسارة، كانت مجهزة ملف فاضي وأقلام، وبصت لعلامات إيدي ووشها اتقلب غضب وجدية: «البسي يلا يا رجاء.. مفيش دقيقة تضيع».

نزلنا المستشفى الحكومي، والدكتور كتب التقرير الطبي بكل تفصيلة: كدمات وسحجات شديدة في المعصم الأيمن والكتف والركبة، وضغط عصبي حاد. من المستشفى طلعنا فوراً على قسم الشرطة. دخلت وأنا رجلي كانت بتترعش في الأول، بس لما شوفت سارة واقفة بضهر مفرود وبتتكلم بثقة القانون، وقفت جنبها وصلبت طولي. اتعمل المحضر: تعدي بالض.رب وإحداث إصابات، واحتجاز، ومعاه تفريغ رسمي لرسائل التهديد والسب والقذف اللي بعتها سامح على الواتساب بصوته وكتابته. الظابط وهو بيبص في التقرير والرسايل هز راسه بأسف، وطلب إحالة المحضر للنيابة على طول.

على الضهر، واحنا قاعدين في مكتب سارة بنجهز أوراق جنحة تبديد المنقولات وطلب التمكين من الشقة، تليفوني مَبطلش رن. في الأول كانت اتصالات من سامح مردتش عليها، وبعدها اتصالات من أرقام غريبة، لحد ما رن حمايا—أبو سامح—اللي كان دايماً مسالم ومالوش كلمة في البيت وسايب مراته تسوق الدنيا. سارة شاورتلي: «افتحي السبيكر ومتتكلميش غير بحساب».

فتحت الخط، وسمعت صوت حمايا مكسور ومرتبك: «ألو.. يا بنتي يا رجاء، إنتي فين؟ البيت مقلوب من الصبح، وسامح مش على بعضه.. والشرطة جات تسأل عليه في البيت بسبب محضر إنتي عاملاه! يا بنتي إحنا أهل، عيب الفضايح دي، تعالي البيت وكل حاجة هتتحل وقعدت رجالة تراضيكي».

أخدت نفس عميق، وقولت بصوت هادي وقاطع لأول مرة في حياتي: «أهل؟! الأهل مبيكسروش عضم بنتهم، والأهل ميرموش بنت يتيمة تحت الجزم عشان يفرّحوا بنت أختهم! ابنك مد إيده عليا وكسر كرامتي ورماني في الشارع، وأنا معنديش قعاد رجالة مع ناس ميعرفوش الأصول.. اللي بيني وبينكم من اللحظة دي هو القانون وبس».
قفلت السكة في وشه، وبصيت لسارة، لقيتها بتبتسملي بفخر وقالت: «كدة رجاء اللي اتولدت من جديد.. اجهزي بقى، عشان القلم الحقيقي هينزل عليهم في المحكمة».

مرت أيام معدودة، وكانت الض.ربة نازلة ورا التانية على دماغ سامح وأمه زي الصاعقة. سارة مسبتش ثغرة واحدة؛ رفعت دعوى تبديد منقولات زوجية بجنحة مباشرة، وقدّمت طلب تمكين من شقة الزوجية بالمشاركة بصفتي زوجة، غير قضية النفقة ومحضر الض.رب والته.ديد اللي اتحول للنيابة العامة وصدر فيه استدعاء رسمي ليه للتحقيق. سامح اللي كان بيستعرض عضلاته وفاكر إنه فوق القانون، لقى نفسه مهدد بالحبس في جنحة تبديد وحكم ض.رب، وفجأة كل التناكة والكبرياء الكداب اتهدوا فوق دماغه ودماغ أمه.

في يوم، كنت قاعدة في مكتب سارة بنراجع أوراق القضية، ولقينا الباب بيخبط، ودخل سامح ومعاه أمه وحماه. كان شكله متبهدل، وشه شاحب، والغرور اللي كان مالي عينيه يوم عيد الميلاد اتبخر تماماً، وبقى باصص في الأرض مش قادر يرفع عينه في عيني. أما حماتي، فكانت داخلة وشها أحمر من الغيظ المكتوم، بس مجبورة تطاطي راسها عشان تنقذ ابنها من السجن والفضيحة.

حماتي قعدت على طرف الكرسي وقالت بصوت حاولت تخليه حنين بالعافية: «إيه يا رجاء يا بنتي؟ للدرجة دي هان العيش والملح؟ بقى نجرجر بعض في المحاكم والأقسام عشان شدة عيلة وساعة غضب؟ تعالي شقتك وكرامتك فوق راسنا، وسامح هيبوس راسك قدام الكل». بصيتلها بمنتهى البرود، وحطيت رجل على رجل، وقولتلها بجمود: «العيش والملح ده أنتوا اللي دوستوا عليه تحت جزمة بنت أختك. وساعة الغضب دي كشفت حقيقتكم الرخيصة.. أنا كرامتي غالية أوي، ومبتتباعش باعتذار كداب عشان خايفين من الحبس».

سامح قرب خطوة وصوته كان بيترعش بذل حقيقي: «أبوس إيدك يا رجاء.. اتنازلي عن المحاضر، مستقبلي هيضيع وشغلي هيتفصل منه لو اتحكم عليا، أنا غلطت ومستعد أكتبلك الشقة باسمك بس بلاش سجن». ردت سارة بصرامة المحترفين: «الكلام ده ملوش مكان هنا.. لو عايزين تخلصوا وتتفادوا الحبس، شروطنا واضحة ومفيهاش فصال: طلاق رسمي على إبراء كامل لحقوقها مع استلامها لقائمة منقولاتها بالكامل وكل مليم في دهبها، أو المحكمة تاخد مجراها والحكم يصدر خلال أسبوعين ويدخل يقضي عقوبته».

