
قولت لنفسي لا يا شروق، مش هتبكي دلوقتي، العياط ده للضعاف والغلابة، وأنتي لازم تفهمي مين الست اللي متجوزها ومين اللي دبر اللعبة دي كلها.
شيلت الصواني وخرجت للصالة. المشهد كان يغيظ الحجر السفرة اتفرشت، حماتي الحاجة فوزية قاعدة على راس الترابيزة زي الملكة، وبنتها دعاء وجوزها قاعدين يضحكوا، وأخو محمود الصغير قاعد رجل على رجل بيتفرج على التليفون، ومحدش فيهم حتى كلف خاطره يمد إيده ياخد مني صينية تقيلة شايلها.
حطيت الأكل، وقعدت على طرف الكرسي جمب محمود.
حماتي بصت للأكل ومدت إيدها تدوق الشوربة، وقامت عامية وشها بقرف وقالت
الشوربة ناقصة ملح يا شروق، وبعدين مال لسان العصفور مهري كدة ليه؟ هو أنتي مش بتعرفي تظبطي إيدك خالص؟ الله يرحمها أمي كانت بتعمل الأكل ده في ربع ساعة ويطلع سكر.
أخت جوزه دعاء ضحكت بصفار وقالت
معلش يا ماما، تلاقيها بس كانت ملهوجة وعايزة تخلص عشان تقعد ترتاح، أصل شروق دلوعة شوية ومش واخدة على وقفة المطبخ بتاعة الناس الأكيلة.
أنا كنت باصة لصحني، وإيدي اليمين تحت الترابيزة بتعصر الورقة في جيبي.
محمود قاعد ياكل بنهم ولا كأنه سامع حاجة، ولما حماتي زودت في الكلام، رد هو وقال بوقاحة
سيبيها يا أمي تاكل، هي لسه بتتعلم أهو، بكره تتعود على طريقتنا.
في اللحظة دي، تليفون محمود اللي كان محطوط على السفرة نور برنة رسالة. هو كان ماسك شوكة وبياكل، فبص للتليفون بطرف عينه وفجأة وشه اتخطف. شد التليفون بسرعة البرق من على السفرة وحطه في جيبه التاني وهو بيبصلي بطرف عينه يشوفني لمحت حاجة ولا لأ.
أنا مكنتش محتاجة ألمح، لأن الاسم اللي نور على الشاشة كان كفيل يزلزل البيت أم يوسف…
وهو نفس الاسم اللي كان مكتوب في قسيمة الجواز اللي في جيبي هناء عبد الرحمن، أم الولد اللي طلع متجوزها ومخلف منها وإحنا مش عارفين!
حماتي لاحظت الحركة، وغمزت لمحمود غمزة سريعة وقالتله بصوت واطي
إيه يا حودة، شغل الورشة ولا إيه؟
محمود رد وهو بيبلع لقمته بعافية
اه يا أمي، زبون كان مستعجل على عربية بس هكلمه بعد الغدا.
الغمزة اللي بين حماتي وابنها قطعت الشك باليقين؛ حماتي عارفة!
أمه اللي كانت كل يوم جمعة تدعيلي قدام الناس وتقولي أنتي بنتي اللي مخلفتهاش، هي نفسها اللي كانت مدارية على زواجه التاني، ويمكن تكون هي اللي اختارهاله أصلاً!
قومت وقفت فجأة، الكرسي رجع لورا وعمل صوت احتكاك عالي في البلاط. الكل سكت وبصلي، وحماتي رفعت حاجبها وقالت
على فين يا ست العرايس؟ لسه مكلتيش لقمتين!
بصيت ليهم كلهم، نظرة كانت مليانة غل وقهر بس متغلفة ببرود مرعب، وقولت بهدوء
رايحة أغسل إيدي وأجيب الماية من المطبخ… أصلي حسيت فجأة إن الجو هنا بقى خانق ومحتاج شوية هوا.
دخلت المطبخ ورزعت الباب، وسندت ضهري عليه وأنا بنهج كأني كنت بجري في سباق. طلعت الورقة من جيبي وفردتها تاني بإيدين بتترعش. قريت التاريخ من تلات سنين! يعني بعد جوازنا بست شهور بس! والمؤخر مية ألف جنيه، وشقة الزوجية مكتوبة في منطقة راقية جداً في المعادي! الشقة اللي كان ديماً يشتكي ويقولي إحنا يادوب عايشين بالعافية وبندفع إيجار شقتنا اللي في فيصل بطلوع الروح!
الدموع نزلت ڠصب عني، بس كانت دموع قهر وڠضب مش حزن.
محمود اللي بعت دهب أمي علشانه، محمود اللي كنت بحوش من مصروفي ومصروف البيت عشان أساعده يجيب مكن للورشة بتاعته، طلع عايش حياة تانية خالص، شاري شقة باسمها وعنده ابن اسمه يوسف، وأهله كلهم متواطئين معاه وبيعملولي مسرحية كل جمعة ويخلوني أخدمهم زي الشغالة!
مسحت دموعي بسرعة وفتحت كاميرا الموبايل، وصورت القسيمة وعقود البيع والشراء اللي كانت معها صفحة صفحة بجودة واضحة جداً، وبعت الصور كلها على إيميل سري خاص بيا ومسحت الرسايل من الواتساب في نفس اللحظة.
رجعت الورقة مكانها تحت الحوض زي ما كانت بالظبط عشان ميحسش بأي حركة، وطلعت إزازة ماية ومسكتها وخرجت للصالة.
أول ما طلعت، لقيت دعاء أخته ماسكة تليفونها وبتتكلم بصوت واطي وهي بتبص ناحية الباب، وأول ما شافتني قطعت المكالمة بسرعة وقالت
أيوة يا هناء… قصدي يا هالة، هكلمك كمان شوية.
الاسم فلت من لسانها، وشها جاب ألوان وحاولت تداري وتبص في طبقها. أنا عملت نفسي مسمعتش، وحطيت إزازة الماية على السفرة وقعدت في مكاني بابتسامة واسعة غريبة، لدرجة إن محمود استغرب وبصلي بقلق
مالك يا شروق؟ وشك أحمر كدة ليه؟
رديت عليه بضحكة صافية
أبداً يا حبيبي، مبسوطة بس بلمتنا، وكنت بفكر في مفاجأة حلوة ناوي أعملهالك بمناسبة عيد جوازنا الأسبوع الجاي…
مفاجأة هتعجب العيلة كلها أوي!
حماتي بصتلي بريبة، ومحمود بلع ريقه وهو مش مرتاح للهدوء اللي نزل عليا فجأة، وقالي
مفاجأة إيه دي؟
قربت منه وهمستله في ودنه بصوت واطي وناعم زي الحرير
مفاجأة هتردلك كل اللي عملته معايا… قرش بقرش، وسر بسر.
محمود اتنفض في مكانه وعينه وسعت بړعب، وفي نفس اللحظة، جرس الباب رن رنة طويلة وقوية قطعت النفس في الصالة كلها، وخبطات عڼيفة بدأت تدق على الباب وصوت ست بره بتزعق وبتقول افتح يا محمود! افتح يا ابن فوزية بدل ما أك.سر الباب على دماغكم وافضحكم في العمارة كلها!




