
— لو أبويا كان شريكك… ليه شهادة ميلاد عمر فيها اسم أبويا؟ جابر بدأ يرجع للخلف. داليا قالت بصوت مكسور: — لأن عمر مش ابن جابر. مريم شهقت. — أمال ابن مين؟ داليا بصت لها مباشرة. — ابن أبوكي. الكلمة نزلت على مريم كأنها صدمة كهربا. — إنتِ بتكدبي! — لأ. داليا هزت رأسها. — عمر أخوكي من أبوكي. مريم ما قدرتش تتكلم. وفجأة، موبايلها رن. كان عمر. ردت وهي مش قادرة تتحكم في صوتها.
— عمر؟ جاله صوت متوتر: — مريم… إنتِ فين؟ وإيه اللي حصل؟ أنا وصلت القاهرة من ساعة. مريم بصت لجابر. كان واقف ساكت، وعينيه على التليفون. قالت: — عمر… محتاجة أسألك سؤال. — اسألي. — إنت تعرف اسم والدك الحقيقي؟ سكت عمر. صمت طويل جدًا. وبعدين قال: — مين قالك السؤال ده؟ مريم حست بقلبها بيقع. — عمر… رد عليا. صوته اتغير. — مريم، اقفلي الباب ومتخرجيش من البيت. — ليه؟
— لأن الشخص اللي جوا البيت معاكي… سكت لحظة. ثم قال: — مش جابر بس اللي لازم تخافي منه. مريم بصت ناحية باب الشقة. وفي نفس اللحظة… سمعت مفتاح بيلف في الباب الرئيسي. داليا بصت ناحية السلم ووشها ابيض. — مستحيل… مريم همست: — مين؟ داليا ردت وهي بتترعش: — ماما. لكن صوت عمر جاء من الهاتف بسرعة: — مريم… أمي مش في المنوفية. مريم تجمدت. جابر ابتسم لأول مرة.
ومن خلف باب الشقة… دخلت نوال بهدوء، وهي ماسكة في إيدها حقيبة سوداء. وبصت لمريم وقالت: — كنت مستنياكي توصلي للحقيقة دي من زمان. ثم قفلت الباب بالمفتاح. والليلة لسه ما بدأتش. يتبع…نوال قفلت الباب بالمفتاح، وحطته في جيبها. مريم بصت لها وهي مش مصدقة. — إنتِ… كنتِ فين؟ نوال ابتسمت ابتسامة باردة. — في المكان اللي كان لازم أكون فيه. جابر قرب منها وقال بعصبية: — إنتِ رجعتي ليه دلوقتي؟
نوال بصت له باحتقار. — لأنك فشلت. الكلمة خلت جابر يسكت. مريم بصت لداليا. — إنتوا كلكم متفقين؟ داليا هزت رأسها بسرعة. — لأ والله… أنا ما كنتش عارفة كل حاجة. نوال قاطعتها: — داليا عارفة أكتر مما بتقول. داليا بدأت تعيط. — أنا كنت بحاول أحمي عمر! مريم رفعت صوتها: — تحميه من إيه؟! نوال فتحت الحقيبة السوداء. طلعت منها مجموعة ملفات وصور قديمة. وحطتهم على الترابيزة. — من الحقيقة.
مريم قربت. أول صورة كانت لجابر ورجل غريب واقفين قدام شركة قديمة. وفي الصورة التانية… كان والد مريم واقف معاهم. لكن المفاجأة كانت في الصورة التالتة. عمر كان موجود. طفل صغير، يمكن عمره خمس سنين، واقف جنب والد مريم. مريم همست: — دي صورة عمر وهو صغير… نوال قالت: — أيوه. — وإزاي أبويا كان معاه؟ نوال سكتت لحظة. ثم قالت: — لأن أبوكي هو اللي ربّى عمر أول خمس سنين من حياته.
