منوعات

عيد ميلاد بنت خاله جوزي٢

مسكت إزازة الماية بإيد بتترعش، وبصيت من شباك العربية على الطريق وإحنا بنبعد، وكان صوتي طالع مخنوق ومكسور، لكنه محتاج يفضفض بعد سنين من الكتمان. اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتسحب كل الوجع اللي استقر في صدري وقولتلها: «أنا اسمي رجاء يا سارة.. واللي شوفتيه فوق ده مش أول القصة، ده بس القاع اللي وصلتله بعد سنين خوف. الحكاية بدأت من بدري أوي، من يوم ما أمي ماتت وأنا لسه طفلة صغيرة مكملتش عشر سنين. من يومها والدنيا اتقفلت في وشي، وعلاقتي بأهل أمي اتقطعت تمامًا ومبقاش حد فيهم يسأل عني ولا يعرف أنا عايشة إزاي».

مسحت دمعة نزلت على خدي وكملت بحرقة: «عشت مع بابا، وكان هو كل دنيتي، أمي وأبويا وأخويا وسندي. ياما ناس ضغطوا عليه عشان يتجوز ويكمل حياته، لكنه رفض تمامًا.. كان دايمًا يقولي: (مستحيل أدخل عليكي واحدة تانية تكسر بخاطرك أو تحسسك إنك غريبة في بيت أبوكي). عاش علشاني، لحد ما جهزني وجوزني لسامح.. وافتكر إنه كده اطمن عليا وسلمني لأمانة هتحافظ عليا».

سكتت لحظة والخنقة زادت في زوري وأنا بفتكر أصعب يوم في حياتي: «بعد جوازي بكام شهر، بابا مات فجأة.. ومات معاه كل سند وكل ضهر ليا في الدنيا. وأهل أبويا من زمان علاقتنا بيهم ضعيفة ومحدودة جدًا ومفيش بيننا غير يا دوب سلام في المناسبات، ومليش ولا أخ ولا أخت أروح أرتمي في ح.ضنهم وأشتكيلهم. فجأة لقيت نفسي وحيدة ومقطوعة من شجرة».

بصيت لسارة ودموعي غلبتني: «سامح وحماتي استغلوا نقطة ضعفي دي بأبشع طريقة. عرفوا إني يتيمة ومليش ضهر أتسند عليه، وبقى سلاحهم الدايم هو تخويفي من الوحدة: (هتروحي فين لو سيبتيني؟ مين هيعبرك؟ مالكيش غيرنا). كنت ببلع الإهانة والخدمة والذل عشان خايفة أرجع ألاقي نفسي في الشارع لوحدي.. لحد ما شوفتي بنفسك النهاية اللي وصلولها الليلة دي». سارة فضلت سايقة وهي ساكتة تماماً، لكن إيدها كانت ماسكة الدريكسيون بعصبية واضحة، وعينيها مليانة غضب ممزوج بحزن حقيقي على حالي. هَدّت سرعة العربية وركنت على جنب طريق هادي، ولَفّت وشها وبصتلي بتركيز، ومسكت إيدي بإحكام وقالت بنبرة قاطعة:

«اسمعيني كويس يا رجاء.. الوحدة مش عيب ولا نقطة ضعف، العيب والخسة هي اللي هما عملوه فيكي عشان استضعفوكي. أبوكي الله يرحمه محرمش نفسه من الجواز وعاش عشانك عشان تيجي في الآخر حتة عيّل ناقص وأمه يمسحوا بيكي البلاط ويهينوا تربيته ليكي! إنتي مش مقطوعة من شجرة، إنتي بس كنتي محبوسة وسط ديابة استحلوا طيبتك». مسحت دموعي بطرف طرحتي وسألتها بصوت خايف وتايه: «طب وأنا هروح فين دلوقتي يا سارة؟ شقتي حاجتي كلها فيها، ومستحيل أرجع للراجل ده تاني بعد اللي عمله.. أنا حرفياً في الشارع».

ابتسمت سارة بهدوء يطمن وقالتلي: «الشارع ده للكلاب اللي شبههم، مش لبنت أصول زيك. إنتي الليلة دي هتيجي تباتي معايا في شقتي، وبكرة الصبح لينا كلام تاني خالص. أنا محامية يا رجاء، وشغلي أعرف أجيب حق المظلوم من حلق اللي ظلموه.. والقانون اللي هو فاكر نفسه فوقيه، هيدفعه تمن كل دمعة نزلت من عينك غالي أوي».

فجأة موبايلي اللي في شنطتي رن، وبصيت في الشاشة لقيت اسم “سامح” منور، وجنبه كذا رسالة واتساب ورا بعض. فتحت الشاشة بإيد بترتعش، وكانت الرسايل كلها تهديد وشتيمة: «لو ما رجعتيش دلوقتي وركعتي قدام أمي وبنت خالتي تعتذري، هدومك اللي في البيت هرميهالك في الزبالة وهفضحك عند طوب الأرض وأقول إنك هربتي مع صحاب بنت خالتي». سارة شافت الرسالة، وابتسمت ابتسامة باردة ومرعبة، ومدت إيدها أخدت التليفون من إيدي وقالت: «سيبك منه خالص ومترديش.. هو كدة بدأ يكتب نهايته بإيده، والرسالة دي أول دليل ضده».

دورت سارة العربية وطلعت على بيتها، وطول الطريق كانت مسيطرة عليا حالة من الذهول، حاسة إني بحلم في كابوس طويل ومش قادرة أصحى منه. أول ما دخلنا شقتها، كانت شقة هادية ودافية، حسيت فيها بأمان غريب عمري ما حسيته في بيت سامح وأمه. جابتلي سارة لبس مريح من عندها، ودخلت غسلت وشي وحاولت أمسح قهر السنين اللي اتطبع على ملامحي. خرجت لقيتها محضرة شاي، وقعدت قصادي وبدأت ترتب أفكارها بهدوء محترف:

«اسمعي يا رجاء.. الليلة دي هتنامي وترتاحي، وبكرة من النجمة هنبدأ نتحرك. أول حاجة هنعملها الصبح، هنروح نعمل تقرير طبي بالكدمات اللي في معصم إيدك ومن دراعك لما رماكي على الأرض، وبعدها على طول هنطلع على القسم نعمل محضر إثبات حالة وتعدي بالض.رب، ومعانا رسايل التهديد والسب والقذف اللي باعتها على الواتساب.. دي كفيلة لوحدها تخليه يلف حوالين نفسه». بصيت للأرض وقولتلها بصوت واطي: «وهدومي وعفشي ودهبي وقايمتي؟ دهبيه وقايمتي شقا أبويا كله اللي سابهولي قبل ما يمو.ت، وخايفة يبيعهم أو يبددهم ويقول مخدتش حاجة».

ابتسمت سارة وقالت بثقة: «القائمة دي حبل المشنقة اللي هيلتف حوالين رقبته. دعوى تبديد منقولات زوجية متتأخرش يومين، وجنحة مباشرة، وساعتها هو وأمه اللي هيترجواكي عشان تستلمي حاجتك بالقرش والتعريفة، ده غير نفقتك ومؤخرك وحقوقك كاملة. الراجل ده مفكر إنك عشان ملكيش ضهر يبقى ملكيش قانون يحميكي، ميعرفش إن القانون بيجيب حق اللي ملهوش حد». غمضت عيني والوجع مالي قلبي، لكن لأول مرة من سنين طويلة، أحس إن في بصيص نور.. وإن ضعفي وخوفي اللي كانوا ساجنيني اتحولوا لقوة هتردلي كرامتي اللي اتهانت.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى