
حب مزيف : الرجل الذي جاء في وقت الضعف لم تكن «عبير» تبحث عن الحب. كانت تبحث عن شخص يسمعها فقط. امرأة في بداية الثلاثينيات، أم لطفل صغير، تعيش منذ أكثر من عام في بيت والدها بعد أن وصلت علاقتها بزوجها إلى طريق مسدود. لم يكن بينهما طلاق رسمي بعد، لكن كل شيء آخر انتهى. انتهت المشاجرات، لأنهما لم يعودا يتحدثان. انتهت الغيرة، لأن كل واحد منهما أصبح يعيش في عالم منفصل.
حتى الأمل انتهى. كانت تنتظر فقط جلسة المحكمة الأخيرة، وبعدها يصبح اسمها رسميًا «مطلقة». وفي كل ليلة، بعد أن ينام ابنها، كانت تمسك هاتفها وتفتح فيسبوك بلا هدف. تتصفح المنشورات. ترى صور الناس، ضحكاتهم، احتفالاتهم، كلامهم عن الحب. ثم تغلق الهاتف. لكن في إحدى الليالي وصلتها رسالة من حساب شخص لم تعرفه. «مساء الخير، أتمنى ما أكونش بضايقك.» تجاهلت الرسالة. بعد ساعات وصلت رسالة أخرى: «واضح إنك مش بتحبي الكلام مع الناس، حقك عليا.»
لم تعرف لماذا، لكنها ابتسمت. كتبت: ـ لا عادي. ومن هنا بدأت الحكاية. كان اسمه «ياسين». لم يكن يعرفها، لكنها شعرت منذ الأيام الأولى أنه مختلف. كان يسألها: ـ يومك كان عامل إيه؟ ـ ابنك عامل إيه؟ ـ أكلتي؟ ـ ليه صوتك حزين النهاردة؟ أسئلة بسيطة… لكنها كانت بالنسبة لعبير شيئًا افتقدته منذ زمن. لم يسألها زوجها منذ شهور عن حالها. أما هذا الغريب، فكان يسألها كل يوم. وبدأت تحكي.
في البداية عن أشياء عادية. ثم عن مشاكلها مع زوجها. ثم عن خوفها من المستقبل. ثم عن ابنها. ثم عن وحدتها. وكان دائمًا يستمع. لا يقاطعها. لا يلومها. ولا يقول لها: «أنتِ السبب». كان يقول لها: ـ أنتِ تستاهلي حد يسمعك. وفي إحدى الليالي كتب لها: ـ أنا مش فاهم إزاي واحدة زيك اتعذبت بالشكل ده. ردت: ـ يمكن نصيبي. قال: ـ لأ… أنتِ بس قابلتي الشخص الغلط. ظلت عبير تنظر إلى الجملة طويلًا.
ثم أغلقت الهاتف. لكنها لم تستطع النوم. في اليوم التالي عاد للحديث معها. ومع مرور الأيام، أصبح وجوده جزءًا من يومها. إذا استيقظت وجدت رسالته. إذا حزنت وجدته. إذا تشاجرت مع والدتها وجدته. إذا بكى ابنها بسبب والده، كانت تحكي له. حتى أصبحت تشعر أن ياسين يعرف عنها أكثر مما يعرف أقرب الناس إليها. ثم بدأ الكلام يتغير. ـ أنا حاسس إني اتعلقت بيكي. ارتبكت. ـ إحنا أصحاب. ـ أنا مش شايفك صاحبة.
ـ أمال شايفني إيه؟ ـ ست دخلت قلبي. لم ترد. فأرسل: ـ عارف إن ظروفك صعبة، ومش هضغط عليكِ. لكن بعد دقائق: ـ بس نفسي أسمع صوتك. كانت عبير مترددة. لم تكن مرتاحة لفكرة التواصل الصوتي. قالت: ـ خلينا نتكلم شات أحسن. وافق. مرت أيام. ثم قال: ـ نفسي أشوفك. ـ لأ. ـ ليه؟ ـ مش مرتاحة. ـ أنا مش هعمل حاجة. ـ حتى لو، أنا مش عايزة. قال: ـ حاضر.
لكن نبرته تغيرت. بدأ يختفي بالساعات. ثم يعود ببرود. وحين تسأله: ـ مالك؟ يرد: ـ مفيش. ـ حاساك متغير. ـ يمكن. ـ زعلان مني؟ ـ لا. وفي ليلة كتب لها: ـ هو أنا بطلب حاجة صعبة؟ ـ قلت لك مش مرتاحة للفيديو. ـ طب ليه؟ ـ عشان أنا مش مستعدة. ـ مستعدة لإيه؟ ـ للموضوع كله. ظل صامتًا. ثم قال: ـ يعني بتثقي فيا؟ ـ آه. ـ طب إيه المشكلة؟
ـ الثقة مش معناها إني أعمل حاجة أنا مش عايزاها. لم يرد. مرت عشر دقائق. ثم ظهرت رسالة: «خلاص، براحتك.» شعرت عبير بالذنب. كتبت: ـ متزعلش. لم يرد. اتصلت به عبر التطبيق. لم يجب. في اليوم التالي عاد وكأن شيئًا لم يحدث. ـ صباح الخير. ـ صباح النور. ـ زعلانة مني؟ ـ لأ. ـ متأكدة؟ ـ أيوه. قال:
ـ أنا بس كنت محتاج أحس إنك بتثقي فيا. ترددت. ثم قالت:
ـ أنا بثق فيك، بس مش هعمل حاجة غصب عني. أجاب: ـ خلاص. لكن هذه المرة لم تكن كلمة «خلاص» عادية. بدأت عبير تلاحظ أشياء لم تكن تراها من قبل. كلما تحدثت عن مشاكلها، كان يستمع باهتمام شديد. لكن عندما تتحدث عن نفسها كإنسانة لها أحلام واهتمامات، كان يغير الموضوع. كان يريد معرفة نقاط ضعفها أكثر من معرفته بشخصيتها. وحين قالت له ذات مرة: ـ أنا نفسي أبدأ شغل وأعتمد على نفسي.
رد بسرعة: ـ سيبي كل ده، أهم حاجة تلاقي الراجل اللي يحتويكي. توقفت عند كلمته. ـ يعني إيه؟ ـ يعني أنتِ محتاجة راجل في حياتك. ـ أنا محتاجة أرتاح الأول. ـ لا، أنتِ محتاجة حد يسمعك ويكون جنبك. ثم أضاف: ـ وأنا موجود. شعرت عبير بقلبها يرتجف. كانت جملة بسيطة. لكنها جاءت في وقت كانت فيه أكثر احتياجًا لسماعها. وبدأت تصدق أنها وجدت الشخص الذي افتقدته. بدأت تنتظره. تنتظر رسائله.



