
غمض عينه وقال بمنتهى الندالة:
— “موافق يا نيرة.. ولادي يروحوا لهناء، هي أصلاً مابتعرفش تعمل حاجة في الدنيا غير إنها تكون ‘أم’، فخليها تعيش دورها للآخر وتريحنا.”
وفعلاً، نيرة بدأت تنفذ خطتها، قلبت الدنيا على سامح وطلبت الطلاق، وضغطت عليه بكل الطرق لحد ما وافق، وسابت له ولادها من غير ما يرف لها جفن، كأنهم حمل تقيل وانزاح.
مرت الأسابيع الأولى وبدأ بريق “الخيال” يختفي ليحل محله واقع قاسي جداً. باهر اللي كان بيشتكي من “شنطة الخضار” بتاعت هناء، بقى دلوقتي بيترعب كل ما يشوف نيرة ماسكة موبايلها بتطلب “أوردرات” براندات عالمية، أو كل ما يجيله إشعار من البنك بسحب مبالغ خرافية لمراكز التجميل.
في يوم، باهر دخل البيت وهو مهدود من الشغل، لقى نيرة قاعدة قدام المراية بتجرب ألوان أرواج جديدة، والصالة مليانة أكياس أكل “دليفري” فاضية، وعلب “سوشي” مرمية في كل حتة.
باهر بص للكركبة وقال بتعب:
— “نيرة، مش معقول كدة! بقالنا أسبوع بناكل أكل جاهز، والمصاريف بقت فوق طاقتي..
والبيت، مش هنلم مكان الأكل ده؟”
نيرة ردت عليه وهي بتبص في المراية بمنتهى البرود:
— “باهر حبيبي، إنت عارف إني مش ‘ست مطبخ’، أنا إيدي دي ما ينفعش تبوظ من غسيل المواعين والمنظفات، وبعدين أنا لسه عاملة ‘مانيكير’ غالي جداً.. لو الأكل مضايقك، قوم لمه إنت، إنت مش ضيف هنا، ده بيتك برضه.”
باهر لقى نفسه شايل أكياس الزبالة وبيمسح التربيزة، وهو بيفتكر “هناء” اللي كانت بتمسح الأرض ورا عياله وهي بتضحك، وبتقدم له الأكل بيتي وســ,,ـــــخن من غير ما تطلب منه مليم زيادة.
بعد كذا يوم من أكل المطاعم والدهون، جسم باهر ما استحملش.
صحي بليل بصريخ من وجع في معدته، وشه بقى أصفر زي الليمونة. نيرة قامت مفزوعة، بس مش عليه، كانت خايفة على “نومها”.
— “باهر! في إيه؟ إيه الدوشة دي؟ أنا عندي بكره ميعاد مهم جداً في الكوافير عشان هغير لون شعري وأعمل جلسة تنظيف بشرة عميقة، مش هعرف أركز وأنا مش نايمة كويس.”
باهر وهو بيتلوى من الألم:
— “نيرة.. بمــ,,ـــــوت.. وديني المستشفى يا نيرة.”
في المستشفى، الدكتور قرر يحجزه “اشتباه في تسمم غذائي” مع التهاب حاد في المعدة. باهر كان نايم على السرير، باصص للباب ومستني نيرة تفضل جنبه، تمسك إيده، تطمنه..
لكن نيرة بصت في ساعتها وقالت:
— “باهر، الدكتور قال إنك بقيت أحسن والمحاليل شغالة. أنا لازم أمشي، الميكروباص بتاع ‘السنتر’ هيعدي عليا، وإنت عارف المواعيد هناك بالثانية، والصبغة دي بتاخد وقت طويل.. هبقى أكلمك اطمن عليك.”
وسابته وخرجت. سابته لوحده في أوضة باردة، لا حد معاه ولا حد يسنده. باهر في اللحظة دي، وهو باصص للسقف، افتكر لما كان بيجيله مجرد “برد” بسيط، كانت هناء بتقلب البيت طوارئ، بتعمل له الشوربة، بتسهر تحت رجله، وبتدعي له بدموعها.. كان بيحس إنه “ملك” في بيته.
دلوقتي، هو متجوز “الملكة” اللي كان بيحلم بيها، بس اكتشف إنه بالنسبة لها مش أكتر من “محفظة” بتمول جمالها، وإنه في وقت الجد.. ملوش حد.
