
كشف الحساب البنكي كان واضح زي عين الشمس تلات عمليات تحويل بنكي على فترات متقاربة خلال الست شهور اللي فاتوا. الأولى بمية وعشرين ألف جنيه، والتانية بتمانين ألف، والتالتة بمية وخمسين ألف جنيه.
الحساب اللي طفحت فيه الډم خمس سنين، واللي كنت بحط فيه كل قرش يطلع من مرتبي ومن شغل التوصيل بالليل، اتصفى تقريباً. متبقاش فيه غير ملاليم متكملش تمن إيجار شهرين.
غمضت عيني وحسيت بضر.بات قلبي بتدق في نافوخي. طارق كان معاه توكيل بنكي بالإدارة والسحب كنت عملتهوله من سنتين لما قررنا نحط الفلوس في شهادات ونجمع عليها عشان إجراءات شقة الإسكان وحجز العفش.
كنت واثقة فيه لدرجة العمى، واثقة فيه لدرجة إني مكنتش بفتح الأبلكيشن بتاع البنك غير كل كام شهر مرة، معتمدة على رسايل الإيداع اللي بتجيلي لما بنزل أحط الجمعية أو مرتبي.
بصيت على تفاصيل التحويلات. الفلوس مكنتش رايحة لحساب باسمه، دي كانت بتتحول لحساب في فرع طنطا باسم واحدة اسمها سامية عبد الحميد، وواحدة تانية لحساب شركة لتجهيز العيادات والمستشفيات، وتحويل أخير لحساب معرض سيارات.
قمت وقفت في نص الصالة.
الشقة اللي أجرناها في الهرم بقالنا سنة، وكل ركن فيها بيشهد على تعبي الستائر اللي نقيتها، السجاد اللي شيلت تمنه من جمعية قبضوها لي متأخر، المطبخ الخشب اللي دفعت مقدمه من مكافأة نهاية السنة في شركة التأمين. كل ده كان مبني على وهم، وكل ده كان هو بيبيعه وبيشتري بيه حياة تانية كاملة على الجاهز في بلد تانية.
الباب خبط.
خبطة كانت مترددة في الأول، وبعدين بقت ورا بعض، خبط خفيف بس متواصل.
مشيت بالراحة وبصيت من العين السحرية. كان طارق. لابس نفس القميص المكرمش بتاع امبارح، شعره منكوش، ووشه شاحب وتحت عينيه سواد كأنه منمش بقاله سنة.
حطيت السلسلة في الباب ومفتحتش.
رجع خبط تاني، وبعدها رن الجرس رنة طويلة.
سلمى… افتحي بالله عليكي، عارف إنك جوة وشايف نور الصالة. متعمليش فينا كده، اسمعيني بس لخمس دقايق وبعدها احكمي!
وقفت ورا الباب مباشرة، وحطيت إيدي على الخشب الساقع، واتكلمت بصوت واطي بس حاد ومسموع
الكالون اتغير يا طارق. ومفيش كلام يتقال خلاص. امشي من هنا بدل ما أطلب أمن العمارة وأعملك ڤضيحة يصحى عليها الشارع كله.
سلمى متظلمنيش! أنتي متعرفيش الڼار اللي أنا عايش فيها بقالي ست شهور! والله العظيم كنت بنام وأنا حاسس إن روحي بتتسحب مني!
فريدة دي مكنتش في حساباتي، ولا كنت عايزها، أنتي عارفة إني بحبك أنتي وشايلك في عيني!
ضحكت بسخرية مسموعة من ورا الباب
بتحبني؟ بتحبني فبتسحب تحويشة عمري وتحولها لحسابات في طنطا؟ بتحبني وأنت واخد دبلتي اللي نقيتها ورايح تلبسها لواحدة تانية وتعيش معاها في الحلال وتستنى منها عيل؟!
طارق سكت فجأة. الصمت بتاعه كان اعتراف أوضح من أي كلام.
أنتي… أنتي شفتي الحساب؟ سأل بصوت مړعوپ ومخڼوق.
شفت الحساب وشفت القرف اللي أنت عملته كله.
التوكيل اللي اتعمل بحسن نية هيتلغي بعد نص ساعة في الشهر العقاري، والفلوس اللي اتسحبت دي دين في رقبتك بالقانون وهترجعها مليم مليم، وإلا البلاغ اللي هيتقدم فيك بخېانة الأمانة هيلبسك بدلة زرقا يا طارق.
سمعته بيتنفس بسرعة ورا الباب، وبدأ يترجى بنبرة فيها عياط هستيري
سلمى متودينيش في داهية! الفلوس دي اتصرفت على تجهيز البيت عندهم وعلى الدكتورة والمستشفى عشان حملها كان فيه خطړ وكان لازم عملية ربط عنق رحم، وأبوها كان هيحبسني لو مكنتش جهزت الشقة اللي هناك على أعلى مستوى! عمها واصل في الغربية ومكنش هيرحمني!
والله العظيم كنت هرجع كل قرش أول ما أبيع حتة الأرض بتاعة أبويا في البلد!
رجعت خطوة لورا. مكنتش قادرة أسمع صوته أكتر من كده. كل كلمة كانت بتبين قد إيه الشخص ده رخيص، جبان، ومستعد يدوس على أي حد عشان ينقذ نفسه بس.
امشي يا طارق. المحامي بتاعي هيكلمك.
سلمى! سلمى متقفليش!
سبته واقف ع السلم ودخلت الأوضة، مسكت تليفوني وقفلته تماماً.
الساعة كانت تمانية الصبح. دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة عشان أطرد أثر الدموع والحړقة اللي في عيني، ولبست هدومي الرسمية بتاعة الشغل، بس وجهتي الأولى مكنتش شركة التأمين.
أول مشوار كان مكتب الشهر العقاري في الجيزة. لغيت التوكيل الإداري والبنكي فوراً، وطلبت شهادة رسمية بالإلغاء وسحبت كل الصور والبيانات اللي تثبت إني المالكة الوحيدة للحساب الأصلي.
المشوار التاني كان لمكتب أستاذ مجدي عبد الغفار، المحامي اللي كان جارنا في بيت أهلي القديم في شبرا وراجل كبير وخبير في قضايا الڼصب والأحوال المدنية.
قعدت قدامه في المكتب، وحطيت كل الورق على التربيزة كشف الحساب المفصل، صور وصولات التحويلات، عقد إيجار شقة الزوجية باسمي، وفويساته اللي كان باعتها على مدار الشهور اللي فاتت وهو بيطلب مني أسدد الإيجار ومصاريف العفش عشان هو مزنوق في علاج والده.
أستاذ مجدي بص في الورق بنظارته، وهز راسه بأسف وهو بيعدل نضارته
يا بنتي، الموقف معقد من ناحية وسهل من ناحية تانية.


