
تفرح حين يكتب. تحزن حين يختفي. وفي ليلة قال لها: ـ أنا عايز أكلمك فيديو. قالت: ـ لسه مش مستعدة. ـ لحد إمتى؟ ـ معرفش. ـ يعني ممكن نفضل كده شهور؟ ـ لو أنت بتحبني، تستنى. تغيرت نبرته فجأة. ـ هو الحب عندك كلام وبس؟ ـ لا. ـ أمال؟ ـ أنا قلت لك حدودي. سكت طويلًا. ثم قال: ـ خلاص. وأغلق الحديث. جلست عبير وحدها. لأول مرة شعرت بالخوف. ليس خوفًا منه…
بل خوفًا من نفسها. هل كانت تحبه فعلًا؟ أم أنها أحبت اهتمامه لأنها كانت وحيدة؟ وفي اليوم التالي، حدث شيء جعلها تعيد كل كلمة قالها منذ البداية. فتحت حسابه على فيسبوك. وجدت أنه حذف صورته. ثم اكتشفت أن قائمة أصدقائه أصبحت مخفية. ثم لاحظت شيئًا أغرب. منشورًا قديمًا كتب فيه: «أسهل شخص ممكن توقعه في حبك هو الشخص اللي حاسس إنه لوحده.» تجمدت أمام الشاشة. فتحت التعليقات. وجدت تعليقًا منه نفسه:
«المهم تعرف تخليه متعلق بيك.» شعرت وكأن دلوًا من الماء البارد سقط فوق رأسها. فتحت المحادثة. قرأت كل شيء من البداية. كل مرة سألها فيها عن مشاكلها. كل مرة قال لها إنها تحتاج رجلًا. كل مرة حاول دفعها لتجاوز حدودها. وفجأة فهمت. لم يكن يستمع إليها لأنه يحبها. كان يجمع مفاتيح قلبها… ليعرف من أين يدخل. وفي نفس اللحظة وصلت رسالة منه: «إنتِ ليه ساكتة؟ وحشتيني.» نظرت عبير إلى الرسالة طويلًا.
ثم كتبت: ـ أنا عرفت حقيقتك. ولأول مرة… لم يرد ياسين بكلمة «حاضر». بل ظهرت أمامها عبارة: ياسين يكتب… ثم اختفت. وعادت تظهر. ثم اختفت مرة أخرى. وبعد دقائق وصلت رسالة واحدة: «أنتِ فاهمة غلط.» لكن عبير لم تكن تعرف أن الرسالة القادمة منه ستكشف لها السبب الحقيقي الذي اختارها من أجله. — الفصل الثاني: عندما انكشف الحب المزيف ظلت عبير تحدق في الشاشة. «أنتِ فاهمة غلط.» كتبت: ـ طب فهمني.
رد بسرعة: ـ المنشور قديم. ـ والتعليقات؟ ـ كنت بهزر. ـ والأسئلة اللي كنت بتسألها عن مشاكلي؟ ـ عشان كنت مهتم. ـ ومحاولتك المستمرة إنك تشوفني فيديو؟ صمت. ـ رد. ظهر: «كنت عايز أتأكد إنك صادقة معايا.» ضحكت عبير بسخرية. ـ لا. ـ أمال؟ ـ كنت عايز تعرف شكلي وأستجيب لك لحد فين. غاب عن الرد. وهنا تأكدت. لم يكن لديها دليل كامل، لكنها أصبحت ترى كل شيء بوضوح. كتبت:
ـ أنت ما حبتنيش. رد: ـ بالعكس. ـ أنت حبيت ضعفي. ـ عبير… ـ حبيت إني كنت محتاجة حد يسمعني. ـ سارة… ـ حبيت إني كنت خارجة من جواز فاشل، ومستنية الطلاق، ووحدي. لم يرد. ـ كنت عارف إن أي كلمة حلوة هتخليني أتعلق. ثم كتبت: ـ وأنت استغليت ده. جاء الرد بعد فترة: ـ أنا كنت بحبك بطريقتي. نظرت عبير إلى الجملة. ثم كتبت: ـ الحب مش بيخليك تضغط على الشخص لما يقول لك «لأ».
هذه المرة لم يجب. أغلقت الهاتف. لكن قلبها لم يكن منتصرًا. كانت موجوعة. لأنها لم تخسر حبيبًا. بل خسرت الصورة التي صنعتها لشخص لم يكن موجودًا أصلًا. — مرت ثلاثة أيام. لم تتحدث معه. لكنها كانت تعود للمحادثة كل ليلة. تقرأ كلامه. ثم تحذف التطبيق. ثم تعود لتنزيله. كانت تحاول إقناع نفسها أنها لم تحبه. لكن الحقيقة أنها تعلقت. تعلقت بالشعور الذي منحها إياه. شعور أن هناك شخصًا ينتظر رسالتها.
شخصًا يقول لها: «أنا موجود.» لكنها اكتشفت أن هناك فرقًا كبيرًا بين شخص يكون موجودًا فعلًا وشخص يستغل احتياجك لوجوده. وفي اليوم الرابع، وصلتها رسالة. لكنها لم تكن من ياسين. كانت من حساب آخر. «أنا عارف إنك كنتِ بتتكلمي مع ياسين.» ارتبكت. ـ مين حضرتك؟ ـ واحدة اتعرفت عليه قبلك. تجمدت عبير. ـ يعني إيه؟ ـ يعني إنك مش أول واحدة يقول لها نفس الكلام. ثم أرسلت لها صورًا من محادثات قديمة.