باهر دمعته نزلت وهو بيفتكر جملته لهناء: “أنا بحسد سامح عشان متجوز أنثى”.. دلوقتي عرف إن “الأنثى” اللي كان بيتمناها، هي “تمثال” من شمع، ملوش قلب ولا روح.
بينما كان باهر غارقاً في وحدته داخل غرفة المستشفى، يتجرع مرارة الندم مع كل كيس محلول يُعلق له، كانت الأقدار تنسج لـ هناء حياة لم تكن تحلم بها حتى في أشد لحظات خيالها تفاؤلاً.
سامح، الذي ذاق نفس مرارة الخذلان من نيرة، وجد نفسه وحيداً مع أطفاله، يبحث عن مأوى نفسي وعائلة تحتضن كــ,,ـــــسر قلبه. لم يجد أمامه سوى “هناء”؛ الست التي كان يراها دائماً مثالاً للتضحية والجمال الهادئ الذي لم يقدره باهر.
بدأ الأمر بمكالمة للاطمئنان على الأولاد، ثم زيارات عائلية، لكتشف سامح أن هناء ليست فقط “مدبرة منزل” ناجحة، بل هي أنثى راقية، حكيمة، وذات روح تشبه روحه تماماً. لم يتردد سامح طويلاً، وعرض عليها الزواج، ليس فقط لتكون أماً لأولاده، بل لتكون ملكة متوجة على عرش حياته
باهر خرج من المستشفى، وبدل ما يرجع لبيت “نيرة” البارد، رجع على قهوته المعتادة اللي كان بيقعد فيها مع سامح وصحابه، كان محتاج يحس إنه لسه وسط ناس يعرفهم بعد أيام الوحدة اللي عاشها في المستشفى.
أول ما قرب من الطاولة، سمع صوت ضحك عالي وكلام طالع من القلب.
وقف بعيد شوية والشرارة ضــ,,ـــــربت في قلبه لما سمع سامح بيتكلم بصوت ملهوف وفخور:
— “يا ج,,ماعة، أنا كأني كنت عايش في كابــ,,ـــــوس وصحيت منه. أنا كنت فاكر إن الجمال هو اللبس والمظاهر، بس لما اتجوزت هناء عرفت يعني إيه ‘جمال الروح’ بجد. الست دي ملكة، بتفهم الكلمة قبل ما أنطقها، شالت ولادي في عينيها كأنهم ولادها وأكتر.. لأول مرة أحس إني راجع بيت بجد، ريحة البيت حب، مش ريحة براندات ومساحيق تجميل.”
واحد من صحابهم رد عليه بصدق:
— “تستاهل يا سامح، إحنا كنا عارفين ومقطوع قلبنا عليك وأنت شايل مسؤولية كل حاجة، بيت وعيال وحتى مسؤولية نيرة نفسها اللي كانت عايشة لنفسها بس.. هناء دي جوهرة، باهر كان في إيده كنز ورماه، والحمد لله إنها بقت من نصيبك أنت، أنت اللي تقدر قيمتها.”
صاحبهم التاني كمل:
— “فعلاً يا سامح، باهر كان حاطط غشاوة على عينه، كان فاكر إن ‘نيرة’ هي النموذج، وهو ميعرفش إننا كنا بنشفق عليه من العيشة مع ست مابتفكرش غير في شكلها في المراية. هناء رجعتلك روحك، ونضفت حياتك من القرف اللي كنت فيه.”
باهر كان واقف ورا شجرة قريبة، جسمه كله بيترعش، والدموع اللي كانت محبوسة في المستشفى نزلت بقهر. الكلم,,ات كانت زي السياط بتقطع في ضهره: “باهر كان في إيده كنز ورماه”.. “إحنا كنا بنشفق عليه”.
في اللحظة دي، سامح طلع موبايله ووراهم صورة لهناء وهي لابسة فستان رقيق جداً ومحتشم، ووشها “منور” بابتسامة راحة مشفتهاش مع باهر أبداً، وكانت واقفة وسط ولادها وولاد سامح وهما بيضحكوا.
سامح قال بحب:
— “دي الست اللي كنت بدور عليها من زمان.. الست اللي بتخلي الراجل يحس إنه ‘راجل’ مش مجرد ‘بنك’ متنقل.