مريم حست إن نفسها اتقطع. — طب ليه؟ جابر صرخ: — كفاية يا نوال! لكنها تجاهلته. — لأن عمر كان ابنه. مريم بصت لجابر. — إنت كنت عارف؟ جابر ما ردش. نوال قالت: — أبوكي اتظلم واتسجن بسببنا. وأنا وجابر أخدنا الشركة، والفلوس، وكل حاجة. — وليه عمر اتربى عند أبويا؟ نوال بصت لها مباشرة. — لأن أبوكي كان بيهددنا إنه هيفضحنا. ثم أضافت: — وعمر كان الورقة الوحيدة اللي ممكن نضغط بيها عليه.
مريم رجعت للخلف. — يعني خطفتوا طفل؟ نوال ردت ببرود: — وقتها كان عمر صغير جدًا. وفجأة… جاء صوت من الهاتف. عمر كان لسه على الخط. — مريم… أنا سمعت كل حاجة. نوال اتجمدت. مريم قربت الهاتف من السماعة. عمر قال: — أمي… إنتِ عمرك ما كنتِ أمي. نوال سكتت. جابر بص لها. — اقفلي المكالمة. لكن عمر كمل: — وأنا عارف مين أمي الحقيقية. مريم همست: — مين؟ عمر قال:
— الست اللي مـ,ـاتت في الحـ,ـادثة اللي بسببها أبوكي دخل السجن. نوال بدأت تتوتر لأول مرة. عمر تابع: — والست دي… سكت ثواني. ثم قال: — كانت أخت نوال. مريم بصت لنوال. — يعني… إنتِ كنتِ عارفة إن أختك مـ,ـاتت؟ نوال عينيها لمعت بالدموع. لكنها مسحتها بسرعة. — مريم… إنتِ لسه مش فاهمة. — أفهم إيه تاني؟! نوال فتحت آخر ملف. وأخرجت ورقة عليها توقيع والد مريم. مريم قربت منها.
وقرأت أول سطر. “إقرار باستلام الطفل عمر عبدالسلام مقابل عدم كشف الحقيقة.” شهقت. — أبويا وقّع؟ نوال قالت: — أيوه. مريم بدأت تهز رأسها. — لأ… أبويا مستحيل يعمل كده. وفي اللحظة نفسها، دوّى صوت خبط قوي على باب البيت. مرة. مرتين. ثم صوت رجل من الخارج: — شرطة! افتحوا الباب! جابر تجمد. نوال وقعت منها الحقيبة. داليا بدأت تبكي. أما مريم… فبصت لموبايلها. عمر قال بصوت منخفض: — مريم… ما تفتحيش الباب.
— ليه؟ رد عليها: — لأن الشرطة دي… مش جاية تقبض على جابر. وفي نفس اللحظة، ظهر على شاشة مريم إشعار من رقم مجهول: “لو فتحتي الباب… عمر هيمـ,ـوت.” يتبع…مريم فضلت واقفة قدام الباب، والموبايل في إيدها. الجملة اللي ظهرت على الشاشة كانت بتتكرر قدام عينيها: “لو فتحتي الباب… عمر هيمـ,ـوت.” دقات الباب زادت. — افتحوا الباب! شرطة! جابر بص لمريم وقال: — افتحي. مريم بصت له باستغراب. — مش إنت اللي كنت خايف من الشرطة؟
ابتسم ابتسامة صغيرة. — عشان أنا عارف إنهم مش شرطة. داليا شهقت. — يعني إيه؟ جابر ما ردش. نوال فجأة خطفت الحقيبة السوداء وحاولت تجري ناحية المطبخ. مريم وقفت قدامها. — الحقيبة دي فيها إيه؟ نوال قالت بصوت مكسور: — فيها الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنقذ عمر. في اللحظة دي، الباب اتكسر. ودخل رجلين بملابس مدنية. واحد منهم رفع بطاقة وقال: — مباحث. لكن مريم لاحظت حاجة. البطاقة كانت مقلوبة.