نفس الجمل. نفس طريقة الاهتمام. نفس الكلام عن أنها مظلومة وتحتاج رجلًا. نفس طلب مكالمات الفيديو. ونفس الغضب عندما ترفض. جلست عبير على السرير. وبدأت تبكي. لم يكن بكاؤها على ياسين وحده. كانت تبكي على نفسها. على الوقت الذي أعطته له. على ثقتها. وعلى الفراغ الذي جعلها تصدق أن أول شخص يسمعها هو بالضرورة الشخص الذي يحبها. ثم جاءتها رسالة أخرى: «خدي بالك… هو مش بس بيكلم ستات كتير. هو بيختار الست اللي تكون في أضعف وقت في حياتها.»
رفعت عبير رأسها. هنا فهمت اللعبة كاملة. هو لم يكن يبحث عن امرأة بعينها. كان يبحث عن احتياج. وكان يعرف كيف يحوله إلى تعلق. — في المساء، جلس ابنها بجوارها. قال: ـ ماما، إنتِ زعلانة؟ مسحت دموعها بسرعة. ـ لا يا حبيبي. ـ بس إنتِ بتعيطي. احتضنته. وفي تلك اللحظة شعرت بالخجل من نفسها. ليس لأنها أحبت. فالحب ليس عيبًا. بل لأنها سمحت لوحدتها أن تجعل شخصًا غريبًا يصبح مسؤولًا عن سعادتها.
قال لها طفلها: ـ متزعليش. ابتسمت وسط دموعها. ـ مش هزعل. وفي اليوم التالي، اتخذت قرارها. فتحت حساب ياسين. ثم كتبت: ـ أنا مش هكمل الكلام معاك. جاء الرد: ـ ليه؟ ـ لأن اللي بينا ما كانش حب. ـ أنتِ ظالماني. ـ يمكن. ـ طب اديني فرصة. ـ أنا اديتك أكتر من فرصة. ـ أنا بحبك. توقفت لحظة. ثم كتبت: ـ لو كنت بتحبني فعلًا، كنت احترمت «لأ» من أول مرة.
أرسل: ـ عبير… ـ انتهى. ثم حظرته. — بعد عدة أشهر، انتهت إجراءات طلاقها رسميًا. وقفت عبير أمام المرآة في ذلك اليوم. كانت تحمل ورقة الطلاق في يدها. كان من الممكن أن تعتبر نفسها امرأة فشلت في زواجها. وكان من الممكن أن تبحث بسرعة عن شخص يعوضها. لكنها ابتسمت. لأنها أدركت شيئًا أهم. هي لم تكن تحتاج رجلًا ينقذها. كانت تحتاج أن تنقذ نفسها أولًا. بدأت تعمل. اهتمت بابنها. عادت لصديقاتها.
وأغلقت الباب أمام كل شخص يحاول أن يدخل حياتها من بوابة ضعفها. وبعد فترة، وصلتها رسالة من حساب مجهول: «لسه فاكراني؟» لم تحتج أن تسأل من هو. عرفت. حذفت الرسالة. ثم أغلقت الهاتف. لكن هذه المرة لم تبكِ. لم تشعر بالحنين. لم تسأل نفسها: «ماذا لو؟» بل قالت: ـ الحمد لله إني عرفت الحقيقة قبل ما أخسر نفسي أكتر. وفي الليل، نام ابنها بجوارها. نظرت إليه وابتسمت. وفهمت أخيرًا أن أسوأ أنواع الحب المزيف ليس أن يكذب عليك شخص ويقول لك «أحبك».
بل أن يستغل وحدتك، ويجعلك تصدقين أنك لا تستطيعين العيش بدونه. نصيحة لكل بنت وست ❤️ لو كنتِ خارجة من علاقة مؤلمة، أو منفصلة عن زوجك، أو حاسة إنك وحيدة ومحتاجة حد يسمعك، متخليش احتياجك للاهتمام يخليكي تثقي في شخص لمجرد إنه عرف يقول لك الكلام اللي نفسك تسمعيه. مش كل واحد يسأل عنك يبقى بيحبك. ومش كل واحد يقول لك: «أنا الوحيد اللي فاهمك» يبقى فعلًا عايز مصلحتك. خدي بالك من الشخص اللي يبدأ يجمع أسرارك ومشاكلك ونقط ضعفك، وبعدها يستخدم احتياجك العاطفي علشان يضغط عليكِ في حاجة إنتِ مش مرتاحة لها.
ولو قلتي «لا»، والشخص اللي قدامك زعل أو حاول يحسسك بالذنب، فدي مش علامة حب. دي علامة لازم توقفي عندها. ومتصدقيش إنك محتاجة رجل في حياتك علشان تبقي قوية. أنتِ قوية بنفسك. ولو كنتِ منفصلة أو مطلقة أو عايشة فترة صعبة، ده مش معناه إن أي شخص يقترب منك يستحق يدخل قلبك. خدي وقتك. اتأكدي من الشخص. خلي حدودك واضحة. ومتبعتيش صور أو فيديوهات أو أي حاجة خاصة لشخص لمجرد إنه قال لك «أنا بحبك».
والأهم… متخليش خوفك من الوحدة يخليكِ تختاري شخصًا أسوأ من الوحدة نفسها. الوحدة مؤلمة، لكن الوقوع في يد شخص يستغل قلبك واحتياجك ممكن يترك جرحًا أكبر بكتير. ولو حد بيحبك بجد، هيحترمك، ويحترم ظروفك، ويحترم رفضك، ومش هيحاول يستغل ضعفك. الحب الحقيقي يطمنك… مش يخوفك. يحتويك… مش يستغل احتياجك. يحترم حدودك… مش يحاول يكسرها. وخلي دايمًا الجملة دي قدام عينيك: «أنا مش محتاجة أي حد علشان أحس إني مهمة… أنا مهمة حتى لو مفيش حد في حياتي.» ❤️
النهاية.