أنا جبتلها واحدة تساعدها عشان مش عايز إيدها تتعب، عايزها تفضل ملكة متوجة في بيتي.”
باهر مقدرش يكمل، لف ورجع يجر أذيال الخيبة. رجع لبيت “نيرة” اللي لقاها قاعدة ماسكة الموبايل وبتكلم خبيرة تجميل عن “بروتوكول” صبغة شعرها الجديد، ولا سألت عليه أكل ولا شرب ولا حتى حمد الله على سلامتك.
بص لها بقرِف وهو شايفها “بلاستيك” خالي من الروح، وافتكر كلام صحابه.. عرف إنه مش بس خسر هناء، ده خسر احترام الكل، وخسر نفسه في رهان خسران من الأول
دخل باهر البيت وهو حاسس بتقل في رجليه، كأنه شايل جبال على كتافه.
لقى نيرة قاعدة في الصالة، المفرش متغرق بقع ألوان من صبغة شعرها الجديدة، والبيت فيه ريحة كيماويات تخنق، مش ريحة أكل دافي يرم العضم.
باهر بصلها بمرارة وقال بصوت مخنوق:
— “أنا تعبت يا نيرة.. تعبت من المستشفى، وتعبت من البيت ده، وتعبت من الأنانية دي. أنا عايز ننهي المهزلة دي، كل واحد يروح لحاله.”
نيرة نزلت الموبايل من إيدها، وبصتله ببرود شديد، ورسمت على وشها ابتسامة صفراء وقالتله:
— “تطلقني؟ تمام يا باهر، مفيش مشكلة..
بس أنت عارف طبعاً إن المؤخر بتاعي مليون جنيه، ده غير قايمة المنقولات اللي أنت ماضي عليها بكل اللي في البيت والدهب اللي بعته عشان أسدد ديونك القديمة.. لو معاك المليون جنيه والدهب، ورقتي توصلني بكرة.”
باهر اتسمر مكانه، الكلمة كانت زي الضــ,,ـــــربة القاضية. هو فعلاً مابقاش معاه مليم، نيرة خلصت على كل مدخراته، والبنك بدأ يبعت له إنذارات بسبب القروض اللي خدها عشان “برستيجها”. بص لها ولقى في عينيها نظرة “شم,,اتة” وقوة، عرف إنه بقى أسير.. سجين في بيت دفع تمنه كرامته وعياله، ومضطر يفضل مع ست مابتطيقوش، بس عشان “الوصلات” اللي ماضي عليها.
في نفس اللحظة، في الناحية التانية من المدينة..
كان سامح وهناء قاعدين في بلكونة بيتهم الهادي. سامح كان بيشرب الشاي اللي هناء عملته بـ “مِزاج”، والولاد كلهم كانوا بيلعبوا في الصالة في أمان.
سامح بص لهناء وقالها بامتنان:
— “تعرفي يا هناء؟ أنا النهاردة بس عرفت إن الجنة ممكن تكون في الأرض، والجنة دي هي البيت اللي إنتي فيه. شكراً إنك قبلتي تكوني مراتي، وشكراً إنك ربيتي ولادي كأنهم حتة منك.”
هناء ردت عليه بابتسامة صافية، ملامحها بقت أجمل وأهدى بكتير من زمان، وقالتله:
— “أنت اللي شلت عني الهم يا سامح، أنت اللي عرفتني إن الست غالية، مش باللبس ولا بالمظاهر، لكن بالاحترام اللي بتلاقيه من راجلها. ربنا يديمك تاج فوق راسي.”
باهر كان واقف في بلكونته هو كمان، شايف من بعيد أضواء المدينة، وحاسس إنه ميت وهو حي. نيرة نادت عليه من جوه بحدة:
— “باهر! قوم لم الأكياس دي وطلع الزبالة بره، وبعدين ابقى شحن لي الموبايل عشان الشاحن بعيد عني.”
مشى باهر بكــ,,ـــــسرة ينفذ طلباتها، وهو عارف إن دي بقية حياته..
خادم لتمثال شمع، في بيت ملوش روح، بينما “الكنز” اللي كان في إيده، بقى دلوقتي بين إيدين راجل عرف قيمته وصانه.
النهاية