الرجل مد إيده ناحية جابر. — الملف يا حاج. جابر رد: — اتأخرتوا. مريم فهمت. كانوا متفقين. لكن قبل ما الرجل ياخد الحقيبة، داليا صرخت: — مريم! اجري! الرجل اندفع ناحية مريم. مريم جريت ناحية السلم، لكن الرجل لحقها ومسك ذراعها. وفجأة… داليا ضـ,ـربته بالكرسي. وقع على الأرض. مريم هربت ناحية المطبخ، وقفلت الباب عليها. فتحت الموبايل بسرعة. — عمر! فين إنت؟! صوته كان متقطعًا. — أنا… قدام البيت. — إنت إزاي قدام البيت؟!
— مريم، اسمعيني كويس. سكت لحظة. — أنا مش لوحدي. مريم قربت الموبايل من ودنها. سمعت صوت رجل تاني. — متقلقيش يا مدام مريم. كان صوت غريب. لكنها عرفته. كان نفس الصوت اللي بعت لها الرسالة. مريم همست: — مين ده؟ عمر رد: — الشخص اللي اكتشفت إنه كان بيحرك جابر ونوال من البداية. مريم فتحت باب المطبخ بحذر. البيت كان هادي. جابر اختفى. نوال اختفت. وداليا كانت قاعدة على الأرض، بتبكي.
مريم قربت منها. — هما راحوا فين؟ داليا أشارت ناحية الباب الخلفي. — خدوا الحقيبة وهـ,ـربوا. مريم قالت: — والحقيبة فيها إيه؟ داليا مسحت دموعها. — دليل على إن أبوكي اتظلم. مريم اتجمدت. — يعني إيه؟ داليا بصت لها. — أبوكي ما قت..لش حد. — عارفة. — لأ… إنتِ مش فاهمة. داليا قربت منها وهمست: — أبوكي ما دخلش السجن بسبب السـ,ـرقة. سكتت لحظة. ثم قالت: — دخل السجن لأنه أخد مكان شخص تاني.
مريم حست إن رجليها مش شايلينها. — مين؟ داليا قالت: — الشخص الحقيقي اللي ارتكب الجر..يمة… وفي نفس اللحظة، وصلتها رسالة على الموبايل. صورة حديثة لرجل واقف جنب عمر. مريم فتحت الصورة. اتصدمت. الرجل كان… والدها. مريم شهقت: — مستحيل… داليا بصت للصورة. وشها اتغير. — أبوكي… عايش؟ لكن قبل ما مريم ترد، رن الهاتف. رقم مجهول. ردت. وسمعت صوت رجل كبير في السن، هادي جدًا: — مريم… لو عايزة تعرفي الحقيقة كاملة، تعالي لوحدك.
— إنت مين؟ الصوت ضحك ضحكة قصيرة. — أنا الشخص اللي أبوكي ضحى بعشرين سنة من عمره عشانه. مريم سألت: — فين؟ جاء الرد: — المكان اللي بدأت فيه كل الحكاية. ثم أضاف: — محطة القطار القديمة في مصر الجديدة. وانقطع الاتصال. مريم بصت لداليا. لكن داليا كانت بتبص ناحية الشباك. وقالت بصوت مرتعش: — مريم… — إيه؟ — بصي هناك. مريم قربت من الشباك. وفي الشارع المقابل… كانت عربية سوداء واقفة.
وعمر كان واقف جنبها. لكن شخصًا كان ماسك مسد..سًا موجهًا ناحية رأسه. وعلى زجاج العربية… كانت ورقة ملزوقة عليها جملة واحدة: “آخر فرصة… تعالي لوحدك.” مريم قبضت إيدها. وأدركت إن الليلة دي… مش هتنتهي إلا لما تعرف مين بيحرك الجميع من وراء الستار. والحقيقة الأخيرة… هتكون عن أبوها هي. يتبع…مريم فضلت واقفة قدام الشباك، مش قادرة تستوعب اللي شايفاه. عمر واقف جنب العربية، والرجل اللي ماسك السلا..ح وراه.

