
رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن الجمرة الأولى في شقة صغيرة تتألف من غرفتين وصالة، بشرفة ضيقة تطل على شارع فى حى شعبى، ومطبخ وحمام بالكاد يسع شخصًا واحدًا، وقفت شهد أمام باب الحمام، تضـ,ـرب بكفها على الخشب المتهالك بنفاد صبر، وصوتها الحانق يعلو في أرجاء الشقة: خلص يا زفت الطين يا عاصم! بقالك سنة جوا! دا انت كلك على بعضك قد الصابونة!
قبل أن يأتيها أي رد من الداخل، شعرت بحركة خلفها، فاستدارت لتجد ضي، ابنة خالتها الصغيرة، تقف أمامها بكامل زيها المدرسي المرتب، وشعرها الأسود الناعم مربوط إلى الخلف في ضفيرة متقنة، ووجهها الطفولي يحمل مزيجًا من الهدوء والتوجس. ضي بصوت ناعم، وهي ترفع حاجبيها باندهاش: هو لسه ماخرجش؟ رمقتها شهد بنظرة سريعة قبل أن تقول بامتعاض: لبّستي وسرّحتي شعرك يا ضي، والمحروس أخوكي مذنبني هنا! وضعت يدها على خصرها، وهتفت بغضب: انت يا حيوان للي جوه هتأخر علي الامتحان!
من عند باب الغرفة، ظهر هشام، شقيق ضي، ولد صغير لا يتجاوز العاشرة، بوجه طفولي يحمل مكرًا لا يليق بسنه، هتف متذمرًا وهو يتثاءب: امتحانك الساعة 10 وإحنا لسه 7 ونص! إيه الاستعجال اللي انتي فيه ده؟ شهد بحنق وهي تلوّح بيدها: خليك في حالك يا هشام، بدل ما أجي أفش غلي فيك يا زعبولة انت التاني! هلاقيها منك ولا من حموكشة اللي جوه؟! من خلف الباب المغلق، أتاها صوت عاصم المشاغب، مفعم ببرود مستفز: أهو علشان الأسامي اللي مطلعها علينا يا شهد وخليتي العيال في المدرسة والشارع بقت تنادينا بيها، مش خارج غير لما تتأسفي!
رفعت حاجبيها في تهكم، وضـ,ـربت الباب بكفها بقوة: ها، ضحّكتني والله! وأنا ماليش مزاج! هتخلص ولا أكسر الباب فوق نافوخك؟ عاصم بإصرار مستفز: مش طالع! مش طالع! ضيقت عينيها بدهاء، وألقت بكلماتها ببطء مقصود: لو ماطلعتش وديني لأكون جايلك وفضحاك في الفصل! هقول لكل العيال إني أنا اللي بحل لك الواجب! وأنت عارفني أعملها مايفرقليش! في ثوانٍ، انفتح الباب بعنف، وخرج عاصم مشعث الشعر، وجهه ممتقع بالغضب، وقال بتهكم: اديني طلعت! إيه هتذلّينا عشان بتحليلنا الواجب؟ انتي أصلًا فاشلة وإجاباتك كلها غلط
قهقه هشام بمكر وهو يتقدم من عند الغرفة: وبعدين إحنا كمان ممكن نفتن عليكي ونقول إنك بتوقفي مع شلة البنات أصحابك قدام المدرسة، وبتحطوا روج وبودرة عشان الشباب يعاكسوكم! تحولت نظرات شهد إلى شرسة في لحظة، أمسكته من قفاه، فجفل الصغير وحاول الإفلات، لكنها شدته بقوة وهمست بصوت منخفض لكن مُهدد: وله يا هشام، حسك عينك تفتح بُقك، وإلا… إنت عارف أنا هعمل إيه ماشي؟ ولا تكون نسيت آخر مرة؟!
بسرعة خاطفة، تملص منها وانطلق إلى داخل الحمام، قبل أن يغلق الباب بضحكة منتصرة، فهتفت شهد من خلفه بحنق: أنا عايشة مع قُرود! وله يا هشام، يا ابن الجزمة! أتاها صوت خالتها المتهكم: أنا جزمة؟ يا شبشب زحافي، يا بنت سندس! رفعت يديها في الهواء بيأس، واستدارت نحو الصالة حيث جلست خالتها زينب ووالدتها سندس على الأرض التى كانت منهمكة في طيّ الملابس، دون أن ترفع نظرها، لكنها هتفت بضيق: كفاية دوشة على الصبح يا شهد صدعتوني!
نفخت شهد خدودها بانزعاج، ووضعت يديها على خاصرتها، قبل أن تتمتم ساخرة: دا اللي باخده منكم في البيت ده! توب عليا يا رب من العيشة دي، وارزقني بواحد جته كده كتاف بعضلات واسمريكا يدلعني أخرج عاصم لسانه لها ساخرًا: أحلام الفتاة الطائشة! لم تعره انتباهًا، وإنما التفتت إلى ضي التي تنهدت قائلة: على ما يطلع، تعالي أسرح لك شعرك قبل ما تلبسي الطرحة يا شهد! نفضت إحدى خصلات شعرها الطويل إلى الخلف، قبل أن تتبعها، وهي تهمهم بين شفتيها بكلمات ساخطة لم يسمعها أحد!
❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ خرجت شهد من باب البيت بخطوات متمايلة، محاطة بأبناء خالتها الذين يملؤون الجو ضجيجًا وضحكات، الهاتف بين يديها، وعيناها مثبتتان على شاشته، كأن العالم قد انكمش داخل تلك المستطيلة الصغيرة، بينما تمشي بخفة عذبة يشي بها ثني خصرها ورنين ضحكتها المكتومة. وفجأة أحسّت بظلٍّ يغمرها، ثم وصل إلى مسامعها صوتٌ أجشّ مرحٌ يحفظه قلبها: يا صباح النشاط والهِمّة! عاملين إيه يا وحوش؟ أجاب عاصم بلهفةٍ لا تخلو من الفخر: زي الفل، الحمد لله يا معلم جلال
رفعت شهد عينيها نحوه خلسة، فوقع بصرها على قامته الشامخة وملامحه التي يكـ,ـسوها الصرامة، في وسامةٍ فتاكة تُرهق القلب وتستبيح الحواس، بينما يتحدث مع الأطفال بجديةٍ مرحة، فازدادت مهابته في عينيها. ضحك جلال بصوتٍ أجشّ يحمل الحزم والمرح معًا: اسمعوا يا عيال… مفيش عك في الامتحان، كل واحد يركز ويحلّ على بركة الله قال عاصم وهو يحك رأسه بلا مبالاة: أنا هخش أهبد اللي يجي في مخي علي ورقة الامتحان… المهم ننجح والسلام