سامح بلع ريقه وبص لأمه بيستنجد بيها، بس أمه مكانتش قادرة تنطق، واضطر يوافق وهو مكسور العين والكرامة. في نفس الأسبوع، اتقابلنا عند المأذون. استلمت كل جرام دهب، وحاجتي كلها نزلت من الشقة بعربيات نقل قدام الجيران كلهم، وورقة طلاقي خرجت مختومة. وقفت في الشارع والشمس بتض.رب في وشي، حسيت لأول مرة من سنين إني بتنفس هوا نضيف.. اليتم مكسرنيش، والوحدة مطلعتش كابوس، ده كانت بداية الحرية والكرامة اللي مستحيل أفرط فيهم تاني أبداً.

في شقة سامح، كان الصمت يقطع الروح، والجدران اللي فضيت من العفش بعد ما رجاء استلمت قايمتها بقت صدى بيزن في ودانه ليل ونهار. البيت بقى عبارة عن أربع حيطان عريانة ومرتبة على الأرض بينام عليها مكسور النفس. الغرور اللي كان نافخه اتبخر، وبقى يرجع من شغله مهدود يفرك في عينيه ومش لاقي حتى لقمة ياكلها ولا حد يغسله هدومه؛ أمه اللي كانت بتقويه على مراته بقت كل ما تشوفه تندب حظه وتلومه، وتقوله: «ضيعت البنت اللي كانت شيلاني وشايلاك من كتر غباءك وراسك الناشفة!».

بقى يقعد بالساعات يبص على الصور القديمة، ورسائل الواتساب، والندم بياكل في قلبه وهو بيفتكر إزاي كان عنده كنز وست أصيلة وضيعها برخص عشان يرضي كبرياءه الأعمى. أما بنت خالته، فكان الوضع عندها صعب فضح وانكشاف حقيقي. ليلة عيد الميلاد اللي كانت مفكراها ليلة نصرها واستعراضها، اتحولت لكابوس في دايرتها كلها. سارة مسكتش، ووسط شلتهم والجامعة والمعارف، القصة انتشرت زي النار في الهشيم؛ البنت اللي اتعالت على واحدة يتيمة وخلت ابن خالتها يمسح بيها البلاط بقت منبوذة ومكروهة من أقرب صحابها اللي قاطعوها واحد ورا التاني وقفلوا في وشها الأبواب.

حتى السلسلة الدهب اللي سامح جابهالها بحرفهم، بقت تبص عليها بقرف وخزي، وكل ما تحاول تدخل في علاقة أو تتقدم لحد، سيرتها وسيرة قسوة قلبها وعمايلها تسبقها، وتبقى واقفة بجزمتها اللي اتعالت بيها، بس المرادي هي اللي دايسة على سمعتها وكرامتها ومحدش طايق يبص في وشها.
الأيام جِريت بسرعة، وكل وجع كان بيتحول لطاقة نجاح وعوض. سارة مكنتش مجرد محامية جابتلي حقي، دي كانت الأخت والضهر اللي عمري ما عشته؛ ساعدتني بخبرتها وعلاقاتها إني أقدم في شركة محترمة وأبدأ شغل في مجالي.

لأول مرة في حياتي، مبقاش في حد بيعطلني، ولا هم يهد حيلي، ولا بيت يمتص طاقتي بالخدمة المذلة والمشاكل اللي مبتخلصش. كل تركيزي بقى في شغلي وبس، وطاقتي كلها كانت موجهة لإثبات نفسي. في خلال سنتين، اترقيت وبقيت مديرة قسم، ونجاحي كان بيكبر يوم عن يوم، وشخصيتي اللي كانت مدفونة تحت الخوف والضعف رجعت تلمع من جديد بثقة ورقي وجمال هادي.

وفي وسط رحلة الشغل والنجاح دي، ظهر “طارق”.. زميل ليا في الشركة، راجل بمعنى الكلمة، ابن أصول ومتربي على احترام الست وتقديرها. طارق مكنش يعرف غير رجاء القوية الناجحة صاحبة الابتسامة الهادية، ولما قربنا من بعض وحكيتله كل اللي مريت بيه، ملقيتش في عينيه غير نظرة فخر وإعجاب بيا وبقوتي. قالي وقتها بجملة واحدة لخصت كل اللي كان ناقصني: «إنتي جوهرة يا رجاء، واللي معرفش قيمتك ده كان أعمى، وأنا هقضي باقي عمري أشكر ربنا إنه خلى طريقك يتقاطع مع طريقي».

يوم كتب كتابنا، كانت القاعة بتنور بالحب والفرح الحقيقي. سارة كانت واقفة جنبي بتبكي من الفرحة وهي ماسكة إيدي، وطارق واقف قدامي، بيبصلي بمنتهى الحنية والاحترام.. وقبل ما يلبسني الدبلة، وطى وباس راسي قدام كل الحاضرين وقال بصوت عالي: «دي ست البنات وتاج راسي». في اللحظة دي، بصيت للسما وابتسمت من قلبي، وحسيت بروح أبويا حواليا ومرتاحة.. وعرفت إن العوض لما بييجي من ربنا، بينسي المرار كله، وإن الوحدة اللي كنت بخاف منها مكنتش نهاية العالم، دي كانت الباب اللي خرجت منه لحياتي الحقيقية.

انت في الصفحة 2 من 2 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى